الإثنين 06-02-2023 15:10:40 م : 15 - رجب - 1444 هـ
آخر الاخبار
العنصرية الطبقية في اليمن.. مُخلفات الماضي المَقيت
بقلم/ يُسرى عبد الله
نشر منذ: شهرين و 4 أيام
السبت 03 ديسمبر-كانون الأول 2022 03:15 م

الأنساب والأخلاق للطبقات الاجتماعية المتوكلية في اليمن سرد قصصي يربط السبب (التاريخ) بالنتيجة، قبل ثورة سبتمبر عام 1962، حكم الأئمة الزيديون شمال اليمن تحت المملكة المتوكلية. أصبح اليمنيون منظمين بشكل متزايد في تسلسل هرمي اجتماعي صارم يتكون من خمس طبقات اجتماعية: الأولى، السادة (الطبقة الدينية)، الثانية القضاة، الثالثة الشيوخ (زعماء القبائل)، الرابعة رجال القبائل والخامسة تشكل هذا التقسيم الطبقي الاجتماعي على طول خطوط الأنساب. وكلما زادت قابلية التقدم في مراحل الأنساب وقوة الادعاء بالقرب إلى أعلى طبقة، ارتفعت المرتبة والقوة السياسية والاجتماعية والمادية المصاحبة لها.
ادعى السادة صلتهم بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، واحتلت أعلى مرتبة في التسلسل الهرمي، تم بناء السادة على أنهم وسطاء حكماء، عادلون، نبلاء وماهرون. وفي إطار ادعائهم يصفون الطبقة الخامسة بالضعفاء و "مفتقدون للأصول" يشملون المزينين، مثل الجزارين والحلاقين، وغيرهم من اليمنيين المهمشين السود.
أطاحت ثورة 26 سبتمبر بأئمة المملكة المتوكلية المستبدة عام 1962. كان الوعد بنظام جمهوري جديد. أعاد توزيع السلطة السياسية عبر الانقسامات الاجتماعية. أخذ بعض الفئة الخامسة نصيبًا من السلطة السياسية للجمهورية الجديدة. ومع ذلك، استمرت مخلفات إمامة اليمن في علم الأنساب بتشكيل عوالم الحياة للطبقات الاجتماعية إلى اليوم.
الإنسان اليمني لا يولد عنصرياً ويستمر كذلك إذا لم يتعرض للتأثير الثقافي العنصري، نادراً ما تنظر ثقافتنا إلى المشكلات الاجتماعية من منظور فردي - ما الذي فعله الشخص لكي "يستحق" حالته أو ظروفه المحددة؟ لكننا نعلم أن التاريخ والسياسات والثقافة والعديد من العوامل الأخرى التي تتجاوز الخيارات الفردية قد أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم.
من خلال ردة الفعل بعض الناشطين اليمنيين ضد من مارس العنصرية الطبقية تجاه الفنان اليمني ملاطف حميدي الحرازي بسبب مهنته، نجد أننا أحرزنا بعض التقدم المهم في تقليل التمييز والعنصرية، لكن لا يمكننا التظاهر بأننا تجاوزنا ذلك تمامًا.
أحيانًا تكون العنصرية جزءًا من الهياكل والأنظمة التي نعيش فيها. وأحيانًا تكون العنصرية "خفية" ويصعب على الآخرين ملاحظتها، فواقع الأماميين الجدد يظهر الظلم وعدم المساواة عبر نظام العدالة والصحة والتعليم.
البعض يتجاهل ما يشعر به اليمني جراء التمييز العنصري الحوثي، ويخبروننا بأننا نبالغ في رد الفعل، أو ينكرون وجود مشكلة؛ لكن لابد من تحمل مسؤولية إصلاح العنصرية من جميع الأطراف في المجتمع وعلى جميع الأصعدة؛ لإجراء تغييرات على السلوك المجتمعي ودعم حقوق من يعانون من العنصرية والتهميش، بل من المهم تأهيلهم علمياً وثقافياً وتمكينهم مجتمعيا، ورعايتهم صحيا.

ضمان تكافؤ الفرص للجميع هو في مصلحتنا الاقتصادية والمجتمعية المشتركة. ولنكن صريحين بشأن العلاقة المتشابكة بين العنصرية والفرص الاقتصادية والنتائج الارتدادية، فالعوامل الاجتماعية والاقتصادية قائمة بذاتها، إذا كان نظام التعليم على سبيل المثال أكثر إنصافًا، أو كانت فرص العمل أكثر وفرة، فسنرى تكافؤ الفرص للجميع. ولن تكون بعض الفئات المهمشة عالة بسبب فقرهم وجهلهم، بل مساهمة ورائدة في التنمية والبناء.
نحن نؤمن بمعاملة الجميع بشكل عادل، بغض النظر عن نسبهم ومهنهم أو من أين أتى أسلافهم، لكن ما نؤمن به بوعي وما نشعر به ونفعله بغير وعي يمكن أن يكونا شيئين مختلفين تمامًا، وعلى الرغم من أفضل محاولاتنا لتخليص أنفسنا من التحيزات والصور النمطية، فإن أغلبنا يمتلكها ربما بسبب عوامل ثقافية موروثة، فيعتمد الأمر فقط على مدى الوعي.
إن القيادة بقيم مشتركة: (العدالة، الفرص، المجتمع، الإنصاف) يمكن أن يساعد البدء بالقيم التي تهم المجتمع على التأثر والامتثال إلى رسائلنا بشكل أكثر فعالية من الحقائق الجافة أو الخطاب العاطفي. تشجيع الناس على التفكير في القيم المشتركة يسهم بالوصول إلى الطموح والأمل. عندما يكون ذلك ممكنًا.
والأجيال القادمة ربما تحرز تقدما إذا استمرت في مواجهة الخرافات العصبية والعنصرية التي يتبناها الحوثي؛ ففكرة العنصرية "إلى حد كبير" ربما تنتهي أو تختفي بمرور الوقت. بل سيدركون أن ادعاء التمييز هو في حد ذاته عنصري ومثير للانقسام، والإيمان بتكافؤ الفرص لمن يمتلك الجدارة أو القيادة أيا كان نسبه وانتماؤه.
ربما هناك العديد من الأسباب للتواصل مع مختلف الجماهير حول قضايا العنصرية والطبقية التي يمارسها الحوثي في اليمن، لكن لابد من إدارة ممنهجة للمؤثرين ورواد منصات التواصل الاجتماعي في مناهضة الموجة التنميطية المقيتة التي يستخدمها الحوثي ضد من يراهم دونه في النسب أو امتهانه لأصحاب المهن. هناك أوقات كثيرة يحتاج فيها الناس للتعبير عن غضبهم وإحباطهم وألمهم للعالم والتحدث عن عنصرية الإماميين قديما وحديثا وما خلفته من أثار سلبية على المجتمع. فعبر المؤثرين يمكن الوصول إلى أشخاص آخرين يؤثرون في صناع القرار المحلي والدولي.

لنوسع دائرة العنصرية وآثارها من الداخل اليمني وننظر إلى نتائج الممارسات العنصرية في الخارج الأوروبي أو الخليجي مع ظروف الهجرة المختلفة، نلاحظ أن ثمة تهديدات لانحدار الهوية إذا كان صاحبها ضعيف المعرفة والثقة أو لديه مخاوف أمنية بسبب انتماء أو موقف سياسي ما، فإن المعاملة بشكل مختلف عن الآخرين بسبب عرقنا، ديننا، مواقفنا السياسية، لغتنا ولهجتنا، أو لون بشرتنا؛ يمكن أن تعني أننا نعيش في خوف أو قلق دائم على أرض غيرنا، فكيف الحال إذا كانت على أرضنا؟ قد نبدأ بالقيام بنفس الأشياء التي يفعلها الآخرون ببساطة دون تفكير. على سبيل المثال:
التحدث بلغة أو لهجة أخرى، في الأماكن العامة حتى دون الحاجة لذلك فقط لتجنب التنميط والعنصرية.
عدم استخدام الاسم الحقيقي في طلب وظيفة.
القلق بشأن التعامل مع الشرطة.
القلق بشأن ارتداء الملابس التي نريد ارتدائها.
إخفاء أجزاء من هويتنا، مثل ديننا أو ثقافتنا.
تجنب مشاركة نظرتنا للعالم أو المشاركة في توصيل قضايانا العادلة.

نعلم أن العنصرية لا تزال قائمة وأن آثارها يمكن أن تكون مدمرة؛ فلذا تقع على عاتقنا جميعًا مسؤولية دراسة أسباب وآثار العنصرية في بلدنا وخارج بلدنا والتعرف على التسلح بعوامل القوة لمناهضتها. علينا أن نفهم ديننا الإسلامي ونحتكم لمنظومة قيمه، ونثقف أنفسنا ونتعلم كيف ندافع عن الحقوق والحريات.
يجب على أصحاب القرار والمسؤولين أن يتبنوا قرارات صارمة بحق من يمارس العنصرية بقول أو فعل، سنكون الأفضل عندما نتأكد من أن كل شخص لديه فرصة لتلبية إمكاناته ومواهبه ومهنه المختلفة. ونستطيع أن نقول مستقبلاً إننا دولة تأسست على مُثُل الفرص والمساواة ولدينا مسؤولية حقيقية للوفاء بهذه القيم. التمييز على أساس النسب أو المهنة أو اللون يتعارض مع ديننا، والعنصرية إهانة خاصة لقيمنا، وعلينا أن نفعل كل ما في وسعنا لوضع حد لها؛ فالامتثالن للعدالة والمساواة منهجية إسلامية، من مصلحة أمتنا ضمان تمتع الجميع بفرص كاملة ومتساوية.