الجمعة 04-12-2020 02:39:17 ص : 18 - ربيع الثاني - 1442 هـ
آخر الاخبار
الحجرية تمدن و مدنية
بقلم/ أحمد عبدالملك المقرمي
نشر منذ: 3 أشهر و 12 يوماً
الجمعة 21 أغسطس-آب 2020 08:47 م

 ما من شك أن 21 أيلول 2014م. كان يوما أسود، و بالغ الشؤم على اليمن و اليمنيين ؛ و ذلك بسبب الانقلاب الغادر الذي تسلمت به جماعة الكهنوت الحوثية العاصمة صنعاء . على إثر ذلك الغدر و الانقلاب الغاشم غادرت قيادات سياسية رسمية البلاد، فيما آثر البعض الانكفاء و التواري، و عدم القيام بأي دور تجاه مليشيا الكهنوت الحوثية - و قلنا في مقال سابق ربما كان لهم عذر ما، أو حسابات خاصة بهم. كان قلة من أبناء الحجرية ( وهي المقصودة من هذه السطور ) و ممن كان يشغل مناصب رفيعة ممن غادر البلاد و اتخذ موقفا من الشرعية، فيما قلة أخرى بقيت و انكفأت على صمت، مع سخط على الشرعية أيضا . عاشت اليمن عامة، ظروفا حربية شديدة الصعوبة، و زاد تعز أنها تعرضت - و ماتزال - لحصار بالغ المشقة، و كانت الحجرية في عمق هذه المعاناة، حربا و حصارا، فتصدى أبناؤها بجدارة و بسالة لمليشيا الكهنوت الحوثية . وهنا تبرز تساؤلات، لم تكن هذه السطور ترغب في أن تطرحها أو تثيرها، غير أن بعض إخوة لنا ممن غادر البلاد، و أدار ظهره للشرعية، و عاداها، و لم يكن لهم أي موقف مما تعرضت له اليمن من مليشيا الكهنوت؛ أفاق مؤخرا فالتحق بالشرعية، أو ممن انكفأ على نفسه، و بقي في البلد دون ان يكون له أي موقف ضد مليشيا الحوثي، ثم لما أمن على نفسه و التقط أنفاسه بفضل الله و بجهود المقاومة و الجيش الوطني؛ خرج من مخبئه ينتقد المقاومة و يسب الجيش الوطني ؛ من تلك التساؤلات لهؤلاء و أولئك؛ المغادرين أو المنكفئين و المتوارين - ممن ينتسبون للحجرية : أين كنتم و المواجهات في أطراف مديرياتها، و على أشدها نارا و حِمما ملتهبة تستهدف أهلها و قراها ؟ هاتوا موقفا معنويا واحدا ساندتم فيه أهلكم حينها؟ لن نطالب بمواقف مادية، أو مساندة مبدانية، بل ليتها حتى مواقف إعلامية، وقفتموها مع اليمن او مع تعز أو الحجرية بمديرياتها ؟ لا تريد هذه السطور أن تعطي نفسها الحق في أن ترحب بعودة هؤلاء وتمنع أولئك، بل ترحب بكل من عاد إلى رشده و انضم للشرعية، فقط ينبغي أن تكون عودته سندا حقيقيا لها. ستجيب الحجرية - عن التساؤلات السابقة - بصراحة و وضوح أن أبناءها في الداخل مثلوا جبهة واحدة في وجه الكهنوتية الحوثية، و حتى كثير ممن غادرها مضطرا كان و مايزال لهم دورا فاعلا ومساند بجهود متعددة و متنوعة. أما في الداخل فقد كان أبناؤها يتعاضدون و يتعاونون جنبا إلى جنب ، و ليس ثمة أي إشكال- بصرف النظر عن قلة قليلة فجاء الذين أفاقوا مؤخرا، و جاء الذين تشجعوا بعد انكفاء ؛ عادوا لا لييستدركوا خطأ وقعوا فيه بسبب حسابات خاطئة مضت، أو للتعويض عن قصور حدث منهم بسبب تواريهم و انكفائهم ، و إنما عادوا ليعملوا بإدراك أو بغير إدراك، أو ربما طاعة لمخطط مشبوه على شق الصف الذي تميز بتماسكه في الحجرية ؟ الحجرية ليست جديدة عليها التعددية السياسية، وليس هذا سر يذاع ، بل عاشته منذ زمن بعيد، و مع ذلك لم يَسْعَ أي طرف لتبني إحداث انقسام مجتمعي مدمر، كما يسعى له الذين أفاقوا مؤخرا من غيبوبتهم، أو خرجوا من مخابئهم، و مع التنوع السياسي الذي كان ؛ فقد كان هناك مشيخ أيضا ، لكنهم كانوا عند مستوى جيد من الفهم و المسؤولية التي تقف بهم على مسافة واحدة من الجميع، و هو الأمر الذي ساعد على ترسيخ تمدن مجتمع الحجرية، و تلاشي الروح القبلية، و تراجع النَّفَس المشْيَخي و تحوله إلى وجاهة مجتمعية عامة و زعامة شعببة و متمدنة ، تاركة المشيخة القبلية التي تجاوزتها، أو قل هذبتها ثقافة التمدن. أن يأتي اليوم من يتحدث عن مجلس عشائري، أو قبلي ، أو عصبوي، أو قروي، فإنما ينبش عن رمم قد دفنت ، و عن جهالة قد طوتها المدنية و التمدن، و مثل هذه الدعاوى لا تنسجم ألبتة مع مضامين النظام الجمهوري؛ لأنها في الأصل من مخلفات الحكم الإمامي البائد الذي كان يرعاها كوسيلة خبيثة من و سائل فرق تسد التي كان يضرب بها القبائل و المناطق ببعضها. عار على وجاهات عامة، و قيادات شعبية أن تتجاوب مع دعاوى مشبوهة، هدفها تمزيق المجتمع، و إحداث الانقسامات الداخلية فيه . مجتمع الفكر و الثقافة، و الوعي و التمدن و التعددية السياسية، ومجتمع تنتشر فيه مصطلحات الاستاذ و العلامة و الدكتور و القاضي، و المهندس و الطيار و اللواء و الميكانيكي .. الخ. عيب أن تنطفئ أو تطوى هذه الهامات العلمية، و الأكاديمية، و الفكرية، و الثقافية، و يُجَر مثل هذا المجتمع إلى مجلس قروي أو عشائري أو قبلي، هذه قمة الخيبة و الفسالة و التخلف . من العيب و الهوان أن يأتي - اليوم - من يسعى بغباء لإعادة المجتمعات المستنيرة إلى مصطلحات الجهالة و العار : الثأر، و الغرّام، و يا آل فلان، و مفهوم التخلف و الجهل :" أدعس حَدّ الناس و احمي حدّي" !! عيب ! عيب ! عيب و عار على الحجرية أن يأتي من يفكر فيها مجرد تفكير بمثل هذا التر اجع المخزي، في وقت باتت تتمدن فيه مجتمعات قبلية صِرفة، لكنها غدت اليوم تخلع تلك القيود القروية و العشائرية شيئا فشيئا . من يحمل الدواء لا يحمل السم ّ، و من يحمل القلم لا يروّج للقيود، و الطبيب لا يمتدح الوباء، و العالم لا يشجع الجهل ! و بمصطلح السياسة : القومي لا ينتكس فيرجع قرويا، و الأممي لا يعود عشائريا، و العالمي لا يتحول مناطقيا .. فالعالم قرية واحدة . والتعويل كل التعويل على المجتمع الحر الأبي الذي رفض و يرفض الإمامة الحوثية، معول عليه في أن يرفض أيضا أدوات و وسائل الحوثية التي من أهدافها تقسيم المجتمعات إلى مناطق متنازعة ، و فئات متناحرة، و طبقات يعادي بعضها بعضا، و المجتمع المستنير لا يمكن أن يعود إلى جهالات الظلام و التخلف. .