الأربعاء 24-04-2024 21:29:46 م : 15 - شوال - 1445 هـ
آخر الاخبار

مقاصد الوحي بناء اجتماع المعرفة (الحلقة الثانية*: تحرير الإنسان وتجريد الطغيان)

الأحد 25 فبراير-شباط 2024 الساعة 11 مساءً / الإصلاح نت-خاص-عبد العزيز العسالي

 

 

المحور الأول، مبررات الواقع لحراثة التفكير:

 

أولا، طوفان الأقصى تربية بالحدث:

مقاصد الوحي تهدينا إلى أفضل وسائل التربية في بناء مجتمع المعرفة - وسيلة التربية بالحدث نموذجا.

في حلقات سابقة ذكرت هذه الوسيلة بشيء من الشرح، غير أني هنا سأذكرها بإيجاز فيما يلي:

بعد معركة بدر نزلت سورة الأنفال كاملة، وبعد معركة أحد نزلت 64 آية في سورة آل عمران، ابتداء من الآية 120 وحتى 184، وبعد جلاء بني النظير وقينقاع نزلت سورة الحشر، وبعد غزوة الخندق نزلت سورة الأحزاب، وبعد فتح مكة ومعركة حنين وتبوك نزلت سورة التوبة، ولا ريب أن تدفق النصوص بهذه الصورة يعلمنا ضرورة مواكبة الأحداث الكبيرة وتوظيفها بهدف الارتقاء بالوعي والتفكير إلى آفاق مستوى الحدث وضرورة التجديد في قيم بناء مجتمع المعرفة.

ومن يتأمل التوجيهات التي وردت في تلك السور قطعا سيجد عشرات المفاهيم الجديدة والتي حرثت ذهنية الصحابة فتجلت حضورا معرفيا إنسانيا وحضاريا في مجتمع الصحابة - عصر الراشدين في أرقى صور معرفة مقاصد الوحي، فهذا الأسلوب التربوي الفذ كأنه يذكرنا بالمثل العربي القائل: "اضرب والحديد ساخن".

ولا غرابة إذا قيل إن كثيرا من ثقافتنا قادمة من صميم مقاصد الوحي.. ألم نقرأ قوله تعالى: "وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا"، ونقرأ: "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين"، ونقرأ: "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير"، ونقرأ: "قل أأنتم أعلم أم الله"؟

وعليه، فإننا بأمس الحاجة لعودة الخطاب الإسلامي إلى مقاصد الوحي حتى نتمكن من إعادة بناء وعي المجتمع بناء صحيحا ومتينا، كونها، أي مقاصد الوحي، تكتنز فاعليةً وتأثيرا صادقين صادرين عن العليم الخبير من جهة، ومن جهة ثانية أن واقعنا اليوم يشهد أقوى حدث تاريخي هو حدث طوفان الأقصى - حدث مفصلي لم تشهده أمة الإسلام منذ 120 عاما على أقل تقدير. نعم، لقد ظلت أمتنا طيلة 12 عقدا تحلم بتوازن في القوى ولو بأدنى نسبة بين مجموع الدول العربية والإسلامية وبين الكيان الصليبي، ابتداء من قوة العقيدة فالإرادة... إلخ.

وغير خاف على المتابعين أن حدث 7 أكتوبر 2023 دفع المفكرين في كل المجالات إلى القول بضرورة دخول هذا الحدث إلى التاريخ العربي الإسلامي - عسكريا، وسياسيا، وتربويا... إلخ.

وبدورنا نقرر أن هذا الحدث التاريخي يجب أن يظل حاضرا في ذهنية المجتمع العربي والإسلامي كموقف تاريخي فارق حتى نتمكن من حراثة التفكير المسلم انطلاقا من الحدث ومن مقاصد الوحي، ونتمكن من صناعة فقه السياسات العامة - الخير المشترك العام حماية لمصالحنا ونهوضا بالمجتمع - إنسانيا وحضاريا.

 

ثانيا، ديمومة الطغيان السياسي:

الزواج الكاثوليكي بين الطغيان وكرسي الحكم أبرز الدلالات على الفقر الضارب الأغوار في أعماق الوعي المجتمعي تجاه السياسات العامة، وصدق الله القائل: "طال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون".

حتى استبد بنا الخوف والقلق الشديد أن نكون قد دخلنا ضمن توصيف مجتمع فرعون الذي ألغى عقله فوصفه الله بالفسق والعياذ بالله: "فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين • فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين".. لقد ارتضينا بقاءهم بقاء الطغيان القادم من تشويه الإرادة الشعبية وتزييفها، فحضر النفاق، والشللية، وتحول الجو إلى مستنقع آسن، سام، خنق الحياة السياسية والإدارية وصولا إلى توجيه مؤسستي الجيش والأمن ضد وظيفتهما فغاب الانتماء الوطني ثم حضر التوريث ثم قتل الشعب وتمزيق النسيج المجتمعي ودعم أخطر وأسوأ صور الثقافة - لعنة الطائفية السلالية، والنتيجة تدمير وطن.

 

ثالثا، حالة العيس - الإبل الظامئة:

الأمة العربية والإسلامية تمتلك ثروة معرفية قائمة على ركني الإيمان بالله واليوم الآخر، نعم تمتلك ثروة قيمية، وفكرية، وثقافية، وسننية، وسياسية، فلماذا هي غارقة في التخلف؟

بل وتخنقها سلسلة الأزمات المزمنة والفتاكة، حتى صدق فيها المثل القائل:

كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ

والماء فوق ظهورها محمولُ

 

رابعا، الفقر الفكري= غيبوبة حضارية:

يعاني المجتمع الإسلامي عموما فقرا ماحقا في مجال السياسات العامة، أو -حسب مفكرين كبار- غيبوبة حضارية تجاه الخير العام المشترك. ويعلو صراخ المجتمع وألوان السب للتخلف، كما أن المجتمع يقرأ قوله تعالى: "لينذر من كان حيا"، ولكن أين يقرأ القرآن؟ يقرؤونه في المآتم - إنذارا للموتى وليس للأحياء.. أي غيبوبة نعيشها؟

نعذر المجتمع: صحيح أن المجتمع كله يعيش غيبوبة، ولكن المسؤولية تقع على عاتق المثقف الإسلامي. وعليه، فالموضوعية والمنطق العقلي يحتمان على المثقف الإسلامي -وجوبا- أن ينطلق نحو حراثة ذهنية المجتمع انطلاقا من القانون القرآني الخالد: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".. يجب أن

نسعى حثيثا إلى دفن الثقافة المشوهة الجاثمة على ذهنية المثقف الإسلامي - المتمثل في المرشدين والوعاظ بالتزامن مع النخبة - الطالب الجامعي عموما وذلك بغرس وترسيخ المفاهيم الإسلامية الصحيحة انطلاقا من أفق "عقم المكر الطاغوتي الذي ابتلع طاغوت العلمنة وجعل له دثارا خادعا من الموروث الذي كان إجابات لظروفه التاريخية، وأهال تراب النسيان بل وأشعل الاتهامات الفاجرة ضد من يدعو إلى تفعيل المنهج المقاصدي.

 

المحور الثاني، منظومة القرآن في تجريد الطغيان:

يجب أن نطرق ذهنية المجتمع بشكل متواصل بأنواع المفاهيم المختلفة المستمدة من مقاصد الوحي بعد تبسيطها وتقريبها حتى يسهل فهمها وهضمها حتى تصبح مقاصد الوحي ثقافة عامة حاضرة ومؤثرة إيجابا في وعي وصناعة السياسات العامة. نعم، يجب -ضرورة- بناء وعي المجتمع ابتداء بمقاصد الوحي العليا، ثم تثقيف المجتمع بالمفاهيم المستمدة من مقاصد

الوحي، ونحن بدورنا سنقدم المقاصد العليا ثم أبرز المفاهيم، ونحن على ثقة بالقارئ العزيز أنه يمتلك القدرات الكبيرة على بلورة المفاهيم الفكرية والثقافية والاضطلاع بها في بناء الوعي المجتمعي.

 

أولا، المقاصد العليا= مقاصد الخَلْق:

لن نتوقف طويلا بل سنوجز الكلام قائلين: المقاصد العليا هي مقصد توحيد الله، ومقصد التزكية، ومقصد كرامة الإنسان، ومقصد عمارة الأرض.

 

ثانيا، الأدلة:

دليل التوحيد: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".. ودليل عمارة الأرض: "أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها".. ودليل: "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا".. ودليل التزكية: "هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة".

بكلمتين، على النخبة وعموم المجتمع أن يعيان هذه المقاصد العليا وفي ذات الوقت يجب التنبيه والتأكيد أن المقاصد العليا هي الأسس التي سيتم عليها بناء كافة المفاهيم الفكرية والثقافية التي سيقوم عليها بناء المجتمع ومصالحه العامة دنيا وأخرى، وأن مصالح المجتمع دنيا وأخرى متصلة ببعضها كما دل على ذلك القرآن نصا حرفيا ودلالات بالمعنى، بل أكثر من ذلك نص القرآن على الوعيد الشديد لمن فصل بينهما.

أولا، دليل الصلة: "والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب" (الرعد).. والجزاء عقبى الدار - الجنة.

ثانيا، دليل قطع الصلة: "والذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار" (الرعد).

 

بربكم إخواني القراء تأملوا معنا ما تضمنه دليل قطع الصلة:

1‐ من يقطع الصلة بين القيم - مصالح الدنيا والآخرة.. لقد سماهم الله: مفسدون في الأرض.. هكذا بمجرد قطع الصلة أصبحوا مفسدين في الأرض - قول واحد لا استثناء فيه.

2- عقوبتهم اللعنة - الطرد من رحمة الله - طرد من رسالة الرحمة التي جاءت لمصلحة الدنيا والآخرة، عقوبة سوء الدار ضنك العيش: "ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى".

3‐ أرجوك أيها القارئ الكريم عد إلى الفقرة 2 من المحور الأول أعلاه وانظر نتائج الطغيان المحروس بجهلنا بمقاصد الوحي.. هل نحن نعيش سوء الدار؟ ألسنا نعيش انتقام الأفكار، حسب مالك بن نبي رحمه الله إذ قال: إن أية نعمة يمنحها الله للإنسان ولكنه يهملها، تتحول نقمة - أيا كانت، نعمة فكرية أو مادية.. قد يقول قائل: الغرب ترك الدين وها هو يعيش ازدهارا حضاريا. والجواب: نعم، ولا، ذلك أن الغرب لم يترك دينا وإنما ترك خرافة بابوات الكنيسة، هذا أولا. وثانيا، لكل مجتمع ثقافته ومرجعيته الثقافية، والدليل أن العلمانية المادية اقتحمت مجتمع المسلمين فماذا حققت بعد قرن وخمس القرن؟

بكلمتين، لقد تحقق مفهوم سوء الدار الدنيوي في مجتمع العرب والمسلمين، والله نسأله السلامة من سوء الدار الأخروي.

 

ثالثا، منظومة المفاهيم:

1- توحيد الله يعني توحيده ألوهيا، وقيميا، وعبادة، وخلقيا - تزكية، وعقيدة الإحسان بالمفهوم الحضاري، وعقيدة التوحيد السببي - سنن الاجتماع.

2- الكفر بالطاغوت عقيدة، وسلوكا عمليا، ومواجهته تشريعا وقوانين ووسائل وآليات، ذلك أن القرآن نص حرفيا على تقديم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله في القرآن المكي والمدني: "فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها".. انظروا.. لا انفصام.. لا انفصال.

"والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه".

وهناك 6 نصوص أخرى في هذا الصدد، كما أن هناك نصوصا كثيرة ذات دلالة.

الجدير ذكره أن القرآن شرع منظومة لمقاومة الطاغوت سنذكرها لاحقا.

3- تحرير روح الفرد والمجموع: هذا أول وأقوى المفاهيم، بل قل تحرير الروح هو الثمرة وهو الطاقة الحيوية الجبارة المتجددة التي لا يطالها نضوب، ولا يعتورها فتور ولا كلل، كونها تستمد قوتها من قوة توحيدها لله عز وجل. نعم، توحيد الله يعني تحرير الروح، فتنعكس حرية الروح على تحرير الجسد.

إذن، نستطيع أن نقرر جازمين أن مقاصد الوحي جاءت لتحرير الإنسان. وعليه، يجب أن يستقر هذا المفهوم في أعماق ذهنية المجتمع بل ويستقر إلى جانبه أن هذا التدين هو الذي تقرره مقاصد الوحي وأنه يستند إلى صميم عقيدة التوحيد.

4- حرية الإرادة والاختيار: هذا المفهوم متصل بمقصد كرامة الإنسان: "إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا".. "لمن شاء منكم أن يستقيم".. "لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر".. "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي".. فالطاغوت غي، والإكراه طاغوت وغي.

"لست عليهم بمسيطر".. "لست عليهم بجبار".. "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".. والنصوص كثيرة.

إذن، مقاصد الوحي تقرر كرامة الإنسان وحريته - روحا، وجسدا وتشريعا، وقيما، وأخلاقا، وسنن اجتماع.

 

5- غير المسلم ملزم بسنن الاجتماع:

ذكرنا آنفا عددا من النصوص حول كرامة الإنسان وحريته في اعتناق دين الإسلام، ولكن تلك الحرية منضبطة - وجوبا - بالتزام غير المسلم بالسنن الحا كمة للاجتماع، ذلك أن عدم الالتزام بسنن النظام العام يعني تدميرا لسفينة المجتمع، وعدم الالتزام ليس من الحرية وإنما يعني الفوضى بعينها، وهذا لا يختلف عليه عاقلان.

6- القيام بالقسط المجتمعي: يجب على المجتمع عموما القيام بالقسط تجاه بعض، ذلك أن القيام بالقسط هو مقصد جميع الرسالات السماوية: "ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط". 

من جهة ثانية نجد أن قيمة القيام بالقسط يجب أن يلتزمها جميع الناس مسلم وغير مسلم، ليقوم الناس وليس المسلمين. نعم، حماية سفينة المجتمع هي إحدى المصالح العامة. أيضا، حماية سفينة المجتمع تسندها قيمة التعارف، وهي قيمة سننية قررتها مقاصد الوحي - الناس جميعا يعودون إلى أصل واحد: "خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا".. أيضا، مقاصد الوحي أيدت ذلك بسنة أخرى هي التغاير والاختلاف: "ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم".

مجموع ما سبق وما سيأتي يقرر كرامة الإنسان وحريته في مجال اعتناق الدين الإسلامي، ويأتي التزام غير المسلم بالسنن لهدف هو الصالح العام.

7- القيم الخلقية: كثيرة هي مظاهر الخُلُق في تعاليم الإسلام، وهي متصلة بركني الإيمان بالله واليوم الآخر، فالحلم والصبر والصدق والعفو والإنفاق والتكافل والتعاون والتواصي بالحق وبالصبر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأيضا الإحسان إلى الجار والأجنبي والتواضع، وغير ذلك الكثير هي من الخُلق العظيم.

ومن جهة ثانية نجد أن القيم الخلقية لها مقاصد كثيرة، لكن المقصد المحوري هو إرساء وترسيخ شبكة العلاقات الاجتماعية، وهذا المقصد يعتبر أقوى خصائص التشريع الإسلامي العظيم.

 

الخلاصة:

 - مقاصد الوحي كثيرة ربما نشير إلى بعضها في الحلقات المقبلة

 - يجب توعية المجتمع بكل ما سبق، وربط كل ذلك بسنن الاجتماع، فهي تصب في خدمة الصالح العام، والتحذير المستمر من خطورة إهمالها ونتائجها الكارثية على المجتمع.

 

المحور الثالث، منظومة القرآن في مقاومة الطغيان:

1- قلنا مقاومة الطغيان استنادا إلى مفهوم الصراط المستقيم.. فاستقامة الاجتماع عقيدة وفكرا أو ثقافة وقياما بالقسط والعدل تعود إلى الصراط المستقيم، قال تعالى: "فاستقم كما أمرت ومن تاب معك" (هود).. هذه هي القيمة الأولى في منظومة مقاومة الطغيان.

2- النهي عن الركون إلى الظلمة، قال تعالى: "ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون".. مرة ثانية أدعو القارئ إلى إمعان النظر في عقوبة الركون إلى الظلمة - تمسكم النار - أنها نار الدنيا، والدليل غياب النصير، ثم للقارئ إسقاط ذلك على وطننا الحبيب، وقد ذكرنا أعلاه عقوبة الفصل بين القيم كما في سورة الرعد، وهكذا تتراكم دلالا ت القرآن على مقاصد الوحي، وصدق الله: "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا".

3- تقرير مرجعية المبادئ: "فإن تنازعتم فردوه إلى الله والرسول".. فلا قبول لقول أيٍّ كان - فرد أو مجموع - آبائية، ملأ، فرد، برلمان، حزب الحاكم، العرف الأعوج، القبيلة، العشيرة، الطائفة، الجهة، المذهب، كل ذلك طاغوتية مرفوضة طالما وهي تخالف المرجعية.

4- مؤسسات المجتمع هي البديل الامثل - تنفيذا عمليا لمقاومة الطغيان - كما دلت نصوص القرآن: "يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم".

هكذا هي مقاصد الوحي تزيح الشر وإقامة الخير مكانه، ذلك أن سنن الاجتماع لا تعمل في فراغ، وهذا يعني أن المجتمع سيعود إلى سابق ثقافته.

اعتراض مقبول: قد يقول قائل: لقد قدمت لنا مجتمعا مثاليا، والتاريخ عكس ذلك. والجواب هو:

 - كاتب هذه السطور يأبى دعوى المثالية وكتاباتي شاهد على ذلك. وعن التاريخ، فأقول لكي نفهم التاريخ يجب الدخول إليه بالمنهج العلمي الصارم المتعارف عليه عند المؤرخين.

ومن قواعد المنهج التاريخي قاعدة محاكمة الروايات إلى قيم المجتمع المعيشة يومها، وإليك المثال التالي: المجتمع أيام الراشدين وحتى وفاة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، لوكان كما وصفته روايات التاريخ هيهات أن تحصل تلك الفتوحات الواسعة، ولن تقوم دولة وحضارة الإسلام كما شهد لها خصومها أن شخصية الأمة كانت حاضرة وكل العالم المحيط بها يستقي من قيمها إنسانيا وحضاريا، ومع ذلك نؤكد مرة أخرى أن المثالية كانت متفاوتة حسب السياق التاريخي والسياسي والاجتماعي، ذلك أن المجتمع كان مالك ناصية مصالحه بنسبة عالية والدولة تمتلك 5 وزارات فقط، واستمر هذا الحال حتى جاءت الثقافة الوافدة فتغولت الدولة باسم الحداثة والنتيجة معروفة.

بكلمتين، أدعو القارئ إلى إعادة التفكير.. ماذا لو أن المجتمع اليوم بيده 25 وزارة يديرها أكفاء يتم اختيارهم من قبل المجتمع دون تزييف ولا تدخل السلطات: فهل سيكون حالنا كما هو الآن؟

5- الأرضية الخصبة: القيم الخلقية والتزكية الروحية هما الأرضية الخصبة التي بنيت عليها ثقافة صناعة السياسات العامة، وإن شئت فقل القيم الخلقية هي الأرضية الأولى لتنمية الثقافة السياسية، وإليك البرهان: ثلاث قيم برزت بقوة في مجتمع الصحابة والتابعين - القيام بالقسط المجتمعي، أيضا قيمة الأخوة، وقيمة التعاون على البر.. هذه الأعمدة الثلاثية أثمرت شبكة العلاقات الاجتماعية، وهذه الشبكة جعلت مالك بن نبي والمؤرخ العراقي عبد الرحمن حجي رحمهما الله يقرران باعتزاز أن المدينة المنورة صمدت في وجه حصار غزوة الخندق 45 يوما، فما هي عوامل الصمود؟

بالمقابل، البيت الواحد لمسلمي الأندلس كان فيه 25 ألف كتاب = جبال من الكتب داخل كل بيت يعني ثقافة وعلم.. ولكن لماذا سقطت الأندلس؟

الجواب، حضور الشخصانية، تضخم الذات على حساب القيم والمبادئ، والنتيجة الحتمية هي سقوط دولة الأندلس.

الخلاصة، القيم الخلقية كانت مبنية على مقاصد الوحي ابتداء من مقاومة الطغيان + ثلاثية القسط، والأخوة والتعاون كانت هي الأرضية الأولى، وهنا تفاعل العقل المسلم بموضوعية فأنتج سياسات تحمي المصالح العامة.

 

المحور الثالث، خطوات حراثة ذهنية المجتمع:

نظرا للتشوه الذي لحق بمقاصد الوحي عموما، وفقه بناء المجتمع خصوصا، فإنه من الضروري أن تكون خطواتنا الأولى لتصحيح المفاهيم الأولية إعمالا للقانون القرآني الخالد: "حتى يغيروا ما بأنفسهم".. ذلك أن تفكير المسلم رازح تحت وطأة وهم المعرفة - تبجح بأن لدينا التشريع والقرآن جاهز للحلول الشاملة، وهذا صحيح بلا ريب ولكن لو سألنا أعطونا حلا لمشكلاتنا الاقتصادية أو السياسية؟ هيهات نجد إجابة.

إذن، ما هي الخطوات الأولى والتي يجب علينا أن نبلورها في عقلية نخبة الخطاب الإسلامي ونخبة التعليم الجامعي لكافة التخصصات - إصلاح الثقافة الإسلامية أولا، ثم مقرر الدراسات الإسلامية ثانيا - حراثة العقل بما يلي: التأكيد المستمر أن خاتمية الرسالة تعني خلود الرسالة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن الخلود يعني شمول الرسالة لكل مجالات الحياة، وأن الخلود يعني التجدد - تلبية مصلحة الإنسان - زمانا ومكانا، وأن مقاصد الوحي تعني بناء المجتمع، ومن مقاصد الوحي لزوم اتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتحديدا فقه مقاصد تصرفاته صلى الله عليه وسلم في تحقيق المصلحة العامة للمجتمع، وأن من مقاصد الوحي تنمية وبناء مجتمع المعرفة والحضارة، والدليل هو أن القرآن أطلق اسم المدينة على يثرب من لحظة وصول الرسول إليها، وأن مفهوم المدينة يعني التهذيب والجمال والأخوة والتعاون وإقامة العدل تجسيدا لكرامة الإنسان وحريته وقيام الهوية ابتداء من المواطنة المتساوية لجميع سكان المدينة - مسلمون، ومنافقون، ويهود، وأن قيام مجتمع المدينة يعني بناء مؤسسات الأمة وحمايتها، وأن مؤسسة الأسرة هي النواة الأولى لبناء المجتمع، وأيضا مؤسسة المهاجرين ومؤسسة الأنصار، ومؤسسة لجميع المهاجرين والأنصار، وأيضا حماية خاصة لكل مؤسسات عشائر اليهود بناء على طلبهم، وهذا يعني ضمان حرية معتقداتهم، وأن مجتمع الإسلام عموما أساسه المبدأ الإسلامي المتين، مبدأ التعارف والتسامح والتعايش والقبول بالاختلاف، وهذه هي المكونات الأولى لمبدأي السلم والسلام المجتمعي، وأن إقامة العدل تبدأ من القيام بالقسط بين أفراد المجتمع تنفيذا لتعاليم التوحيد وسلوكا أخلاقيا عمليا، وأن الخلق هو ترجمة عملية للتدين السليم، وأن أبرز مؤسسات المجتمع هي مؤسسة الشورى التي جسدها الرسول صلى الله عليه وسلم تطبيقا لمقاصد الوحي، وأن مؤسسة الشورى وسيلتها الحوار الذي يستند إلى مرجعية مكتوبة تنص حرفيا على تنظيم العلاقات المجتمعية.

أيضا الحوار حول أفضل الوسائل لتحقيق المصالح العامة، وأن ما سبق ذكره وما سيأتي من مقاصد الوحي هي عين السياسات العامة وثمارها خدمة الدين - عقيدة وتشريعا وقيما وأخلاقا وشبكة علاقات وتحقق الأمن والسلام، وأن من مقاصد الوحي وجوب أن يعي المجتمع أن الوسائل التي تحقق مقاصد الوحي تعتبر من مقاصد الوحي.. أن الوسائل لها حكم المقاصد، مع فارق أن المقاصد ثابتة لا تتغير وأن الوسائل تتجدد حسب هموم وتطلعات العصر، وأن الولاء للمبادئ، والانتماء للمجتمع، والولاء لقيم الأمة، يعني حماية النظام العام، وأن الولاء للقيم والانتماء للمبادئ والمجتمع قولا وعملا يعتبر من أعظم وسائل حماية المجتمع وتحقيق مقاصد الوحي، وأن مقاصد التزكية والأخلاق الهدف منها تهذيب وضبط سلوك الفرد يعني الرقابة الذاتية والعملية، وأن مقاصد الوحي احترمت العقل ومنحته التفكير في اختيار أفضل الطرق والوسائل المناسبة للزمان والمكان كي تحقق أفضل النتائج والقائمة على التخطيط والإبداع الخلاق كي يتمكن المجتمع من استشراف المستقبل، وأن نصوص الوحي ومقاصده نصت بوضوح أن سعادة المجتمع وتخلفه مرهونة بوعي المجتمع -حتى يغيروا- وأن وعي مقاصد الوحي كانت واضحة في ذهنية جيل الصحابة رضي الله عنهم، وكذا جيل التابعين - بدءا من مقاومة الطاغوتية - تحرير الإنسان وتجريد الطغيان من كل الأسباب والوسائل والعوامل التي تخدم الطغيان والاستبداد فكريا وثقافيا... إلخ. وأن مقاصد الوحي قدمت صورا عدة للطغيان تتمثل في الفردية، والملأ، والقبيلة، والعشيرة، وأيضا ركن الطاغوت - حزب الحاكم - فتولى بركنه. وكذلك شريحة المترفين هم أعداء العدل السماوي: "إلّا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون".

كما أن مقاصد الوحي علمتنا مقاومة طاغو تية المال: "كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم".. فلا إقطاعية ولا احتكار في تشريعات مقاصد الوحي المقدس، ويجب توعية المجتمع بفقه الصحابة رضي الله عنهم - نموذج ما فعله الفاروق رضي الله عنه عندما أقام مؤتمر الجابية بالشام بعد معركتي اليرموك والقادسية حيث طلب من قيادات الجيش التوقف عن الفتوحات حتى تتم توعية المجتمع الجديد بمقاصد الوحي الرامية إلى تحرير الإنسان - إخراج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، أي ضمان حماية حرية الناس في اختيار عقائدهم، وأن غير المسلم ملزم بالجانب الآخر من عقيدة التوحيد أي التوحيد السنني - مقاومة الطغيان، وأنه ملزم بكل القيم الناظمة للاجتماع، وتذكير المسلم بفرضية الكفر بالطاغوت عقيدة ومقاومة، وما لم يتحقق هذا الجانب فإن عقيدة التوحيد تظل مختلة.

تلكم هي الخطوات الأولى، بل في نظري تعتبر شروط تأسيس للثقافة المنشودة.

 

المحور الثالث، الجامع، الجامعة، المجتمع:

هذه الثلاثية يجب التشبيك بينها، نعم يجب أن يعاد للجامع جلاله وهيبته ودوره في صنا عة الوعي المجتمعي، ولكن الشرط الضروري تجديد الخطاب، وما ذكرناه أعلاه هو نموذج قليل، لكنه في الأسس.

المؤسف أن الخطاب المسجدي قد دخل في الشيخوخة منذ قرون عدة، ولولا تمسك المسلمين بدينهم ربما ستخلو المساجد من روادها، بل قد حصل ذلك ولا زالت هنالك سخريات لا تطال الخطاب وإنما تنال من الوحي المقدس.

العمود الثاني هو الجامعة والحديث ذو شجون، لكن يمكننا القول -إجمالا- يجب التشبيك بين العلوم الإنسانية وبين مقاصد الوحي، ولتكن الثقافة الإسلامية هي البوصلة لكل التخصصات يجب العناية بها، ثم تخصص الدراسات الإسلامية والشريعة والقانون يجب التخطيط لإعداد المقررات أولا، وثانيا ربط علم الاجتماع بمقاصد الوحي شأن الفقه الإسلامي، وكذا علم الإدارة والإعلام والتاريخ وعلم النفس والتربية والاقتصاد والسياسة.

نعم يجب التشبيك بين ما سبق من خلال مقاصد الوحي، ويجب الإشراف المباشر والدوري على الجامعات الخاصة، ذلك أنها أصبحت مقابر للعلم والثقافة، وحسب المثل العربي: قد جمعت حشفا وسوء كيلة.. فالحشف هو التمر الرديء، مضاف إليه بخس المكيال. ويجب على وزارات الإعلام والثقافة والأوقاف وحلقات العلم الشرعي الإسهام في هذا الصدد، وكذلك المسرح... إلخ منابر التثقيف.

المجتمع هو محور العملية الثقافية، كونه المعني بوضع السياسات العامة لحماية ذاته من تغول السلطات أولا، والنهوض الحضاري ثانيا.

أعتذر للقارئ إزاء تكرار بعض الجمل، ذلك أن المراجع واسعة حد الملل، وقد تسببت في تأخير عملي في هذه الحلقات.

أكتفي بهذا القدر على أمل اللقاء بعونه سبحانه مع صور أخرى من السياسات العامة.

إلى اللقاء..

............

  • هامش

عنوان الحلقة: تحرير الإنسان وتجريد الطغيان.. هو عنوان كتاب د. حاكم المطيري.

كلمات دالّة

#اليمن