السبت 22-06-2024 09:00:40 ص : 15 - ذو الحجة - 1445 هـ
آخر الاخبار

مقاصد الصيام.. إقامة الحضارة المؤمنة (الحلقة 3) الصيام والإحسان الحضاري

الأحد 26 مارس - آذار 2023 الساعة 03 صباحاً / الإصلاح نت-خاص-عبد العزيز العسالي
  



أولا، التقوى طريق الإحسان:

قال تعالى: "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا" (الإسراء).

وقال سبحانه: "يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم" (الأنفال).

وقال سبحانه: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون" (البقرة).

النصوص كثيرة في هذا الصدد.

ثانيا، خصائص القرآن - كتاب الرسالة الخاتمة:

1- رباني المصدر.. وتعني الربانية: العصمة، العمق، الشمول - استيعاب مصالح الدنيا والآخرة.

2- الهداية للتي هي أقوم: هداية القرآن صادرة عن الخالق العليم الحكيم.

3- التوجيه القرآني الواحد يتضمن وجبة غذائية متكاملة العناصر - إيمانا، تربية، تزكية، بناء للفرد والمجموع، إقامة الحياة إنسانيا وحضاريا "لما يحييكم".

ثالثا، كرامة الإنسان محور الحضارة:

1- عرفنا في الحلقات السابقة أن الهدف من الصيام هو تحقيق التقوى، فما هو مقصد التقوى؟

2- مقصد التقوى تحقيق الإحسان، ذلك أن مفهوم التقوى يعني قوة مراقبة الله سبحانه، واستحضار عظمته ومعيته في كل حركة وسكون الإنسان المتقي، قال تعالى: "إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون". وقال صلى الله عليه وسلم: "أن تعبد الله كأنك تراه"... إلخ. وهذا يعني أن استحضار معية الله هي الطريق الأسمى إلى الإحسان.

إذن، ما هو مفهوم الإحسان؟ وما هي أبعاده الحضارية؟ الجواب: الإحسان أعلى قيم التعبد، وبالتالي يكتنز فيه عددا من القيم العظيمة، سنذكر منها "حزمة القيم" الهامة والمتصلة بمفهوم الحضارة اتصالا مباشرا، وهي: الجودة، الإتقان، الكمال، الجمال، النظام، حب النظام. إذن، قيمة الإحسان لها أثرها العميق في إقامة الحضارة.

3- أعظم دلالات الحضارة: كرامة الإنسان أعظم الدلالات الحضارية، ومن دون كرامة الإنسان فالحضارة ناقصة، عرجاء، عوراء - نموذج الحضارة المعاصرة، فقد فككت الإنسان إلى حد مرعب، وتدعي أنها خدمته - استهلاكيا.

وعليه، فهذه إحدى تجليات كتاب الرسالة الخاتمة القائل: "ولقد كرمنا بني آدم..." إلخ. إنها تجليات إنسانية وحضارية شاملة عديمة النظير.

الخلاصة: الصيام> تقوى، التقوى> إحسان.
الإحسان> كرامة إنسانية وحضارية عميقة، شاملة.

رابعا، الصيام وعلاقته بالإنفاق:

1- إجمالا، من ترك شهوته ولذته احتسابا وتقوى لله فقد حقق أعظم انتصار، إنه الانتصار على النفس.

2- الانتصار على الشهوات الحسية والمعنوية يثمر:

- الجود بالنفس، قال الشاعر: والجود بالنفس أقصى غاية الجودِ.

- الجود بالمال، فلا شك ولا مراء أن الجود بالمال أهون من الجود بالنفس، ذلك أن الصيام يجعل المؤمن في حرية واستعلاء على كل حطام الدنيا، كونه يتمتع بأرقى لذة روحية - لذة معية الله.

فحياته الدنيوية - نفسه، ولده، ماله، يجعلها جسر عبور إلى مرضاة الله.

3- التدرج التشريعي الرحيم.. دلالات زكاة الفطر:
- زكاة الفطر تطهر الصيام مما لحق به من أخطاء صادرة عن الضعف البشري، وهذه خطوة أولية تجعل الصائم يتذوق الانتصار على شهوة حب المال.

- درجة انتصار أرقى، حيث فرض الله زكاة المال والثمار وعروض التجارة - فرضا واجب الأداء، ذلك أن الزكاة أحد أركان الإسلام وعدم أدائها يترتب عليه عقوبة دنيوية وأخروية.

- النصوص الدالة على وجوب الزكاة وردت في القرآن قرابة 54 مرة، أما الأدلة في السنة فالرقم أكبر بكثير.

4- الإنفاق ثم الإنفاق ثم الإنفاق.. الإنفاق التطوعي شرعه العليم الخبير.. دعوة إلى ارتقاء درجة أعلى في تحرير الروح، فالتطوع بالمال مرتبة سامية، فهي مكانة الكرم، والله سمى نفسه الكريم والمنفق تطوعا هو كريم. ولا شك أن الكريم يسكن جوار الخالق الكريم، وقد وردت أحاديث نبوية بذلك.

- مفردة الإنفاق بتصريفاتها المختلفة وردت في القرآن أكثر من 64 مرة - أكثر من الزكاة.

5- الصدقة والصدقات: جاء اشتقاق الصدقة من التصديق والبرهان على قوة إيمان المؤمن.

خامسا، مقاصد الإسلام في المال:

- مقاصد الإسلام في المال هو:
1- تفتيت الثروة - عدم تركيزها في أيد قليلة: "كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم".

2- التفتيت المقصود لا يعني العبث، فهذا سفه وطيش نهى الله عنه: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم".

3- المقصود بالتفتيت هو عدالة التوزيع - المساواة في إيجاد عيش كريم لكل أبناء المجتمع.

4- عدالة التوزيع تثمر سلامة الصدور من الحقد والحسد. إذن، نظافة القلوب أقوى طريق إلى بناء شبكة العلاقات الاجتماعية.

شبكة العلاقات أقوى الطرق إلى قوة المجتمع وتماسكه ووحدته في مواجهة المحن الداخلية والخارجية.

5- الصيام له دوره الأبرز في تنظيف القلوب - تقوى وتزكية، وزكاة، وإنفاقا، وصدقات.

6- شرع الإسلام، التوارث بين الأبناء - نساء ورجال، والأحفاد والأعمام والعمات وبقية الأرحام، والهدف هو التوزيع العادل للثروة.

7- شرع الإسلام الوصية والوقف:

سادسا، غاية الإسلام في المال:

1- التفتيت للمال وتوزيعه هدف مقصدي عظيم - قوة المجتمع.

2- الغاية الكبرى لعدالة التوزيع هي: "الخلاص الجماعي" للأمة - بناء الأمة.

3- الخلاص الجماعي فاق كل الأنظمة القديمة والحديثة، حيث جمع بين حق الملكية وعدالة التوزيع في آن.

4- بناء الأمة: بإيجاز شديد نقول إن الخلاص الجماعي للأمة يعني بناء الأمة - الفرد والمجموع بناء إنسانيا وحضاريا، بدءا من نشر التعليم، ذلك أن التعليم أساس الوعي والتنمية وصولا إلى النهوض الحضاري.

5- الحضارة الإسلامية بنت الإنفاق - وقفا، ووصايا، ومبرّات.

لا يتسع المقام لاستعراض أمثلة ولكننا نكتفي بشهادة خصوم الإسلام قبل أصدقائه، أن الحضارة الإسلامية ظلت 1000 عام، تعطي العالم قيمها الحضارية ببركة الإنفاق المتعدد الصور أبرزها الإنفاق والذي كان بعيدا عن يد السلطات، تحت نظر العلماء والقضاة والوجهاء.

الخلاصة، تلكم هي ثمار مقاصد الصيام إنسانيا وحضاريا.

وليس أخيرا، لا يمكن قيام نهضة حضارية إسلامية دون مبرات الإنفاق، والأوقاف، والوصايا، ولكن، للأسف الجمود الفقهي أنتج عقليات ضحلة الفتاوى بغباء تخوّل يد الطغيان في الزكاة والوقف

كلمات دالّة

#اليمن