الثلاثاء 18-06-2024 15:59:13 م : 11 - ذو الحجة - 1445 هـ
آخر الاخبار

معوقات بناء فقه الأمة.. النتيجة، الآثار (الحلقة 1)

الإثنين 20 مارس - آذار 2023 الساعة 06 مساءً / الإصلاح نت-خاص-عبد العزيز العسالي

 

 

أولا، الوساطة العلمية:

 

المقصود بالوساطة العلمية هي التقليد المذهبي والذي بدأ مطلع القرن الرابع الهجري. ويقال إن دوافع ومبررات الدعوة إلى التقليد تعود إلى اتساع الخلاف في مجال الفقه الإسلامي تدينا ومعاملات، وإن الحل هو حصر التقليد في المذاهب الأربعة المعروفة.

-عقليات موسوعية مذهبية: برزت شخصيات علمية موسوعية تمتلك أدوات النظر العلمي في ميدان العلوم الإنسانية المتعارف عليها يومها.

تلكم الشخصيات الموسوعية تمتلك من المعارف النظرية التي تؤهّلها للاجتهاد والتجديد ولكنها سلمت قيادها للتقليد المذهبي بصورة تبعث على التساؤل: لماذا احتلت ثقافة التقليد تلك المكانة والأهمية؟ هل هي ثقافة إحياء السلالية السياسية انسحبت على المجال الفكري والفقهي؟ ربما، فالناس تبع لملوكهم، كما هو شائع في الثقافة العامة من جهة، ومن جهة أخرى نجد إعصار الرواية الضاربة الأطناب في أغوار ثقافتنا ومنها روايات عدة محورها مفهوم سلالي يقول: "الناس تبع لقريش".

ومبررات التقليد المذهبي كثيرة أبرزها وحدة الثقافة، وقطع الطريق أمام الأهواء، فهل اتحدت الثقافة وحوصرت الأهواء؟ الجواب في البند التالي.

 

ثانيا، انعكاسات الوساطة العلمية:

- هجر القرآن: تلكم هي الكارثة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، كيف لا وأنت تجد العقول الموسوعية العملاقة تفسر القرآن وفقا لما يخدم المذهب الفقهي والفكري.

- حصائد الوساطة العلمية طالت المجال الفكري -العقيدة- صراعات كلامية حد العدمية.

- الأسوأ هو أن تلكم الصراعات الكلامية القادمة من الفلسفة الوثنية اليونانية والهندية والفارسية أنتجت عقائد إضافية، حيث قفزت عقيدتنا من أركان الإيمان الستة إلى قرابة 318 عقيدة.

باختصار، تحولت صراعات القرون إلى عقائد ملزمة في محاضن العلوم الشرعية.

 

- مظاهر هجر القرآن:

-هجر الفهم والتفسير والتدبر، سيما في مجال فقه العبادات والمعاملات، فقد حصل التعسف في التفسير بما يوافق المذهب.

- هجر مقاصد القرآن وإغفالها، ويسعى أولئكم المفكرون الموسوعيون إلى التفسير بالمأثور عن السابقين - خير القرون، فغابت مقاصد الكتاب المكنون إلى الحد أنك لا تكاد تجد فرقا بين التفاسير إلا في تاريخ ميلاد المفسر ووفاته فقط.

- هجر السنن الإلهية: نصوص القرآن زاخرة بالسنن الإلهية، بل لا نكون مبالغين إذا قلنا إن القرآن بحد ذاته سنة إلهية بما تضمنه من مقاصد هادية للعقول إلى مصالح الدين وعمران الأرض والاستخلاف والقيادة والريادة.

- الصراعات الكلامية المتعصبة عزلت الفكر عن فهم السنن الإلهية، فضاع من ثقافتنا فقه الوسائل، بل أصبح التعاطي مع الأسباب في عداد الشرك بالله - مساس بالعقيدة.

 

أصول الفقه مفخرة العقل الحضاري الإسلامي:

ماذا حصل لهذا العلم؟ لقد عصفت به الصراعات الكلامية وكبلته وأثقلته، فأصيب الفكر الإسلامي بالشلل والإرباك في أخطر ميادين الإنتاج الفكري والفقهي والتربوي وبناء ثقافة المجتمع، ذلك أن علم أصول الفقه هو آليات للفهم والإنتاج والتجديد -علم أدواتي- أشبه بأدوات ومفاتيح الهندسة، لكن هذا العلم العظيم تحول قفلا للعقل، وهو ما أطلقنا عليه مفهوم المعرفة المغلقة.

 

ثالثا، هجر الاستمداد من السيرة العطرة:

- السيرة العطرة هي التجسيد العملي للوحي، فهي منهج تطبيقي في ميادين الحياة المختلفة - عقديا، وفكريا، وثقافيا، واجتماعيا، وسياسيا، وعسكريا، وتعاطيا مع السنن الحاكمة للاجتماع، كيف لا وهي المعين الزاخر بالتجسيد النبوي لقيم القرآن ومقاصده وتشريعاته الكلية والجزئية.

- الاختزال الغريب: تم اختزال منهجية الحياة الرسالية الخالدة البالغة 23 عاما الزاخرة بالعطاء النبوي التشريعي الفريد في مجموعة الحروب، على أننا لو حسبنا المدة الزمنية للحروب لم ولن تتجاوز 6 أشهر على أكثر تقدير.

- السيرة العطرة من الاختزال إلى التعطيل: ليست هذه دعوى عارية عن الصحة، وإنما هي قضية تأصيلية حاضرة بقوة داخل "أصول الفقه"، وبطبيعة الحال كان للوساطة العلمية -التقليد الأعمى- الدور الكبير في تعطيل السيرة العطرة، فتعطل الاستمداد الحيوي من أعظم منابع التطبيق النبوي.

 

تعطيل السيرة النبوية يوضحه البند التالي.

- أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ليست حجة: هذا هو التأصيل التشريعي الذي حمله إلينا أصول الفقه.

فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ليس حجة.. الحجة هي أقواله.

 

خلط، تلبيس، غلاط، تعطيل، ولكن باسم التأصيل الأصولي، وهذا ليس تأصيلا وإنما هو تقليد مغلف بالوساطة العلمية - تضليل باسم الاتباع.

- ما قلناه حول كتب التفسير ينطبق على كتب السيرة، فلولا أن كتب السيرة حملت تاريخ ميلاد ووفاة مؤلفيها لقيل عنها إنها نسخت في زمن واحد.

- دوافع تعطيل الاستمداد من السيرة العطرة: تعددت دوافع تعطيل السيرة ولعل أبرزها هو خدمة السلالية - طبقة الحكام.. والحجة بسيطة وسهلة، فإذا قيل إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعط أحدا من أقاربه أية مسؤولية، فالجواب: أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ليست حجة.

- السيرة بين المولد وأحاديث الساقة: يا ليت زوايا التصوف تتناول جميع جوانب السيرة، وإنما تقتصر ثقافة الدروشة -في أفضل الأحوال- على حليمة السعدية، اكتفاء بروايات لا أصل لها، وعلى افتراض صحتها فهي لا تخدم دينا ولا تبني ثقافة ولا فقه أمة، ولا تزرع قيمة ولا ترسخ سنة إلهية ولا مقصد تزكية خلقية، فهل نكون مبالغين إذا قلنا إن التقليد أفسد السيرة وعطلها بل حرمت الأمة من أعظم معين ثقافي سنني شامل؟

باختصار، تلكم هي الحصائد الأولى للمعرفة المغلقة والوساطة العلمية.. نلتقي بعونه سبحانه مع بعض الآثار.

كلمات دالّة

#اليمن