الثلاثاء 18-06-2024 15:15:32 م : 11 - ذو الحجة - 1445 هـ
آخر الاخبار

الإمامة وخطرها على اليمن.. قراءة في المُتّخيّل والتاريخ

السبت 29 يوليو-تموز 2023 الساعة 09 مساءً / الإصلاح نت-خاص | عبد العزيز العسالي

 

المقصود بالمُتخيّل تلك الصورة التي كرستها الثقافة الدينية في الذهنية اليمنية عبر قرون.

المقصود بالتاريخ ذلك الركام المنتحل زورا على الله والرسول والصحابة والتابعين المتمثل في الروايات القادمة من الثقافة الفارسية والتي جيء بها قصدا لتحريف القرآن من بعد مواضعه، بهدف صناعة الخيال الذهني لتقديس مفهوم الآل من جهة، ومن جهة ثانية جاءت الروايات لتغطية الفراغ الذي فشلت فيه روايات تفسير القرآن.

روايات تقديس الآل:

حرصا على وصول الرسالة إلى القارئ بسهولة بعيدا عن التعقيد والغموض نحب أن نقدم للقارئ هذا التقرير الواضح الصريح الصادر عن نابغة الفقهاء الفقيه ابن قيم الجوزية، رحمه الله، قائلا: "وضعت الرافضة 300 ألف رواية في تقديس آل البيت".

الجدير ذكره أن ذلك التزوير الآنف قد لوّث الثقافة الإسلامية في أربعة مجالات هي: التفسير، السنة النبوية، التاريخ، الأدب عموما، والأدب الشعبي خصوصا.

نجح التلويث الفارسي في تكريس الصورة الذهنية، وهذا هو المقصود بـ"المتخيل".

نتائج المتخيل:

أولا، نحن أمام فتنة تلويث نشأ فيها الصغير وهرم فيها الكبير، وبالتالي أصبح المتخيل الذهني
هو الصخرة التي تنطلق منها أساليب الدفاع اللاشعوري - ثقافة الممانعة المستميتة لقتل أي تساؤل يخطر في الذهنية قائلا: لماذا هذا التأليه تجاه شخصيات الآل؟ كيف يمكن للعقل أن يفهم تلك الروايات التي رفعت مكانة "أسرة بعينها" إلى درجات لم يبلغها الأنبياء والرسل؟ بل كيف أصبحوا شركاء الله في خلق الكون وتدبيره؟ بل إن صوم يوم موت أحدهم يتقاصر عنها فضل صوم شهر رمضان كاملا.. إلى غير ذلك من الأسئلة.

فالمتخيل الذهني - التأليه المقدس الآنف الذكر يتمتع بصوت داخلي وجداني قائلا: يجب عليك التسليم التام بتلك الروايات دونما تردد.. ما يحز في الأفئدة هو أن الذهنية السنية والذهنية الشيعية تشتركان في التسليم على السواء، لأن أرضية المتخيل مشتركة ضاربة في الأغوار.

ثانيا، المتخيل يحرس الكذب المربّط:

هناك مثل شعبي جدير بالتأمل، لأن دلالته خصبة في هذا الصدد، وعلى الرغم من حضور هذا المثل في غالبية المواقف، فقد كان كفيلا بعدم التسليم لبعض الروايات التاريخية المكذوبة، لكن حضور الصورة المتخيلة يصرف دلالة المثل الشعبي، وإليك المثل: "كذبٌ مربّط ولا صدق مخروش".. إذن، هذا المثل للأسف يصدق على ثقافتنا الملوثة بالمجوسية الكسروية - كذب مربّط محروس بالمتخيل، غير أن نجاح الكذب المربط سببه الصدق المخروش.. وتلك سنة اجتماعية ذكرها القرآن: "فاستخف قومه فأطاعوه".

ثالثا، نماذج لحضور المتخيل:

التاريخ طافح بالأمثلة الكثيرة، لكني سأقتصر على نماذج صادرة عن شخصيات ذات وزن فكري - دينيا وسياسيا وثقافيا وتاريخيا وأدبيا.

الشيخ العلامة القاضي الأديب المؤرخ عبد الوهاب الشماحي، رحمه الله، ذكر في كتابه "اليمن.. الإنسان والحضارة" قائلا: في عام 203 هجرية وصل إبراهيم الجزار إلى صنعاء واتجه إلى عمران وصعدة وأعلن "من لم يعتقد الحق الإلهي في البطنين فدمه وعرضه وماله هدر.. ولم يجد أي اعتراض وقد قام بهدم أعظم سد - حاجز ماء للزراعة في صعدة.. واتجه إلى الجوف ومأرب ودمر كثيرا من الآثار الثقيلة على الحمل وحمل من الآثار ما خف وزنه وغلا ثمنه.. وظل خمس سنوات بذلك الإفساد، وقد سمي بالجزار لكثرة من قتلهم.

ويعلل الشماحي قائلا: لو لم يكن التشيع - روايات التشيع قد دخلت صنعاء مبكرا قبل عقود ما لاقى ذلك الصمت؟

أرأيتم؟ الروايات التالية والتقديس الشيعي كرست المتخيل - الحق الإلهي، فجاء الجزار الخبيث متبجحا بكل ثقة - إهدار الدماء وهتك الأعراض ونهب الأموال وسحق إنسانية الإنسان وتدمير هوية اليمن الحضارية دون أي اعتراض، لأن المتخيل بات حارسا للكذب المربط.. نموذج آخر أشهر من نار على علم، إنه المناضل المكافح العنيد الأستاذ النعمان، رحمه الله، ذكر في مذكراته (ص 25 - 30) متحدثا عن دراسته في زبيد وتخرجه عالما حسب تلك الحقبة وعاد إلى مهبط رأسه مدرسا للفقه واصفا مقدار فرحة أبيه أن ولده أصبح عالما ويتجمهر حوله أكثر من 70 طالبا، ولكن رغم تلك المكانة قال: كانت عقيدتي في الإمام يحيى أنه خليفة الله في الأرض وأن وجوده أساس الأمان للبلد رغم صور الظلم والمجاعة والتخلف الشامل، لكن لم يخطر ببالي أن الإمام يحيى قد يكون سببا أو أحد أسباب التخلف.

ثم استعرض وصول الأستاذ محمد حيدرة، جاره المغترب في عدن، وكان يقرأ في البخاري، وكان يعزف العود ويغني ويجيد العربية والجغرافيا، وبدأ يدرب الطلاب، ومع ذلك فقد كنت أنظر إليه أنه زائغ، منحرف، منفلت، بل وشاذ.

وظل متمسكا بموقفه المتزمت إزاء جرأة حيدرة على القراءة من البخاري أولا، والعزف ثانيا مع شيء من الإعجاب بالطريقة الجديدة في تدريس حيدرة للغة العربية، حتى فاجأه بكتاب طبائع الاستبداد للكواكبي، رحمه الله، فبدأت بتغيير عقيدتي تجاه استبداد الإمام يحيى.

وبعد عدد غير قليل من الصفحات يتحدث عن وصوله إلى القاهرة طامعا بالدراسة في دار العلوم - جامعة القاهرة حاليا، فسأله الوسيط: هل لديك شهادة بكالوريا - ثانوية عامة، فقلت: لا أعلم ما تقول.. هي شهادة تؤهلك دخول الجامعة.. فقلت: لا يوجد لكني تعلمت في زبيد كذا وكذا.. فقيل له: هذا يؤهلك للدراسة في الأزهر.. وأضاف أنه بعد سنوات عدة وصل الزبيري إلى القاهرة ليدرس في دار العلوم فقلت له: يريدون منك بكالوريا.. فاستغرب الزبيري.. باختصار، كان اختبار الطالب في مدارس الإمام الرسمية هو حفظ النسب الشريف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم - تكريس المتخيل فقط.

وأضاف أن الزبيري حضر مسابقة شعرية في دار العلوم فقال قصيدة اهتزلها الحاضرون وفاز بدخول الكلية.. الجدير ذكره أن النعمان قرر السفر إلى سويسرا وتقدم إلى الخارجية المصرية طالبا ترحيله، فطلبوا منه جوازا فكتب لهم ورقة بخط يده معتبرا إياها جواز سفر.. فضحكوا عليه ولكن أعجبوا بحين خطه وزملائه ومنحوه جوازا وتأشيرة. إذن، وصل الزبيري إلى القاهرة حاملا "قداسة المتخيل" وتفتق ذهنه في الجامعة وعاد بعد عامين إلى صنعاء وألقى موعظة بعد صلاة الجمعة شرح فيها بإيجاز سورة المسد، مشيرا إلى أن قرابة أبي لهب من الرسول صلى الله عليه وسلم لم تنفعه.. فكانت عقوبته تسعة أشهر سجنا في الأهنوم.. ولم يخرج إلا بعد قصائد استعطاف تكرس المتخيل - تقديس خليفة الله في الأرض إضافة إلى شفاعة الشافعين.

تعال معي أخي القارئ إلى المواقف المأساوية التالية:

حصلت مجاعة مروعة سنة 1941م تقريبا، فتقدم البعض مناشدا: يا خليفة الله الناس ماتوا جوعا.. فرد عليهم: من مات فهو شهيد ومن عاش فهو سعيد.. أية سعادة يا؟

وقبل ذلك بسنوات، طيران بريطانيا قصف منطقة حريب، فجاء الشكاة إلى خليفة الله فسأل المختص: حريب كم تدفع زكاة؟ الجواب: يا خليفة الله إنها تعيش قحطا.. فقال: إذن لا يهمني شأنها ما دامت لا تدفع زكاة.

ولا ريب أن كثيرين حوله يبررون مواقفه بالمتخيل الذهني، وفي موقف آخر طلب من مشايخ الجوف الزكاة، فأثبتوا بأدلة أنها تعاني قحطا طيلة سنتين.. فقال: على أهل الجوف إيصال تراب من حقولهم الجافة وينثرونها أمام قصر الحمد.. وتنفذ الأمر حرفيا ولكن اقتصر التنفيذ على عشرات الأفراد فقط.

صدّق أو لا تصدّق.. في تلك الآونة وصل صحفي مصري إلى صنعاء فأصيب بالذهول وعاد أدراجه وكتب بصحيفة مصرية: بين مصر وأوروبا مئة عام، وبين السعودية وأوروبا 300 عام، لكن اليمن تعيش قبل عصر التوراة بقرون.

رابعا، تكريس الطائفية والتخلف:

أورد القاضي الإرياني في ملاحق الجزء الأول من مذكراته رسالة من النعمان إلى الإرياني تنضح بالمرارات الطائفية، ومنها -وهي الأسوأ عمليا- الاقتصار على كون الجند والحكام جميعا من شمال الشمال والرفض التام لمن يطلب الخدمة العسكرية من الشافعية.

وعندما تأسست الجمعية اليمانية في عدن حصل خلاف بين النعمان والزبيري، وهما الحبيبان، خلاصة الخلاف أن الزبيري ساوره الشك حول تمو يل تنظيم الأحرار ظنا أن بريطانيا وراء الدعم، فرفض النعمان الإفصاح فاحتدم النزاع أكثر وأصر الزبيري، فحرر النعمان رسالة للزبيري وقال له: سلمها للتاجر التعزي فلان بمكان كذا.

ولكن التاجر لم يقبل النظر في الرسالة.. فعاد الزبيري خائبا.. وهنا اصطحبه النعمان إلى التاجر فرحب بهما وسلم للنعمان مبلغا غير قليل، فازداد الزبيري امتعاضا معللا أن الموقف طائفي، فبادره النعمان قائلا: نعم، الطائفية أن التاجر التعزي يدفع ويصل الكلام للإمام، فيأمر عساكر شمال الشمال بهدم منازل المغتربين كون التجار يسعون إلى قطع أرزاق العكفة الطائفية المناطقية، فاقتنع الزبيري.

العلاقات الخارجية.. كانت هناك علاقات بين مملكة الطائفة وبين عدد من الدول - إيطاليا، ألمانيا، السوفييت، والمحاولة مع اليابان، وقد ذكر غير واحد ممن كتبوا عن الحركة الوطنية أن البدر، أو أحد أعوانه، زار اليابان، وبعد عودته استبشر الثوار بمشاريع، فجاءهم سيف الإسلام بتكريس "المتخيل" مبديا إعجابه بالشعب الياباني الذي يعبد الإمبراطور.

وفي زيارة متكررة لإيطاليا من قبل أحمد ياجناه وكانت إيطاليا على استعداد لتقديم مشاريع، لكن الإمام رفض. أما سيف الإسلام البدر فقد زار موسكو فاحتفت به موسكو بهدف فتح علاقات متينة وتقديم مساعدات ومشاريع.. وبعد عودته حضر رجالات المقام لسماع تقريره، لكن المسكين نسي "المتخيل" يجب أن يبقى فقال مبديا إعجابه إنه رأى الفلاحين بريف موسكو لديهم مضخات يسقون المزارع، فنهره والده بقوة: اسكت.

ورحم الله الزبيري الذي علق على الموقف ببيت شعري لاذع قائلا:

يبهرون الدنيا بزورة موسكو
وعليهم غبار دنيا ثمودِ

وعندما أعلن الزعيم ناصر قيام الوحدة بين سوريا ومصر أرسل أحمد ياجناه وفدا برئاسة أخيه إسماعيل وعضوية عدة أشخاص بينهم القاضي الإرياني وآخرون، وظل الوفد أياما تجاوزت نصف الشهر يقرأ الميثاق والاتفاق... إلخ. وتم التوقيع، لكن أحمد ظل صامتا ولم يبد سببا، وكان من بنود الاتفاقية تبادل زيارة مواطني الدول المتحدة بدون تأشيرة أو فيزا، وبعد أسبوع وصل صحفي مصري كبير إلى مطار تعز - المطار القديم - وما إن سلم جوازه للمسؤول للختم إذا بالمسؤول يصرخ: لااااا.. وأبرق للإمام في اللحظة أن مصريا دخل بلا فيزا - تأشيرة.. فرد عليه الإمام: الطرد الفوري على متن الطائرة التي حملته.. وعاد فورا عبر إثيوبيا.. تلا ذلك اتفاقيات عدة ولكن الإمام يرفض فور التوقيع، وحسب مقربين من الإمام أنه كان شديد الحقد تجاه التعليم والانفتاح لأن ذلك يكرس "المتخيل والتاريخي".

أما رفضه لاتفاقية الوحدة الآنفة الذكر فقد علل ذلك أن منهج مصر التعليمي اشتراكي كافر، علما بأن الاتفاقية لم تشمل توحيد التعليم.

في كتاب "الإمامة وخطرها على اليمن" للزبيري، وصلتنا نسختان الاولى صفحاتها 36 صفحة بحجم الكف، وقيل لنا بعد ذلك أن يد السلالية طالت النسخة الأصلية وحذفت الكثير منها.

النسخة الثانية، طبعة وزارة الثقافة عام 2004، إبان إعلان صنعاء عاصمة الثقافة، وقد احتوت النسخة على كثير من شعر الزبيري وتضمنت عددا من الاتفاقيات المبرمة بين اليمن وعدد من الدول.. أشرنا إلى بعضها أعلاه، ولكن النخبة كانت تشرئب أعناقها إلى الانعكاسات الإيجابية على اليمن المنكود بالسلالية المقدسة، غير أن الإحباط كان هو الزائر الوحيد لأبناء الشعب.

د. أحمد عبيد بن دغر في كتابه "اليمن تحت حكم أحمد حميد الدين" استعرض في أطروحته - دكتوراه، ص 92 وما بعدها، حالة الاقتصاد اليمني والموازنة العامة للدولة والتي بلغت 5 ملايين دولار، ونفس الرقم سمعه كاتب هذه السطور من الأستاذ علي محمد سعيد أنعم في ورقة عمل قدمها عام 2007م، وتضمنت الورقة أن جملة البضاعة المستوردة أيام الإمام أحمد لا تتعدى ثلاث شاحنات في الشهر الواحد.

خامسا، العجوز وعسكري الإمام:

أبو الأحرار الشهيد الزبيري، رحمه الله، يؤرخ بشعره الحقد الطائفي الأسود لدى السلالية والعنصرية وعكفتها - الجند الإمامي، ولا نريد الإطالة على القارئ وسنتركه مع أبيات القصيدة والتي قيل إنه ضاع معظمها.. القصيدة حوارية:

العجوز: يا رب كيف خلقت الجند ليس لهم
عندي طعام ولا شاء ولا نَعَمُ؟
ويلاه، ما لي أرى وحشا وبندقه؟
أذلك العسكري الغاشم النهمُ؟

العسكري: نعم أنا البطل المغوار جئت إلى
عجوز لم يهذب طبعها الهرم
إنا جنود أمير المؤمنين فلمَ
لا تذبحي الكبش يا حمقاء دونهمو؟
أين الدجاجة أين القات فابتدري
إنا جياع وما في حيكم كرمُ؟

العجوز: يا سيدي ليس لي مال ولا نشب
ولا رجال ولا أهل ولا رحمُ
إلّا بني الذي يبكي لمسغبةٍ
دونك دمعه الحمراء تنسجمُ
وهذه البيد فاقطف من هواجرها
ما شئت إنا إلى الجبار نحتكمُ
ماذا تريدون من جوعي ومسغبتي؟
إني لكالحمَلِ المشوي بينهمو
أيطلبون زكاة الأرض ليس بها
إلا النسور وإلا الحجر والرخمُ؟
أم جزية الكوخ لا كانت قوائمه
السوداء ولا نهضت به قدم
ام قيمة القبر قبل الموت واأسفاه
الكوخ قبري فما للظالمين عموا؟
العسكري: إني إذن، راجع للكوخ أهدمه
يا شافعية إن الكذب دأبكمو

الخلاصة، الزبيري في كتابه خرج بخلاصة أن الإمامة دمار للوحدة الوطنية نظرا للتكريس الطائفي الذي تمارسه السلالية العنصرية بهدف التسلط والسيطرة، فالقسم الأعلى من اليمن سكانه حكام وجنود على طول الأزمنة.

والقسم الأسفل من اليمن محكوم منهوب الخيرات تحت الطاعة العمياء للإمام دون حساب أو مناقشة.. والحارس هو "المتخيل والتاريخ".

كلمات دالّة

#اليمن