الخميس 29-02-2024 10:51:55 ص : 19 - شعبان - 1445 هـ
آخر الاخبار
الصين في معادلة الكتلة الأسيوية المنشودة
بقلم/ د. ثابت الأحمدي
نشر منذ: سنة و شهرين و 20 يوماً
الجمعة 09 ديسمبر-كانون الأول 2022 03:57 م
  

بنظرةٍ كلية جامعة على سوسيولوجيا القارتين الأوروبية والأسيوية نخلص إلى نتيجةٍ مبدئيةٍ عامةٍ، تقرر أن آسيا "أسيويات" في حقيقتها، لا آسيا واحدة، بمعنى أنها قارة متعددة، متنوعة، وإن شئت قل: متناقضة أيضا، خلافا لقارة أوروبا التي يغلب عليها التجانس الروحي والتاريخي والهُوياتي إلى حد بعيد، وإن وجدت فروقات وإثنيات وتناقضات أيضا؛ لكن ما تعدديات أوروبا بشيءٍ قياسا إلى تعدديات آسيا.

والحديث عن آسيا وأوروبا هنا هو في صميمه أيضا حديث عن شرق وغرب. وهو المصطلح المتداول منذ التاريخ القديم، وبرز أكثر إبان الحروب الصليبية ضد بلاد الشرق، وهي حروب لا علاقة لها بالصليب في حقيقتها؛ بل حروب غربية شرقية اتخذت لها شعارا دينيا من قبل البابا أوربان الثاني وكرادلة مجمع كليرومونت. زادته أدبيات القرن العشرين الغربية بروزًا، خاصة مع ظهور المنظرين الشوفينيين الجدد الذين يقررون أن الشرق شرق، والغرب غرب، ولن يلتقيا. وهذا ما جسدته نظرية صاموئيل هنتنجتون "صراع الحضارات" وهي في الأصل نظرية أستاذه برناد لويس التي نظّر لها منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي، زاد هذه الفكرة تعميقا فرانسيس فوكويا بنظرية "نهاية التاريخ" التي لا تعدو أن تكونَ محاولة بئيسة لتصحيح أفكار خاطئة، هي في جوهرها ضد حقائق الكون وقوانين الطبيعة، فالقيم الغربية ليست نهاية التاريخ على أية حال.

حضارة الغرب واحدة في منشئها ومظهرها، تنزع في تاريخها إلى الحضارة الإغريقية القديمة، فيما الشرق حضارات متعددة ومتنوعة، وتنزع كل منها على حده إلى جذر مغاير لنظيره. لدينا الحضارة العربية قبل الإسلام، ثم الحضارة الإسلامية بعد ذلك، لدينا الحضارة الفرعونية، لدينا حضارة الصين، لدينا حضارة الهند، ولدينا حضارة الفرس، وعلى هامش هذه الحضارات ثمة حضارات أخرى، كالحبشية القديمة، وحضارات ما عرف مؤخرا بالنمور السبعة، ومنها اليابان وماليزيا وإندونيسيا والكوريتان، فكل منها حضارة قديمة بخصوصية محلية، هذا هو الشرق المتعدد، المتنوع أعراقا وتاريخا وهُوياتٍ، وهذه هي آسيا الكبرى، أعظم وأكبر القارات، وأكثرها سكانا؛ إذ تفيضُ بحوالي أربعة مليارات ونصف مليار نسمة، يمثلون 60% من سكان العالم. وتضم القارة الأسيوية ست دول بين مجموعة العشرين، هي: الصين والمملكة العربية السعودية والهند وإندونيسيا واليابان وكوريا الجنوبية.

وبالنظر في السلوك السياسي الحديث لكلا القارتين، على الأقل خلال العشرين نجد أن الحضارة الأوربية بقدر ما أضافت للبشرية من قيم إنسانية نبيلة، وإنجازات علمية حديثة أيضًا بقدر ما توحشت في سلوكها السياسي تجاه الغير، ولم تستطع حتى الآن أن تتناغم بين تنظيراتها المثالية وسلوكياتها السياسية، إلى حد احتلال واستعباد قارة بأكملها هي قارة أفريقيا نهاية ثلاثينات القرن الماضي، لم يكن فيها دولة مستقلة ذات سيادة لا ترتهن لأي دولة أوروبية. وعلى ضوء هذا يصح أن نطلق على الحضارة الغربية: الحضارة المسلحة.

وعلى العكس من الحضارة الأوربية حضارات الشرق فإنها حضارات سلمية، وموقفها في الغالب الأعم موقف دفاعي، وكل حروبها في القرن العشرين كانت داخلية، لم تتجاوز ذاتها إلى قارة أخرى، كحروب اليابان والصين، وكحروب الهند وكشمير، إضافة إلى حروب الشرق الأوسط البينية، ولا تزال اليابان إلى اليوم تئن من مظلمة هيروشيما وناجازاكي سنة 1945م. 

لقد أتت لنا الحضارة الغربية بالرأسمالية المتوحشة التي خلقت الطبقية الرأسمالية، في القرن العشرين، ورغم خطر هذا التوحش الذي بانت حقيقته فلا تزال الكتلة الأوروبية سائرة في غيها دون مراجعة نفسها لإدخال إصلاحات اقتصادية وإنسانية وأخلاقية معاصرة، وفقا لما تدعو في خطاباتها النظرية على الأقل. لقد تسيّدت أوروبا بلا منافس في القرن العشرين، فتملكت ما ليس لها من مقدرات الشعوب الفقيرة في أفريقيا وآسيا بعد أن استعبدت أهلها، واليوم بدأ المارد الأصفر يتململ من رقاده وينهض من كبوته، ممثلا في الصين بدرجة رئيسية، وبعض النمور الأسيوية الأخرى، وأيضا بالمملكة العربية السعودية التي التفتت اليوم إلى الشرق الأقصى، في الوقت الذي لم تعلن قطيعتها مع الغرب، ولن تفعل بطبيعة الحال. وهو ما لم يكن متوقعا لدى الكثير. الأمر متعلق برؤية جديدة شابة، تتعاطى مع المصالح مباشرة كما تفعل أي دولة. وهي رؤية قائمة على بُعد نظر استراتيجي ذكي يسعى لخلق عملية توازن جديدة في المنطقة، حتى لا يظن طرف ما أن الشرق الأوسط من إقطاعياته الخاصة..!

اليوم تدرك المملكة العربية السعودية موقعها من العالم وموقع العالم منها، فبدأت ببناء تحالفات متينة مع أكثر من قطب فاعل في المعادلة الدولية، كما فعلت سابقا مع روسيا، وهي استراتيجية قد تعيد للمنطقة اعتبارها مستقبلا، خاصة إذا ما انضم إلى هذه الاستراتيجية الجديدة كل من الهند واليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا من خارج الشرق الأوسط. 

والواقع أن ثمة ملفات كبيرة أخرى لدى الصينيين لم يحسموها بعد مع غيرهم، حتى تستوي المعادلة، في ظل المتغيرات الجديدة، أهمها التعاطي الإيجابي مع موضوع الحقوق والحريات وقضايا اللجوء والانفتاح على الشرق الأوسط، فلا تزالُ الصين مرتبطة في الذهنية العامة اليوم بالمسألة الاقتصادية فقط، دون بقية الجوانب، مع أنها تستطيع الحضور على أكثر من صعيد، خاصة وأن سجلها التاريخي نظيف وحسن السمعة تجاه إخوانهم العرب، فالعلاقاتُ العربية الصينية إيجابية في أغلب مراحل التاريخ، ثم إن القيم الكونفوشيوسية، وهي الأيديولوجية الصينية السائدة متوافقة إلى حد كبير مع القيم الروحية والأخلاقية السائدة في منطقة الشرق الأوسط، ويستطيع الجميع تعزيز هذا المشترك التاريخي الثقافي مستقبلا، كما أن المصالح المشتركة أكبر ضمانٍ لديمومة العلاقات الاستراتيجية أيضا.

وخلاصة القول.. الصين والشرق الأوسط اليوم في طريق صياغة معادلة جديدة، تقتضيها المتغيرات الحالية، ومتغيرات المستقبل، على قاعدة الندية، بعيدا عن الهيمنة الغربية التي عرفها الشرق الأوسط خلال القرن العشرين، وعانى منها كثيرا. هذه المعادلة لا تعني قطع العلاقة مع الغرب أو الاستغناء عنه أبدا، بل إضافة حليف أو صديق جديد لا أكثر، استطاع أن يفرض حضوره بقوة على الساحة.