السبت 18-09-2021 16:38:22 م : 11 - صفر - 1443 هـ
آخر الاخبار

اقتصاد الحرب.. كيف بنى الحوثيون إمبراطوريتهم المالية على حساب دمار الدولة والمجتمع؟

الخميس 29 يوليو-تموز 2021 الساعة 05 مساءً / الإصلاح نت - خاص - عبد السلام الحاتمي

 

بعد نهب مليشيات الحوثيين للاحتياطي النقدي في البنك المركزي اليمني، قبل نقله من صنعاء إلى العاصمة المؤقتة عدن، وتدميرها لمقومات الاقتصاد الوطني، اكتشفت أنها أمام واقع جديد انعدمت معه وسائل تمويل حربها على اليمنيين وتحقيق الثراء الشخصي، لذلك لجأت إلى اعتماد مصادر بديلة مكنتها من بناء إمبراطورية مالية ضخمة على حساب دمار الدولة والمجتمع، مثل زيادة الضرائب والجمارك والجبايات والسوق السوداء للمشتقات النفطية والغاز المنزلي وغير ذلك، ومهما تعددت مسميات المصادر البديلة لاقتصاد الحرب، لكنها تتمحور حول مصدر واحد وهو نهب ممتلكات المواطنين والتجار ومؤسسات القطاع الخاص.

- تدمير ممنهج للاقتصاد الوطني

كان تدمير مليشيات الحوثي للاقتصاد الوطني بهدف إقامة اقتصاد موازٍ منفلت مخالف لقوانين البلاد ويشرعن النهب والجبايات بطرق مختلفة، إذ أدى إقدام مليشيات الحوثي على نهب الخزينة العامة للدولة، والاستحواذ على الإيرادات لحسابها، إلى حدوث نتائج كارثية على الاقتصاد الوطني بشقيه الكلي والجزئي، على المدى القريب والمتوسط والبعيد، والنتيجة الأولية لذلك ارتفاع نسبة الفقر إلى 85%، بعد نهب الرواتب ومصادرة الوظائف وتسريح العاملين في المؤسسات التجارية الأهلية التي استحوذت عليها المليشيات.

وتؤكد الإحصائيات أن تدمير الحوثيين الممنهج للاقتصاد الوطني تسبب بفقدان أكثر من ثلاثة ملايين يمني لأعمالهم كليا، واستبدلوا الآلاف من الموظفين المطرودين بأشخاص موالين للمليشيات، بدون وضع معايير للتوظيف، فالمعيار الوحيد هو الولاء للمليشيات الحوثية وزعيمها.

- اقتصاد الحرب والفساد

في يناير 2019، أطلق تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن تحذيرات جديدة حول التهديدات المحتملة لتسوية النزاعات القصيرة الأجل وتحقيق الاستقرار، وسرد التقرير بشكل مفصَّل تفاصيل ازدهار اقتصاد الحرب، الأشبه بالمافيا، الأمر الذي يخلق عوامل غير مشجعة للسلام، أي أن مليشيات الحوثي لا ترغب بالسلام لأن استمرار الحرب يعني استمرار اقتصاد الحرب ومزيدا من الثراء وتكدس الأموال.

ويقول تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن إن عوامل مختلفة مزعزعة للاستقرار في اليمن أدت إلى تطوير اقتصاد هام تغذيه الحرب، مؤكدا أن الذين يستفيدون من هذا الاقتصاد هم أقل ميلا بكثير لتسهيل عملية الانتقال إلى السلام، ويمكن أن يعملوا كمفسدين إذا تهددت مصالحهم.

وعلى سبيل المثال، ذكر التقرير أنه بهدف تمويل الجهد الحربي، يعتمد الحوثيون على الإيجارات والرسوم في صنعاء التي اعتادت الحكومة تحصيلها، وبلغ إجمالي هذه الإيرادات 407 مليار ريال يمني على الأقل. وعلاوة على ذلك، فإنهم يجمعون ضرائب الاستيراد في موانئ الحديدة والصليف، وعند نقطة التفتيش في محافظة ذمار، التي تمر خلالها جميع واردات البلاد تقريبا، حتى تلك القادمة من نقاط العبور غير الخاضعة للسيطرة الحوثية.

ويشير التقرير إلى أن الحوثيين يحصلون على مبالغ كبيرة من خلال فرض ضرائب على النفط الذي تتبرع به إيران، ربما عشرات ملايين الدولارات شهريا. ويتم استيراد النفط عن طريق الحديدة باستخدام أوراق مزورة تشير إلى أن مصدره هو الإمارات العربية المتحدة أو سلطنة عُمان، على الرغم من أن المصدر الحقيقي هو إيران. ومن خلال اتباع هذا الإجراء، يتعذر على التحالف أو المراقبين البحريين التابعين للأمم المتحدة كشف مثل هذه السفن.

ويحقق الفريق أيضا في اتهامين آخرين ضد الحوثيين: أولا، أنهم يحاولون تحويل المساعدات الإنسانية على نطاق واسع إلى المجهود الحربي، حيث تم الاشتباه في قيامهم بذلك في الحديدة. وثانيا، أنهم يصطنعون ندرة الوقود لرفع الأسعار في السوق السوداء، التي يُزعم أن اتحاد احتكاري مقرّب من المسؤول الحوثي الكبير محمد علي الحوثي يتحكم بها.

وأكد تقرير لجنة الخبراء أن مليشيات الحوثي تحصل بطريقة غير رسمية على أموال من الجبايات والزكوات المختلفة تزيد على مليار و800 مليون دولار، إلى جانب طرق رسمية عن طريق الشركات والكيانات الاقتصادية التي نشأت واستفاد منها النافذون في الجماعة.

كما اتهم تقرير صادر عن فريق مراقبي العقوبات التابع لمجلس الأمن الدولي، مليشيات الحوثي بغسل أموال واستغلال مبالغ نقدية كبيرة بطريقة غير قانونية، مؤكدا أن الحوثيين حوّلوا 1.8 مليار دولار على الأقل في 2019 عن الغرض المخصص لها واستخدموا قسما كبيرا منها لتمويل المجهود الحربي.

وأضاف أن "الحوثيين يؤدون وظائف تقع حصريا ضمن سلطة الحكومة اليمنية، إذ إنهم يجمعون ضرائب وإيرادات عمومية أخرى، والتي يُستخدم جزء كبير منها لتمويل مجهودهم الحربي".

كما يستولي الحوثيون عمليا على إيرادات الضرائب والجمارك والرسوم التي كانت تشكل حوالي 30% من ميزانية الحكومة اليمنية، حسب أرقام 2014.

- استنزاف الاحتياطي النقدي

قُّدر الاحتياطي النقدي للجمهورية اليمنية قبل اجتياح الحوثيين صنعاء، في سبتمبر 2014، بحدود 5.1 مليارات دولار. وفي نهاية العام 2016، اتهمت الحكومة الشرعية الحوثيين باستنزاف الاحتياطي النقدي من العملة الصعبة.

وبحسب البيانات المتوفرة، فقد انخفض الاحتياطي النقدي إلى أقل من مليار دولار، مع توقف حركة التصدير، الأمر الذي دفع الحكومة الشرعية ممثلة بالرئيس عبد ربه منصور هادي، في 18 سبتمبر 2016، إلى إصدار قرار يقضي بتعيين محافظ جديد للبنك المركزي ونقل المقر الرئيسي للبنك من صنعاء إلى عدن، مبررا ذلك بأن قرار النقل كان ضروريا للحفاظ على استقلالية البنك، وهو ما شكل ضربة للحوثيين في منعهم من التصرف من الأصول النقدية للبنك المركزي المتبقية في الخارج، وبالتالي استعادة الكفة لمصلحة الحكومة الشرعية لاتخاذ الإجراءات الاقتصادية كالإصدارات النقدية الجديدة وغيرها.

وكان تمركز مؤسسات الدولة ووصول مواردها الرئيسية الى العاصمة صنعاء قد مكن مليشيات الحوثيين من الاستيلاء على مقومات الدولة جميعها، بما في ذلك البنك المركزي، كما أن بقاء سلطة البنك المركزي والقرار الاقتصادي تحت إدارة مليشيات الحوثي مكنها من تسخيره في دعم حروبها، خصوصا مع استمرار توريد الإيرادات إلى العاصمة صنعاء في فترة الحرب. أيضا، فإن ما عرف بـ"الهدنة الاقتصادية"، والتي استمرت لأكثر من 18 شهرا، قد مكنت الحوثيين من استمرار استنزاف الخزينة العامة والمال العام، قبل نقل البنك المركزي إلى عدن.

- إيرادات المحافظات

تستحوذ مليشيات الحوثي على إيرادات المحافظات التي تسيطر عليها مع أنه يفترض توريدها إلى البنك المركزي في عدن، وتقول مصادر رسمية إن ما يتم تحصيله من قبل المليشيات من إيرادات المحافظات التي تسيطر عليها يفوق 1.7 مليار دولار سنويا، وتسخرها لدعم حربها على الشعب اليمني وبناء إمبراطوريتها المالية الخاصة.

- فرض ضرائب جديدة

لم تكتفِ المليشيات الحوثية بالنظام الضريبي الذي كان قائما قبل الانقلاب، رغم أن عائداته يفترض توريدها للبنك المركزي في عدن بعد نقله إلى هناك، ولكن بعد تشكيل ما تسمى حكومة الإنقاذ الوطني المنبثقة عن الاتفاق الموقع بين مليشيات الحوثي وحليفها جناح علي صالح في حزب المؤتمر الشعبي العام، تم الاتفاق على إجراء تعديلات جديدة في القوانين الضريبية والعمل على زيادة تنمية الموارد المالية لتمويل الحرب، وكشف حينها وزير المالية في حكومة الانقلاب غير المعترف بها دوليا عن توجه لرفع ضريبة المبيعات على اتصالات الهاتف النقال والدولي إلى 22% بدلا من 10%، وخدمات الهاتف الثابت والإنترنت من 5% إلى 10%، وضريبة المبيعات على السجائر المحلية والمستوردة والتبغ إلى 120% بدلا من 90%، وذلك ابتداء من أكتوبر 2017، كما كشفت تقارير عن إقرار زيادة ضريبة المبيعات على السيارات من 5% إلى 15%، مما سيرفع عائدات الضريبة على مبيعات المركبات إلى 6 مليارات ريال سنويا.

- مضاعفة الرسوم الجمركية

ولتنويع مصادر اقتصاد الحرب، اتخذت مليشيات الحوثي جملة من الإجراءات الاقتصادية التي بموجبها تقر فرض جمارك جديدة، واستهدفت تلك الإجراءات الشحنات والبضائع التي خضعت لإجراءات دفع رسوم الجمارك في الموانئ والمنافذ في المحافظات المحررة كميناء عدن ومنفذ الوديعة البري، واستحدثت منافذ تحصيل في بعض مداخل المدن الخاضعة لسيطرتها كالحديدة وذمار وغيرها، وتسببت هذه الإجراءات في ارتفاع الأسعار التي تثقل كاهل المواطنين.

- حرب اقتصادية

يتبين مما سبق أن الحوثيين يشنون حربا أخرى اقتصادية على الدولة والشعب اليمني بموازاة انقلابهم العسكري على السلطة الشرعية والعملية السياسية، بهدف تدمير الاقتصاد الوطني وإنهاك المجتمع لينشغل بقوت يومه حتى لا يقوى على مقاومة المليشيات. وبنفس الوقت، فإن ذلك منح المليشيات المجال لإنشاء كيان اقتصادي موازٍ ومنفلت يحقق العائدات المالية بسرعة كبيرة لتمويل الحرب وبناء إمبراطورية مالية خاصة.

ونتيجة لذلك، فهناك المئات من أصحاب الأعمال والتجار اليمنيين أفلسوا وأنهوا تجارتهم بسبب تعرضهم للنهب والابتزاز المتواصل من قبل المليشيات الحوثية، كما غادر آخرون اليمن وتركوا أعمالهم عرضة لنهب المليشيات. وفي مقابل ذلك، صعد التجار الحوثيون من العدم، باستثمارات تتوزع أنشطتها بين شركات صرافة جديدة، ومحطات كهرباء خاصة بمولدات عملاقة، ومحطات للغاز تعمل بلا تراخيص، كما أنشؤوا أكثر من 20 شركة نفطية جديدة لاستيراد الوقود وبيعه في السوق السوداء بأسعار خيالية، وسيطروا على إيرادات الدولة من ضرائب شركات الاتصالات أيضا، والتي تقدر بمليارات الريالات سنويا.

كلمات دالّة

#اليمن