السبت 13-04-2024 21:14:51 م : 4 - شوال - 1445 هـ
آخر الاخبار

الوظيفة الاجتماعية للإسلام.. استقامة الفكر والسلوك المجتمعي (قراءة سننية) (الحلقة الثانية: القيم الخلقية.. أسسها، مكانتها، مقاصدها)

الخميس 26 أكتوبر-تشرين الأول 2023 الساعة 09 مساءً / الإصلاح نت-خاص | عبدالعزيز العسالي

 



بما أن الوظيفة الاجتماعية للإسلام هي "استقامة فكر وثقافة الاجتماع"، فإن الطريق إلى استقامة الاجتماع هي "القيم الخلقية"، أي ربط القيم الخلقية بمقاصدها السننية الناظمة والحاكمة للاجتماع، ومن هنا يتضح لنا مفهوم الثقافة الإسلامية أنه استقامة فكر وثقافة الاجتماع.

القيم الخلقية.. أسسها، مكانتها، مقاصدها:

أولا، عقلنة الأخلاق ونتائجها:

انطلاقا من المفهوم السنني الشائع "بضدها تتمايزُ الأشياء"، نود التذكير السريع حول عقلنة الأخلاق وصاحبها الفيلسوف الفرنسي دور كايم، وهذه الفكرة لا صلة لها بالفلسفة مطلقا، ذلك أن الفلسفة معناها "الحكمة"، أي مقاصد وأهداف المفاهيم والتصرفات، وبالتالي فإن مقولة "عقلنة الأخلاق" قد حملت مقتلها، لأنها تعني الفصل بين الأخلاق والدين، كما تعني فصل الأخلاق عن الفطرة المركوزة في وجدان وعقل الإنسان، وهنا تحول الإنسان إلى قشرة جوفاء فاقدا للمعنى ومقاصد المثل العليا، وقصة الفيلسوف "كانط" رائد الفلسفة الحديثة بلا نزاع والذي اشتهر عنه فلسفة التزامه بالقيم -قول الصدق مطلقا- أيا كانت النتيجة، ولم يستمع لرأي زملائه أن فكرته تفتقر للاتساق المتكامل نظريا وواقعيا، وبعد أيام حضر إليه زملاؤه وسألوه: "ماذا لو جاء إليك ثلاثة أطفال يطلبون الحماية من سفاح يحمل بيده سكينا يريد قتلهم؟ أجاب: سأفتح لهم الباب ليختبئوا. فسألوه: ماذا لو أن السفاح وصل يدق الباب وسألك: أين الأطفال؟ أجاب "كانط": سأقول له مختبئين تحت السرير. سألوه: أين إنسانيتك؟ أجاب: لا شأن لي، المهم أقول الصدق.

وهكذا تبخرت دعوى "عقلنة الأخلاق" في لحظتها، وعليه لا غرابة إذا قرأنا تاريخ سحق عشرات الملايين من البشر في حربين فقط، وما يحصل لشعب فلسطين طيلة 75 عاما، فضلا عن اللهاث وسعار الجحيم للاستيلاء على ثروات العالم من خلال إحصائية في كتاب "فخ العولمة" أن نسبة 80% من الأموال والذهب يمتلكها 358 شخصا، في حين أن نسبة 20% موزعة بين 8 مليارات نسمة.

من خلال ما سبق، لا ريب أن القارئ قد اتضحت لديه الرؤية تجاه كارثة العقلنة المادية للأخلاق.

ثانيا، أسس القيم الخلقية:

قال تعالى: "أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله خير أمّن اسّس بنيانه على شفا جرفٍ هار فانهار به في نار جهنم" (التوبة).

- هذا النص المجيد يقرر الأسس التي تستند إليها القيم الخلقية أنه "مفهوم التقوى"، ومفهوم التقوى، باختصار، يحمل دلالة مفهومية في غاية الأهمية، إنها دلالة "استحضار" عظمة الله في كل لحظة.. خاطرة ذهنية أو تصرف يسيء إلى الإنسان أو الحيوان أو الطبيعة.

من جهة ثانية، نجد أدلة القرآن المجيد صريحة قطعية التأصيل والربط بين القيم الكونية والقيم الخلقية وسنن الاجتماع وبين ركني الإيمان بالله واليوم الآخر، والقرآن زاخر بالأمثلة نأخذ بعضها مقتصرين على إيراد الشاهد، قال تعالى: "أرأيت الذي يكذب بالدين • فذلك الذي يدع اليتيم • ولا يحض على طعام المسكين".

تلا ذلك وعيد "فويل للمصلين" الذين هم يراؤون، ويمنعون الماعون" أي يبخلون بإعارة وعاء لجيرانهم ينتفعوا به، فحرمان اليتيم وعدم الحض -انتبه- الحض على إطعام المسكين وكذلك منع إعارة الفائدة، كلها قيم خلقية ربطها القرآن بالعقيدة وخلق الإخلاص، مقررا أن منع إعارة الوعاء دليل على غياب مقاصد التدين - مراقبة الله.. وهنا تكمن عظمة القيم الخلقية في الإسلام، فهي مرتبطة بالإيمان والتقوى، ومرتبطة باستحضار أهداف ومقاصد التشريع، وهذا يعني دخول العقل، فهو الذي يتوصل إلى تحقيق الهدف من عدمه من جهة، والتماهي بين الإيمان والوجدان والعقل وتحقيق أهداف ومقاصد التشريع - السنن الحاكمة للاجتماع في آن، ومن نافلة القول أن نتساءل: أي الأفضل اعتماد ربط الأخلاق بالعقل، على افتراض أن العقل يعتبر علما، أم ربط الأخلاق بأكثر من جهة: إيمان، وعقل، وفوائد... إلخ؟

مقاصد الشعائر التعبدية:

اقتضت حكمة الله التشريعية أن تكون تزكية النفس البشرية إحدى وظائف الرسل صلوات الله وسلامه عليهم: "هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة" (الجمعة، 2).

والتزكية هي عمل الصالحات، ونجد أن عمل الصالحات مقترن بالإيمان في نصوص كثيرة: "الذين آمنوا وعملوا الصالحات".

مقاصد الشعائر التعبدية: تزكية الروح والوجدان والعقل والسمع والبصر والفؤاد واستقامة السلوك والتصرفات، وهي برهان على صدق الإيمان، وفي نفس الوقت هي طرق وإجراءات عملية، تربية عملية، ترسيخا للأخلاق، وصقلا لها، وتحريكا للعقل تجاه تحقيق مقاصد التزكية التعبدية، وفوق ذلك تتحقق ثلاثة مقاصد عظيمة هي: استقامة فكر وثقافة الفرد، واستقامة فكر وثقافة المجموع - الاجتماع، وتتحقق منظومة السنن الحاكمة للاجتماع، ابتداء من التعارف، والقيام بالقسط، وقدسية كرامة الإنسان وحريته، ويتجه المجتمع إلى إقامة مبدأ العدل، والصدق، والأخوة، والتكافل، ورفض الظلم والاستبداد والطغيان، ويحضر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... إلخ القيم، بل ويسعى المجتمع إلى اجتراح وسائل ذات فاعلية لحماية مقاصد التشريع وسنن الاجتماع، والنتيجة العامة أن القيم الخلقية تصبح ثقافة مجتمعية راسخة - صادرة عن وازع ذاتي ووازع اجتماعي، ونادرا ما يلجأ المجتمع إلى الوازع الشرعي - المحاكم القانونية.

ثالثا، مكانة القيم الخلقية:

القيم الخلقية تنمي الشعور بالمسؤولية لدى الفرد والمجموع بدافع رغبة الطاعة لله وانقيادا لتوجيهاته الهادية إلى الرشد، وهي رغبة صادرة عن الفطرة السليمة والعقل المسدد بمقاصد الشرع الهادية إلى سنن الله في الاجتماع، ذلك أن المسلم يعتقد في أعماقه أنه ينفذ عهد الله وميثاقه "قيمة الأمانة"، وعن هذه القيمة المركوزة في الفطرة تنشأ "قيمة المسؤولية"، والدليل هو قوله تعالى: "إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا" (الإسراء).

الجدير ذكره أن هذا النص المكثف ورد في سياق مقطع قرآني تضمن 17 آية في سورة الإسراء ابتدأ بركن الإيمان بالله، قال تعالى: "وقضى ربك ألّا تعبدوا إلا إياه" (الآية 22)، وانتهى بركني الإيمان بالله واليوم الآخر: "ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة فلا تجعل مع الله إلٰها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا" (الإسراء، 39).

ويلاحظ القارئ أن المقطع قد نظم جميع القيم في المقطع في إطار مصطلح واحد هو "الحكمة"، والمقصود بالحكمة: مقاصد التشريع - منظومة السنن الحاكمة للاجتماع في هذا المقطع وغيره.

- القيم الخلقية = إعجاز القرآن:

فيلسوف القرآن الفقيه المفكر أ. د. محمد عبد الله دراز، رحمه الله، قدم أطروحته لنيل درجة دكتوراه في جامعة السوربون عام 1948 بعنوان: دستور الأخلاق في القرآن.. وقد حشد قرابة 1000 آية في أطروحته، ومما قاله بإعجاب بالغ: إن حقيقة إعجاز القرآن هي منظومة القيم الخلقية - معجزة القرآن الخالدة بلا نزاع.

وقد ناقش هذه الأطروحة ستة فلاسفة يهود فرنسيين، وفي نهاية النقاش قالوا للباحث: أتريدنا ندخل الإسلام بالقوة؟ والمقصود هنا قوة حِجاج الباحث الذي حلق عاليا في لغته وعناوينه، غير أن فيلسوفا آخر كان في القاعة رفع صوته قائلا للجنة: أمّا أنا فإني أعلن إسلامي، تسليما بأن الأخلاق في القرآن هي معجزة القرآن.

- ابن خلدون، رحمه الله، يقول في مقدمته: "إذا فسد الإنسان في قدرته على الأخلاق فقد فسدت إنسانيته وصار مِسخاً على الحقيقة".

- ويقول الراغب الأصفهاني: "تتحقق إنسانية الإنسان بقدر التزامه بما خلق له" (تفصيل النشأتين، ص 69)، ويقصد أن الإنسان خلق لغاية العبادة - التوحيد... إلخ القيم.

- وائل حلّاق، فيلسوف مسيحي فلسطيني وأستاذ ثقافة الشرق الإسلامي في جامعة كولومبيا، لديه عدد من الكتب حول الفقه الإسلامي وأصوله ويسميهما الشريعة، وقد انتقد الحداثة الغربية.. مسح بها البلاط كما يقال.. ومما قرره في مجال القيم الخلقية قائلا: "الأخلاق قلعة داخلية"، أي هي الإيمان والقلعة حامية ما حولها - كرامة الفرد والمجموع والطبيعة.

القرآن يؤيّد العقل الفطري:

في سورة "الطور" مقطع مكوّن من 13 آية، بدأ من الآية 30 - 43: "أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون".. والشاهد في هذا المقام قوله سبحانه: "أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون" (32).. والمقصود بالأحلام هنا "العقول".. العقل الفطري السليم.. فالله هنا يحاكمهم إليه، بل فوق ذلك قرر أن تركهم للعقل الفطري دليل على طغيانهم اتباعا للآبائية التي تواصوا بها قائلا: "أتواصوا به بل هم قوم طاغون" (الذاريات، 53).

الجدير ذكره أن غالبية القيم الكونية والخلقية والحضارية قد تضمنها القرآن المكي في 84 سورة حتى تشربها الصحابة بقوة في العهد المكي أسسا ومكانة ومقاصد.

وهذا يعني أن مقاصد القرآن وأهداف التربية النبوية كان لدى الجميع في غاية الوضوح، والدليل هو جواب الصحابي ربعي بن عامر رضي الله عنه على سؤال قائد الفرس رستم: ما الذي جاء بكم معاشر العرب إلينا؟

أجاب ربعي بن عامر: "جئنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".

هكذا مزج مقاصد الرسالة - التوحيد بالقيم والمصالح في الدارين.. ولنا عودة لاحقا حول دلالات هذا المزج العجيب.

رابعا، مقاصد القيم الخلقية:

لا شك أن التداخل حاصل بقوة بين أسس الأخلاق ومكانتها ومقاصدها، لكنني سأتحدث عن أبرز وأهم مقاصد القيم الخلقية فيما يلي:

- إخلاص العبودية لله، وتقديم الدليل والبرهان على صحة الإيمان، واستحضار عظمة الله، وتقويم الأخلاق وتهذيبها بقناعة وخضوع وجداني وعقلي، وتجديد العهد والميثاق المتمثل في قيمة الأمانة، وتحقيق استقامة فكر وثقافة الاجتماع الإنساني، وتنمية الشعور بالمسؤولية الذاتية، وترسيخ خلق التعارف والتعايش، وتنمية الوعي الثقافي السنني، وتنمية الوعي بأهمية تحقيق مقاصد الأعمال والتصرفات، وترسيخ ملكة النقد، وتنمية روح التكافل والإنفاق على الأقارب والجيران، بل إن القرآن في نص واحد أمر بعبادة الله وعدم الإشراك به سبحانه، ثم أمر بالإحسان، وهو أعلى أنواع القيم الخلقية والتعبدية.. نعم أمر الله في هذا النص بالإحسان إلى 13 نوعا من البشر - الوالدان، وذوو القربى، واليتامى، والمساكين، والجار القريب، والجار الأجنبي، والصاحب في السفر، والصاحب في العمل، وابن السبيل، وملك اليمين.

ومن مقاصد القيم الخلقية تنمية روح الإرادة والعصمة من نزق الأهواء، والعصمة من الانسلاخ والسقوط في القيم الكلبية والتي لم يصمد أمامها غزارة العلم والمعرفة نظرا لغياب خُلق "استحضار عظمة الله" واللهاث وراء هوى النفس فأخلد إلى الأرض بحثا عن الأشياء فضيع المبادئ، قال تعالى: "واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين"، إلى قوله: "ولكنه أخلد إلى الأرض فمثله كمثل الكلب" (الأعراف، 175 - 176).

ومن المقاصد تحويل القيم إلى آليات تحميع المجتمع، ومنها صناعة ملكة التنبؤ بمستقبل المجتمع سلبا أو إيجابا.

ومن المقاصد استمداد سنن العون والتأييد من الله، والأدلة كثيرة، منها قوله تعالى: "واتقوا الله ويعلمكم الله".. وقال: "إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا".. "واستعينوا بالصبر والصلاة".

وفوق ذلك كله تحقيق شمولية عبادة الله وتحقيق الأمن المجتمعي، قال تعالى: "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون" (الأنعام).

خامسا، ثمار الوعي بمقاصد التشريع:

ذكرنا أعلاه إجابة الصحابي الجليل رضي الله عنه ردا على سؤال رستم، ووعدنا بالعودة إلى القصة، والجديد في هذا المقام هو الإشارة السريعة إلى آثار الوعي بمقاصد التشريع وأهداف الرسالة الخالدة يكون له ثمار عجيبة نشير إلى أهمها وهي الخصوبة الفكرية والثقافية، وهذه الخصوبة يتولد عنها ثقافة سياسية راشدة - حكم رشيد.. ذلك أن الفكر الناضج سياسيا يستطيع اجتراح الحلول الحكيمة لأن الحكمة السننية واضحة شاخصة في ذهنه، وبالتالي يتجاوز المعوقات ويتغلب عليها بحُنْكةٍ وسهولة ويسر، ومن يتأمل موقف الصحابة الفاتحين لفارس والروم يتملكه العجب إزاء استيعابهم وتعاطيهم مع ثقافة تلك المجتمعات، علما أن غالبية تلك المجتمعات اعتنقوا الإسلام بعد عقود اقتناعا ذاتيا، وأعجب من ذلك أن المكتبات الإسلامية والمتاحف زاخرة بالأحكام الصادرة عن المحاكم الإسلامية بين أناس ينتمون إلى اليهود أو النصارى، أو غيرهم، وهي أحكام متعلقة بالمعاملات بل وفي النفقات والحضانة الأسرية.. مكتبة إسطنبول نموذجا، حيث يوجد فيها 130 ألف حكم من مختلف المحاكم صادرة خلال فترة 3 عقود فقط، وقد شهد بهذا مستشرقون، علما أنهم يحملون جبالا من الحقد والخصومة للإسلام ورسول الإسلام.

الخلاصة، العلم بمقاصد الأخلاق وإقامتها على أسس الإيمان والتقوى والثقافة المعرفية بالعلاقة بين الأخلاق ومنظومة السنن الحاكمة للاجتماع والعلم بمقاصد التشريع، وأهداف الرسالة ينضج الفكر والثقافة وبه يستقيم المجتمع.

كلمات دالّة

#اليمن