الثلاثاء 18-06-2024 15:07:57 م : 11 - ذو الحجة - 1445 هـ
آخر الاخبار

مقاصد الصيام.. بناء الفرد والمجموع والحضارة(الحلقة 2)

السبت 25 مارس - آذار 2023 الساعة 02 صباحاً / الإصلاح نت-خاص-عبد العزيز العسالي
 


أولا، تحديد الدلالات:

1- المقاصد في اصطلاح فقهاء المقاصد تطلق على:
- الأهداف، الحِكَم، الغايات التي جاءت الشريعة الإسلامية لإيجادها والحفاظ عليها وحمايتها.

- المقاصد في اصطلاح فقهاء الفروع هي مجموع المصالح التي جاءت بها الشريعة لأجل الإنسان دنيا وآخرة.

الخلاصة، مقاصد الصيام هي الهدف والغاية التي جاء الصيام لتشريعها وتحقيقها في حياة المجتمع المسلم.

 

ثانيا، تقسيم مقاصد الصيام مصدره دلالات السياق وهي كما يلي:

1- مقاصد الصيام وردت في 5 آيات متتالية من سورة البقرة (من 183 إلى 187).

2- الآيتان 183 و184 تضمنتا الهدف العام للصيام وهو "التقوى"، كما تضمنتا قواعد مقاصدية في غاية الأهمية التأصيلية من جهة، وفي ذات الوقت متصلة بالغاية العامة للرسالة الخاتمة وهي "الرحمة للعالمين".

3- الآيتان 185 و186 تضمنتا الغاية الكبرى من الصيام وكذا قواعد مقاصدية تشريعية أيضا.

4- الآية 187 تضمنت أحكاما تشريعية جزئية: تحديد وقت الصيام والاعتكاف، وعللت كل ما سبق بتحقيق الهدف العام للصيام وهو "التقوى".

5- الابتداء والانتهاء بالهدف العام للصيام له دلالاته العميقة المتظافرة، الآمرة بتحقيق الغاية الكبرى للصيام، كما سنوضح لاحقا.

تجنبا للإطالة سنقتصر على إيراد الشاهد من الآيات فقط.

 

ثالثا، الهدف من الصيام:

قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون".. هذه الآية تضمنت ما يلي:

1- الهدف العام للصيام هو التقوى.

2- للتقوى في القرآن مقاصد وأبعاد تربوية - ويزكيهم.. وإليك أبرز أبعاد التزكية التربوية:

- الاتصال الوثيق "بمركزية التوحيد" ركني الإيمان بالله واليوم الآخر والدليل هو النداء في مطلع الآيات: "يا أيها الذين آمنوا..".

- ترسيخ أسس بناء مجتمع الرشد الذي يستقي قيمه من معين الإيمان بالله واليوم الآخر وهو معين لا ينضب.

- إقامة الأمة الوسط.

- الاتصال الوثيق بين القيم الخلقية والقيم الكونية قاعدة مقاصدية مطردة في عموم آيات القرآن وصحيح السنة النبوية.

- اتصال القيم الكونية والخلقية بالإيمان يعني إمداد القيم بحيوية وفاعلية متجددة لا يعتريها، بل لا تعرف الفتور.

3- مقاصد اتصال القيم بالتزكية الإيمانية -تربويا- هدفها تحقيق تجسيد وترسيخ وحماية "شبكة علاقات المجتمع"، تحقيقا لمبدأ للتعارف الإنساني العالمي "لتعارفوا".

4- ترسيخ "قيمة شبكة العلاقات الاجتماعية" و"قيمة التعارف" هدفهما ترسيخ وحماية النسيج المجتمعي، وهو عين السنن الإلهية الحاكمة للاجتماع.

5- حماية السنن الحاكمة للاجتماع يحقق الغاية العامة لجميع الرسالات السماوية وهي: "ليقوم الناس بالقسط"، فالقيام بالقسط يحقق السلم والسلام والاستقرار والتنمية.

6- تحقيق السلم والسلام... إلخ، هو الطريق إلى تحقيق المقاصد العليا من خلق البشرية - مركزية التوحيد وعمارة الأرض.

الجدير ذكره أن مفردة "التقوى" وردت في القرآن بتصريفاتها المختلفة - التقوى، اتقون، يتقون، المتقون.. قرابة 190 مرة.

وصدق الله القائل: "واتقوا الله ويعلمكم الله".. نعم إنه سبحانه يعلمنا مقاصد الخلق، والمقصد العام للصيام، ومقاصد التقوى، ومقاصد القيم، ومقاصد التزكية، وكلها طرق إلى قيام مجتمع الرشد وبناء الأمة الوسط وعمارة الأرض، وكل ذلك عبادة لله وتوحيده، وهنا نصل إلى المعنى الوارد أعلاه - مقاصد الشريعة تحقيق مصلحة الإنسان دنيا وآخرة.

تلكم هي إلماحة سريعة إلى مقاصد الصيام.

رابعا، القواعد المقاصدية التشريعية:

1- تلطف تربوي وتطمين للسامع: نجد ذلك في قوله تعالى: "أياما معدودات".

2- التيسير على المريض والمسافر وما شابه.. "ومن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر".. إنها شريعة رسول الرحمة.

3- بناء عقلية الفقيه مقاصديا: نجد ذلك التوجيه الرباني للفقيه قبل أن يطلق الأحكام الجزئية عليه أن يستحضر الغايات الكلية للرسالة، ذلك أن مدار شريعة الإسلام على القاعدة المقاصدية "التيسير ورفع الحرج"، فهذه القاعدة نص عليها القرآن قرابة 20 مرة بالحرف والفحوى، وكذلك السنة النبوية الصحيحة في 22 حديثا.

4- التدرج التربوي: نجد هذا فيما يلي:
- "وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين".
- "فمن تطوع خيرا فهو خير له".
- "وأن تصوموا خير لكم".
هذ التدرج ورد "حوارا" داخل آية واحدة 184، مراعاة لاختلاف النفسيات - فالأمر في البداية قد يفهمه البعض أنه فوق الطاقة "يطيقونه" بسبب شيخوخة أو عدم الدربة، فعليهم الفدية، وفي اللحظة يستنكف قيمة التحكم في النفس ولكن بأسلوب ليّن: "فمن تطوع خيرا فهو خير له".. استثارة للتحكم في النفس لكن بلغة: "فمن تطوع" أسلوب تربوي فذ مهّد لقيادة النفس، ثم يلتقط إقبال النفس نحو التطوع فداها إلى أعلى المصالح: "وأن تصوموا خير لكم".

هذا التدرج التربوي مع تلك النوعية من النفوس نجد أنه سبحانه قد أغفله الآية التالية 185، واقتصر على قاعدة التيسير للمريض والمسافر.

يرى بعض المفسرين أن "يطيقونه" خاصة بذوي الشيخوخة، وهذا هو الأفضل من القول بالنسخ لدى مفسرين آخرين.

5- التكافل الاجتماعي: نجد هذا في قوله: "إطعام مساكين". الجدير ذكره أن شريعة الإسلام جاءت تحمي حقوق المساكين والضعفاء - أليس هناك سورة بأكملها خاصة بالنساء واليتامى والموالي والفقراء... إلخ، بل وكم هناك من الآيات في هذا الصدد.

 

خامسا، الغاية العليا من الصيام:

1- الشكر العملي: نجد ذلك في قوله سبحانه: "ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون".

2- الفرق بين الحمد والشكر:
- الحمد لا يتعدى حدود القول بالقلب أو باللسان.
- الشكر لا يكون إلا عمليا.
قال تعالى: "اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور".

الجدير ذكره أن:
- مفردة "شكر" وردت في القرآن بتصريفاتها المختلفة - شكر، شكور، اشكر، بلغت 78 مرة، وعند التأمل في سياق تلك المفردات نجد أنها تعني الجانب العملي بالحرف والفحوى.
- في حين وردت مفردة "الحمد" قرابة 42 مرة.

لكن السؤال الأهم هو حول قوله سبحانه: "وقليل من عبادي الشكور"، فلماذا الشاكرون قليل؟ الجواب نجده في سياق الآيات في سورة سبأ التي تحدثت عن آل داوود، فقد تضمن السياق الأعمال الإنسانية الحضارية التالية:
- "وألنّا له الحديد".
- "أن أعمل سابغات".. دروع داودية للحرب.
- "وقدّر في السرد".. إحسان وإتقان الصنعة والحبك القوي.
- "وأسلنا له عين القطر".
- "تسخير الجن والشياطين".
وانتهى السياق: "اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور".
يا الله، ماذا عن الذين آتاهم الله الثروات فأضاعوها؟

باختصار، الغاية العليا من الصيام هي الشكر العملي.. هكذا ورد التعليل المقاصدي نهاية آيات مقاصد الصيام.

3- الدعاء والاستكانة والتضرع: هذه قاعدة مقاصدية هدفها التربية، والتزكية القلبية ورشد عقلي.. إنها قيمة وجدانية في غاية الأهمية (صناعة توازن الواجدان)، كبح الغرور وهذا موضوع طويل لا مجال لاستعراضه هنا. نعم، نجد ذلك في قوله سبحانه: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون".

يا الله، ما أجلّ كرمك.. أكرم به من رحيم بهذا الإنسان المعجب بذاته الممتلئ غرورا.. هذا الغرور ليس من قيم العقلاء.. إنها قيم الحيوان الذي يملأ بطنه بالعلف ثم يرفع ذيله أعلى ويبدأ بالاختيال.

غير أن الغرور ممن يحملون العلم يكون أسوأ انحطاطا وسفالة، لهذا ورد وصفه في القرآن: "آتيناه آياتنا فانسلخ منها"، إلى قوله: "فمثله كمثل الكلب".

وتارة وصفه بـ"القراءة الحمارية"، وتارة، بحسب د. طه العلواني رحمه الله، وصفه بـ"الفقه البقَري"، انطلاقا من قول الله سبحانه: "إن البقر تشابه علينا".

4- الاستكانة والتضرع: هذان المصطلحان وردا في القرآن حرفيا في سياق تعليلي مقاصدي عمن نزلت فيهم البأساء والضراء ولكنهم أمعنوا في كلبيتهم وحماريتهم وفقههم البقري، قال تعالى: "فما استكانوا لربهم وما يتضرعون"، إذن فالاستكانة والتضرع من أخلاق العقلاء الفقهاء العلماء الحكماء.

5- عودة إلى الهدف العام: "وتلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين آياته للناس لعلهم يتقون" (البقرة، 187).

هنا سؤال على غاية من الأهمية يقول: "يبين آياته للناس"، عموما وليس للمؤمنين ولا للمسلمين، فما الحكمة؟

الجواب: إن فلسفة الصيام، أهدافا وغايات، تعود بالخير على سائر الناس، كونها تضمنت قيما إنسانية وحضارية وشبكة علاقات اجتماعية، وحلولا جماعية وغايات عمرانية وإقامة للأمة الوسط، وبناء شخصية الأمة على ثقافة ذات مصادر معصومة، فهذه القيم كلها تعود على الناس جميعا بالخير داخل القرية والإقليم والوطن والدولة... إلخ.

 

الخلاصة: مما سبق عموما نلاحظ أن:
- التقوى هي الهدف العام للصيام.
- التقوى مصطلح قرآني جامع هدفه تغذية القيم الكونية والخلقية بالحيوية الإيمانية وبناء الوجدان المتوازن والفاعلية والعفة والعزة والإحسان بمعناه الحضاري الإنساني... إلخ.
- التقوى تخدم الغاية العليا للصيام.
- الغاية العليا للصيام هي الشكر العملي - عبادة، وتزكية، وعمرانا.

تلكم هي باختصار فلسفة الصيام ومقاصده وغاياته، تعود بالخير على الإنسانية جمعاء.. نلتقي بعونه سبحانه مع "مقاصد الصيام في الإنفاق".

كلمات دالّة

#اليمن