الخميس 29-02-2024 12:32:34 م : 19 - شعبان - 1445 هـ
آخر الاخبار

عام من التهديدات المتواصلة.. وملامح ضعف مليشيا الحوثيين

الأربعاء 01 مارس - آذار 2023 الساعة 06 مساءً / الإصلاح نت - خاص

 

انقضت إلى الآن سنة كاملة من التهديدات المتواصلة التي تطلقها مليشيا الحوثيين الإرهابية باستئناف العمل العسكري ضد الحكومة الشرعية والتهديد بقصف الأراضي السعودية والإماراتية، تأتي هذه التهديدات بعد سنة كاملة من المعارك في محيط محافظة مأرب، والتي انتهت بهزيمة مدوية للمليشيا الحوثية، فالمليشيا لم تتمكن من تحقيق هدفها بالسيطرة على محافظة مأرب كاملة، وفوق ذلك فقد خسرت ثلاث مديريات في محافظة شبوة كانت تسيطر عليها، كما خسرت عددا من المواقع في جبهات تعز وحجة وصعدة.

وأمام هذه الهزائم المتزامنة بعد عام كامل من معركتها الخاسرة بمحافظة مأرب، شنت المليشيا هجمات يائسة على السعودية والإمارات، وعندما كان الرد عليها عنيفا ومؤلما، وجدت المليشيا أنه لم تعد تجدي المعارك الميدانية في جبهات الداخل، وأن الهجمات العابرة للحدود هجمات انتحارية بامتياز، وهنا وجد الوسطاء الدوليون أنه حانت "لحظة النضج" لتحقيق هدنة تمهد لحل سياسي شامل، وأن المليشيا الحوثية في حالة ضعف، وستستجيب لذلك، وهو ما كان بالفعل، لكن المليشيا استجابت للهدنة، ولم تستجب لوساطات الحل السياسي.

لقد وجدت المليشيا الحوثية في الهدنة مخرجا مشرفا للتغطية على هزيمتها في مأرب. وبعد سنة كاملة من المعارك الخاسرة، مضت بعدها سنة كاملة من التهديدات باستئناف القتال، مع الاكتفاء بهجمات محدودة في بعض الجبهات، وهذا أقوى مؤشر على ضعف المليشيا عسكريا، فلو كان لديها القوة العسكرية الكافية لتوسيع سيطرتها الميدانية، فإنها لن تتأخر عن ذلك لحظة واحدة، وستظل معركتها في مأرب كابوسا موحشا يلقي بتأثيره عليها كلما فكرت مجددا بخوض معركة واسعة.

 

- من عام الانتكاسات إلى عام ترميم الهزائم

كانت معركة مأرب، خلال العام 2021، معركة مفصلية في مسار الصراع والحرب التي أشعلتها المليشيا الحوثية، وقد أعدت المليشيا لتلك المعركة كل إمكانياتها، وألقت بكل ثقلها فيها، وكانت بقيادة الضابط في ما يسمى الحرس الثوري الإيراني الإرهابي حسن إيرلو، الذي ظهر في صنعاء قبل المعركة بأشهر منتحلا صفة "سفير"، وكانت المليشيا الحوثية تعتقد أنه بسيطرتها على محافظة مأرب فإن ما سواها أسهل، باعتبار مأرب مركز القوة الصلبة للسلطة الشرعية.

لكن لم تكن معركة مأرب كما أرادتها المليشيا، ورغم الحشود الهائلة من المقاتلين، إلا أن المليشيا بدأت تتكبد خسائر فادحة في الأرواح والعتاد منذ بدء المعركة. ومع كثافة جنازات قتلى المليشيا العائدة من مأرب، فقد كانت وسائل إعلام المليشيا تتحدث عن تحقيق انتصارات ميدانية متسارعة، للتغطية على الخسائر الفادحة، ورفع معنويات مقاتليها، الذين كانت تعدهم بالغنائم والامتيازات في حال تمت السيطرة على المحافظة الغنية بالنفط والغاز.

ومع نهاية العام 2021، بدأت تتكشف خسائر المليشيا، حيث قتل الضابط الإيراني حسن إيرلو، وبدأت المليشيا الحوثية تشيع بعض قادتها ممن ينتمون للسلالة الهاشمية العنصرية، وهو ما يعني أن المعركة استنزفت مقاتلي المليشيا من أبناء القبائل، فهب بعض السلاليين للقتال وقيادة المعركة لاعتقادهم بأنه سيمكنهم إنقاذ الموقف، كما بدأت المليشيا بحملات قمع واضطهاد لبعض أبناء القبائل، واختطفت عددا من مشايخ القبائل والوجاهات الاجتماعية، بتهمة المماطلة في حشد مقاتلين من قبائلهم للقتال في صفوف المليشيا.

وبعد انكسار المليشيا وهزيمتها في مأرب وشبوة وجبهات أخرى، رأت في الهدنة، التي بدأت منذ مطلع أبريل 2022 وتم تمديدها إلى 2 أكتوبر 2022، رأت فيها مخرجا مشرفا لهزيمتها في مأرب وغيرها، وبعد أن جردت خسائرها اكتشفت هول الكارثة، فالمليشيا كانت قد اعترفت، في ديسمبر 2021، أنها خسرت 15 ألف قتيل في مأرب، لكن تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية أعلن حينها أن خسائر مليشيا الحوثيين حوالي 30 ألف مقاتل.

 

- عروض عسكرية وهياكل خداعية

لم تتمسك المليشيا بالهدنة الإنسانية، ولم تنفذ بنود الهدنة، مثل رفع الحصار عن مدينة تعز، ولم تتمسك بوقف إطلاق النار، حيث شهدت مختلف الجبهات خروقات شبه يومية للهدنة، وكل هذه الخروقات والتعنت بشأن رفع الحصار عن تعز يعكس الموقف البائس للمليشيا وفداحة اللحظة الحرجة التي تبدت بعد انكسارها في محافظة مأرب. ومع اقتراب نهاية الهدنة بعد تمديدها للمرة الثانية، كانت المليشيا تهدد بأنها ستستأنف العمل العسكري إذا لم تتم تلبية شروطها كاملة للموافقة على تمديد الهدنة.

أيضا، استغلت المليشيا الحوثية الهدنة لرفع معنويات مقاتليها والتغطية على حجم الكارثة التي خلفتها معركة مأرب في صفوفها، ومن ذلك أنها أقامت عروضا عسكرية في صنعاء والحديدة، حشدت لها حتى منتسبي قوات الأمن والشرطة بعد تجميعهم من محافظات عدة تسيطر عليها، كما أن بعض الأسلحة التي ظهرت في العروض العسكرية كانت مجرد هياكل خداعية، وهو ما كشفته بعض الصور ومقاطع الفيديو التي مصدرها المليشيا ذاتها.

وقد ظهرت بعض الأسلحة التي كانت مجرد هياكل خداعية وعلى متنها أشخاص يحملون السلاح كانوا مجرد هياكل أيضا لا تتحرك، وكل ذلك لتوحي المليشيا لمقاتليها ولأعدائها أيضا بأنها ما زالت قوة كبيرة، علما أن الهياكل الخداعية من التكتيكات المعروفة التي تأتي في سياق الحرب النفسية على العدو، حيث تلجأ بعض الجيوش إلى صناعة هياكل خداعية فارغة بتصاميم لصواريخ حديثة وغيرها، وتلجأ لتلك الهياكل واستعراضها في حالات الضعف والعجز.

وخلال الهدنة أيضا، أجرت مليشيا الحوثيين عمليات تبديل لمقاتليها في الجبهات، وأظهرت ذلك بأنه حشود وتعزيزات عسكرية جديدة، بالتزامن مع حشد مسلحين جدد، وعندما وجدت صعوبة في عملية التجنيد، لجأت إلى العروض العسكرية والهياكل الخداعية للأسلحة وعمليات تبديل المقاتلين والآليات العسكرية في المواقع، لأجل رفع معنويات مقاتليها، وأيضا لتشجيع القبائل على تجنيد أبنائها للقتال في صفوف المليشيا من خلال إيهامها بأن المليشيا ما زالت قوة لا تقهر، رغم أن غبار معركة مأرب لم ينقشع بعد، والتي تكبدت فيها المليشيا خسائر فادحة في الأرواح والمعدات.

 

- مغامرات خاسرة

لا شك أن مليشيا الحوثيين لديها وفرة هائلة من الأسلحة المنهوبة من مخازن قوات الجيش والأمن التي نهبتها بعد الانقلاب، فضلا عن الأسلحة التي تهربها لها إيران، لكن تلك الأسلحة تفقد أهميتها كونها بيد مليشيا بدائية بلا خبرات عسكرية ولا تجيد تكتيكات الحروب، وكل ما تفعله هو الانفراد بالخصوم، وخوض المعارك بطريقة عشوائية، اعتقادا منها أن المعركة تحتاج فقط وفرة في المقاتلين مع وفرة من الأسلحة، وهو ما حصل في معركة مأرب، فقد اعتمدت المليشيا على ما تسميها "الأنساق"، أي أفواج المقاتلين، وهذه الطريقة القتالية من ابتكار خميني إيران في انقلابه على الشاه الذي سماه "ثورة".

وكانت فكرة الخميني في هذه الطريقة القتالية أن أفواج المقاتلين المتحمسين أفضل وسيلة لتحقيق النصر بدلا من تكتيكات الجيوش التي تقتضي أنه إذا وَجد القائد أن الجيش سيفنى في المعركة فإنه يأمره بالانسحاب، لكن في فكر خميني إيران الذي أتى به حسن إيرلو للحوثيين، فإن أفواج المقاتلين بعد تعبئتهم أفضل تكتيك، فالجيش ينسحب إذا أحس بالهزيمة، لكن الأفواج شبه الغوغائية والمتحمسة تحت ضغط تعبئة عنيفة ستقاتل حتى النصر أو الفناء.

وهو ما حصل في مأرب، حيث اعتمدت المليشيا أسلوب الأفواج الغفيرة من المقاتلين ودفعت بهم للمغامرة مهما كان، رغم كثافة أعداد القتلى، لدرجة أن الجيش الوطني بدأ يناشد القبائل ألا تسلم أبناءها ليكونوا وقودا لمعارك الحوثيين، وبعض جنود الجيش الوطني قالوا إنهم كانوا يتألمون عندما يرون تساقط أعداد غفيرة من المقاتلين الحوثيين برصاصاتهم، ومن استسلم منهم يعاملونه معاملة حسنة، لاسيما صغار السن.

 

- المليشيا في أضعف حالاتها

تؤكد كل الشواهد أن مليشيا الحوثيين في أضعف حالاتها، وستنهار بسرعة غير متوقعة في حال اشتعال جميع جبهات القتال ضدها بشكل متزامن، ولو كان لديها القدرة على تحقيق انتصارات ميدانية فلن تتأخر عن ذلك، علما أن جميع المحافظات التي تسيطر عليها كان ذلك دون قتال، وطوال السنوات الماضية لم تنتصر مليشيا الحوثيين في أي معركة بدأتها هي بالهجوم، مثل معركة مأرب، ولم تنتصر في أي معركة كانت فيها في وضع الدفاع، مثل معارك تحرير عدن وتعز وجنوب الحديدة والضالع وغيرها.

وتستمد مليشيا الحوثيين بقاءها من تقاعس مكونات الصف الجمهوري عن معركة الحسم ضدها، رغم إدراك الجميع أن المليشيا لن تستطيع خوض معارك متزامنة في محيط دائري يطوقها من جميع الجهات، وعندما تنهار تحصيناتها الأمامية فما وراءها سينهار تلقائيا، وستتشجع القبائل على حمل السلاح وقتال الحوثيين عندما ترى أن لحظة الحسم قد حانت، وأنها ستكون مسنودة بالسلطة الشرعية والجيش الحكومي.

وأما تهديدات الحوثيين باستئناف العمل العسكري، واستغلال أمن الطاقة بعد حرب روسيا على أوكرانيا، فتلك التهديدات دليل ضعف وليس دليل قوة، وتأمل المليشيا أن تحصل على مكاسب بواسطة الابتزاز لا يمكنها الحصول عليها بواسطة العمل العسكري، كما أن المليشيا تتخذ من التهديدات والمفاوضات في عمان وغيرها وسائل للمراوغة واستهلاك الوقت لتتمكن من تعويض خسائرها وتجنيد مزيد من المقاتلين وتهريب مزيد من الأسلحة من إيران لتتجاوز ضعفها حاليا، استعدادا لجولة صراع عنيفة.

ولذلك فإن المبادرة لحسم المعركة ضد المليشيا حاليا ستكون كلفتها قليلة، وكلما تأجلت معركة الحسم ستكون كلفتها باهظة أكثر. وبشأن ما لدى المليشيا حاليا من أسلحة خطيرة، مثل الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة، فهذه الأسلحة تمكنها من الإيذاء والابتزاز فقط ولا تمكنها من حسم المعركة لمصلحتها. ومهما يكن، فبنظرة شاملة على مختلف الكوارث التي خلفها انقلاب المليشيا الحوثية، فإن كلفة السلام معها أكثر فداحة من كلفة الحسم العسكري ضدها.

كلمات دالّة

#اليمن