الثلاثاء 28-05-2024 17:52:22 م : 20 - ذو القعدة - 1445 هـ
آخر الاخبار

صناعة الإرهاب.. عبث الحوثيين بالمناهج التعليمية وخطره على المجتمع

الأربعاء 25 أغسطس-آب 2021 الساعة 09 مساءً / الإصلاح نت-خاص- زهور اليمني

 

 

منذ احتلالها العاصمة صنعاء، أدركت مليشيا الحوثي الانقلابية أن تكريس وجودها بالسلاح وحده غير مجدٍ، فخاضت بموازاة الحرب العسكرية حربا أخرى لا تقل ضراوة وخطورة عن الأفكار، فقامت بعملية تغيير مقصودة تستهدف المناهج الدراسية تحديدًا لغسل عقول النشء ضمن ما تسميه بـ"معركة الوعي"، معتمدة على أدلجة المناهج لخدمة أهدافها، سواء باستقطاب النشء نحو أفكارها ونهجها السياسي، أو بزرع الكراهية والحقد في نفوس الطلاب تجاه من يخالف سياستها.

ومع بدء العام الدراسي الجديد، حذر وزير الإعلام، معمر الإرياني، من أن مليشيا الحوثي تمارس عبثا خطيرا بالمناهج الدراسية في مناطق سيطرتها.

ونشر الإرياني تغريدات عدة في حسابه الرسمي على موقع تويتر، بعد أن تداول رواد منصات التواصل الاجتماعي صورة لكتاب مادة التربية الوطنية للصف الثامن، وعلى غلافه صورة لمسلحين اثنين يحملان صواريخ موجهة، ورسم لوجه القيادي الحوثي حسن الملصي الذي قتل وعدد من الجنود المرافقين له عام 2016 أثناء محاولة التسلل داخل حدود السعودية.

وغرد الإرياني -الذي نشر صورة لغلاف الكتاب- قائلا إن استمرار مليشيا الحوثي المدعومة من إيران في العبث بالمناهج التعليمية لمختلف المراحل الدراسية، ومساعيها في تزييف وعي الأجيال المقبلة، وتعبئتهم بالأفكار الطائفية الدخيلة على بلادنا ومجتمعنا، تهديد خطير للسلم الأهلي والنسيج الاجتماعي، ونسف لفرص الحوار وإحلال السلام والتعايش بين اليمنيين.

وقال في تغريدة أخرى: "هذا العبث الخطير بالمناهج الدراسية امتداد لنهج مليشيا الحوثي منذ انقلابها على الدولة في توظيف العملية التعليمية في الصراع، وتحويل فصول ومقاعد الدراسة إلى مصايد لمسخ عقول الأطفال واستدراجهم وتجنيدهم في جبهات القتال وتحويلهم إلى أدوات لقتل اليمنيين ونشر الفوضى والإرهاب في المنطقة".

وكان مايكل آرون، سفير المملكة المتحدة السابق لدى اليمن، قد حذر من أن "الحوثيين والنفوذ الإيراني سوف يعيدان تشكيل المجتمع اليمني"، كما ذكر في حوار له نشرته صحيفة الشرق الأوسط يناير الماضي. 

وقال آرون، الذي شغل منصب السفير منذ أوائل 2018 وحتى يوليو 2020، إن الحوثيين يغيرون المجتمع اليمني والمناهج الدراسية في المدارس، ويسيطرون على الجامعات ويغيرونها، ويرسلون الطلاب للدراسة في قم بإيران.

- لا بد أن يستنشق الطالب من تلك السموم

لا شك أن الحوثيين يشوهون الرموز الوطنية والذاكرة اليمنية، خصوصا أن العملية الثقافية التابعة لهم كانت قد انطلقت قبل أكثر من ثلاثة عقود في اليمن، وها هم يسعون الآن لتعميم تلك الثقافة عبر لجنة المناهج الحوثية التي تستمد أفكارها ومراجعها من كتب ومؤلفات حسين الحوثي ووالده بدر الدين الحوثي وأخيه محمد الحوثي، التي تنضح بموروث التوحش البشري كالطائفية والعنصرية والكراهية وعدم احترام حقوق الإنسان.

إنهم قادة لا علاقة لهم بالتربية وعلم النفس التربوي، ولا يدركون ما ينبغي أن يحتويه مقرر دراسي.

الدكتور في مركز البحوث (ع. ب) يحدثنا حول هذا الأمر قائلا إن "الحوثيين يركزون على قطاع التعليم بشكل خاص، ويتمحور تركيزهم على المناهج الدراسية، فمنذ انقلابهم بدأت تدخلاتهم في المناهج الدراسية من خلال استحداث منهج حمل في مضامينه أفكاراً طائفية ونزعات سلالية".

وأضاف أن "الحوثي ومن خلال استحداثه منهجاً تعليمياً مستقلاً، عمل على إضافة كثير من التحريفات والمغالطات كما هي عادته وكما عمل في التدخلات السابقة، فهو كلما أراد أن يضيف تدخلات جديدة في المنهج عمل على صورة جديدة للمناهج".

وتابع: "هناك وضع خطير بات يهدد ملايين الطلاب في مناطق الحوثيين، فمهما كانت قدرة الطالب على تحصين أفكاره من تلك السموم، إلا أن حضورها الكثيف وفرضها عليه واستغلال حاجته ستجبره على التعاطي معها، وبالتالي لا بد أن يستنشق من تلك السموم".

ولفت إلى أن "المليشيات تعمل على إيجاد ثقافة فكرية تتوافق مع توجهاتها، وأنهم يسعون إلى تكوين جيل يدين بالولاء والطاعة، ويحمل فكرها المتغطرس والعودة بالبلد إلى الماضي من خلال التضليل والخداع وإحياء صراعات مذهبية لم يشهدها البلد من قبل، مستمدة ذلك الصراع من بلدان غرقت في وحل تلك الصراعات وعاشت منذ زمن طويل في دوامة صراعات طائفية ومذهبية".

واختتم حديثه قائلا: "إن فرض الحوثيين تعليما طائفيا يرسخ العنصرية في المجتمع إنما هو مشروع فتنة لن يكتب له النجاح، وفي حال استمر الوضع على ما هو عليه فقد يعزف كثيرون عن تدريس أبنائهم مفضلين الجهل على التعليم الطائفي، لكننا نراهن على وعي الشعب وتمسكه بثوابته والدفاع عن معتقداته لمواجهة هذا الخطر، وفضح وتعرية ما تقوم به تلك المليشيات، والقيام بمساعدة هؤلاء الطلاب على التحصن من ذلك الخطر بمختلف الوسائل والسبل، والمسؤولية تنصب على الإعلام بالدرجة الأولى عبر تسخير وسائله المختلفة لمجابهة ذلك، فالإعلام هو بمثابة المدفع المزلزل لها والذي سيحد من نشر أفكار الحوثيين المسمومة".

 

- توثيق لأبرز التغييرات التي طالت المناهج

وثقت منصة "صدق" اليمنية في تقرير صدر الشهر الماضي أبرز التغييرات التي أجرتها مليشيا الحوثي على المناهج الدراسية للصفوف الأساسية، منذ سيطرتها على العاصمة صنعاء.

التقرير المشفوع بالأدلة والصور في 43 صفحة يفضح المساعي الخبيثة للمليشيا، حيث تنوعت التغييرات بين عقائدية، وطائفية، وسياسية، وغيرها.

وتضمنت التغييرات إضافة أو حذف دروس وتفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وفق التوجه العقائدي للحوثيين، واستبدال الصور الفوتوغرافية التوضيحية برسوم كاريكاتورية، وإضافة صور وشعارات المليشيا، وتوظيف بعض الفقرات طائفيا.

وأوضح التقرير أن التغييرات التي أشير إليها هي فقط نماذج من التغييرات التي طرأت على المناهج الدراسية للصفوف من الأول وحتى السادس الأساسي.

وتتبّع التقرير أبرز تلك التغييرات بحسب ترتيب مناهج الصفوف الأساسية، من الأول وحتى السادس، على النحو التالي:

 

الصف الأول:

في مادة القرآن الكريم ظهر إمام المسجد "مسربلا"، وفي الوصف: الطريق المستقيم هو طريق الأنبياء وأعلام الهدى، في إشارة إلى عبد الملك الحوثي الذي يسمي نفسه "علم الهدى".

أما مادة التربية الإسلامية في الصف الأول، فقد برزت فيها شعارات المولد على المساجد بالطريقة الحوثية. وفي مادة اللغة العربية قصيدة الحروف: باءٌ بدرٌ بثّ النورا، في إشارة لبدر الدين الحوثي.

في مناهج الصفين الثالث والرابع تم حذف سير الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة، وحذف الأعياد الإسلامية والمناسبات الوطنية كـثورتي سبتمبر وأكتوبر بشكل كامل.

وفي مادة التربية الاجتماعية، اعتبر الحوثيون الثورات الوطنية في اليمن سبتمبر وأكتوبر ثورات فاشلة، وأن معركة اجتياح صنعاء في 21 سبتمبر 2014 جاءت لتصحيح مسار الثورات السابقة.

في منهج الصف الخامس تم حذف وحدة كاملة من كتاب تاريخ اليمن القديم تتحدث عن مظاهر الحضارة اليمنية القديمة واستبدالها بوحدة جديدة اسمها "القصص الحق" بخلفية طائفية.

كما أضاف الحوثيون حركات الإمامة الكهنوتية، كحركة الإمام القاسم عام 1597، وحركة الإمام المنصور وابنه يحيى حميد الدين عام 1892، إلى قائمة الثورات اليمنية. 

كما تم حذف "شخصيات يمنية خالدة" من كتاب التربية الوطنية، وتضم شخصيات كافحت ضد حكم الإمامة وهم الإمام الشوكاني، ومحمد محمود الزبيري، وعلي عبد المغني، واستبدلتها بشخصيات حوثية.

وتم تغيير كتاب مادة التربية الوطنية للصف السادس بشكل جذري، حيث حذفت مليشيا الحوثي وحدات كاملة منه ذات علاقة بتاريخ اليمن وهويتها الحضارية.

ومن المحذوفات: قصص عمر بن عبد العزيز وعمر المختار ويوسف العظمة، والتي تم استبدالها بقصص مؤسس دولة الأئمة الزيدية يحيى الرسي، والقيادي الحوثي صالح الصماد.

 

- انفجار قنبلة حقيقية تنتظر اليمنيين

في تعليقه على المعارضين للتغيرات التي أحدثتها وزارة التربية الانقلابية على المناهج، صرح المؤيد نائب وزير الوزارة الانقلابية على قناة "المسيرة" الحوثية بقوله: "لا أحد يستطيع أن يسمى هذا التغيير الذي يتلاءم مع حالة الدفاع المقدس عن الوطن بالطائفي، لأن التغيير الطائفي يعني أن تنال من طائفة أخرى ماديا ومعنويا، وهذا ما لم يحدث في تطوير المناهج الذي اعتمدته حكومة صنعاء".

أستاذ علم النفس في جامعة صنعاء الدكتور (خ. ت) عقب على كلام المؤيد بقوله: "إذا حذفت المليشيات أفكارا متطرفة من المناهج كما يزعمون، فإنهم بالمقابل وضعوا مواد تعليمية أشد تطرفا وإرهابا، وبما لا يقارن مع عما يتحدثون عن أنهم ألغوه أو عدلوه أو طوروه، وبالتالي هم نجحوا إلى حد ما بخلق جيل طائفي كاره لأمته العربية والإسلامية، وسيكون أداة طيعة بأيديهم في حال بقيت الأمور على حالها".

وأضاف: "إن ممارسات المليشيا لم تتوقف عند تغيير المناهج وفرض المحاضرات الخاصة بها والتحريض على القتال، بل تجاوزت ذلك وأصبحت تهدد المجتمع بشكل عام من خلال الأنشطة الثقافية التي تقيمها وتجبر إدارات المدارس والجامعات على الالتزام بها".

وتابع: "الأمر يزداد خطورة كل يوم، فالحوثيون يصدرون تعليماتهم المباشرة بضرورة تدريس ملازم حسين بدر الدين الحوثي كمتطلب ديني في كثير من الكليات، ويغلقون أقساما رئيسية في بعض الجامعات، ويفتتحون أقساما أخرى لتدريس اللغة الفارسية والتاريخ الثوري الإيراني".

وحول الأسباب التي جعلت الحوثيين يقدمون على هذا الممارسات، أجاب أستاذ علم النفس قائلا: "في هذا الواقع يعتبر نتاجا طبيعيا لإطالة أمد الحرب والتأخر في استعادة الدولة اليمنية، وجد الحوثيون الفرصة سانحة أمامهم لدعم شخصيات موالية لهم وتوزيعها في جميع مناطق سيطرتهم، ومن بينها المؤسسات التعليمية والأكاديمية التي سيطروا عليها، وكانت جامعة صنعاء أول مؤسسة دخلوها بعد سيطرتهم على صنعاء، فقاموا بمحاربة جميع النخب الأكاديمية التي تحمل أفكارا متنورة، بعد أن ذهبوا لتغيير المناهج وفرض برامجهم الخاصة في المدارس، وهم يهدفون من خلال هذا العبث والتحريف إلى إعادة صياغة الذاكرة الوطنية لأجيال بأكملها".

واختتم حديثه قائلا: "على المنظمات الدولية والدول الكبرى المهتمة بإيجاد حل للقضية اليمنية، ألا تكتفي بالتركيز على الجانب الإنساني وإدخال المساعدات أو المساهمة في الوصول إلى اتفاقيات لوقف لإطلاق النار وتبادل الأسرى، لأن الجانب التعليمي مهم للغاية وإهماله سيؤدي إلى انفجار قنبلة حقيقية تنتظر اليمنيين، وقد ينتج عنها انفجارات عقائدية متراكمة، وفي المستقبل سيكون هناك من يدافع عن الثقافات التي يجري غرسها الآن وتلقينها للطلاب، المشبعة بالأفكار الطائفية والمتطرفة والمؤيدة لنظام ولاية الفقيه، ولن يكون بالسهولة إصلاح هذا الخلل الذي يحدث في التنشئة خصوصا في المدارس، وبناء على ذلك يجب الإسراع بالحسم العسكري وإنقاذ ما يمكن إنقاذه".

ختاما، لقد عكف الحوثيون منذ اجتياحهم العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر/أيلول 2014، على إعادة صياغة الذاكرة الوطنية اليمنية وغسل عقول النشء في أماكن سيطرتهم، ولتحقيق ذلك انكبوا على تغيير المناهج الدراسية، فبدؤوا بتغييرات محدودة مثل تغيير تفسير آية قرآنية، أو حديث شريف، أو حذف أسماء الصحابة، أو حتى إلحاق معلومات تطابق رؤيتهم عن ثورة 26 سبتمبر 1962.

ثم ركزوا على كتب المرحلة الابتدائية لتحقيق الاستحواذ على أفكار النشء من الأصغر سنًّا، ففي هذه المرحلة حذفت المليشيات دروسا لها دورها الديني والحضاري والتاريخي والمجتمعي، وحلت محلها دورس تكرس الكراهية والتحريض الذي يخدم أجندة الحوثيين، إذ حرفت المعلومات التي تتعلق ببعض صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فأصبحت كتب التربية الإسلامية تتناسب مع المذهب الشيعي، واستبدلت أسماء الصحابة بأسماء تتناسب مع مذهبهم، وأضيفت مواد تتعلق بسيرة مؤسسهم حسين بدر الدين الحوثي، مقابل حذف بعض النصوص المتعلقة بالخلفاء الراشدين، أو العشرة المبشرين بالجنة، واستبدال أسماء معينة في مناهج اللغة العربية، مثل اسم حفصة بنت عمر وغيرها، بالإضافة إلى إدخال بنود جديدة تدعم وجوب محبة أهل البيت على المذهب الاثنى عشري.

دعمت جهود الحوثيين في تغيير المناهج وجود يحيى الحوثي في منصب وزير التربية والتعليم الانقلابية، إذ أخضع بعض مديري المدارس لدورات ثقافية ضمن عملية حادة للاستقطاب، متزامنة مع استقطاب فتية المدراس من أجل تحويلهم إلى موالين ثم مقاتلين، بعد غسل عقولهم عبر المناهج وجرهم إلى أفكار الحوثيين، وأدلجتهم عن طريق الدورات والرحلات.

نتيجة لهذه السياسة لا يستبعد المراقبون أن يوجد على الأرض اليمنية جيل كبير يدافع عن الثقافة التي يجري تلقينها للطلاب عبر المناهج الدراسية، خاصة أن هذا الجيل يترك دون إنقاذ من أي جهة مسؤولة.