السبت 13-04-2024 23:15:39 م : 4 - شوال - 1445 هـ
آخر الاخبار

إسرائيل وبسط النفوذ على المقدسات الإسلامية

الأربعاء 02 أغسطس-آب 2017 الساعة 11 مساءً / الاصلاح نت - خاص/ فهد سلطان (الحلقة 2)

    

"الحكومة الاسرائيلية شطبت من حساباتها المسجد الأقصى، وبدؤوا يتعاملون بما يسمونه جبل الهيكل، في محاولة لهدم الاسم الاعتباري له، وباتوا يتصرفون وكأنهم أصحاب السيادة المطلقة على المسجد الأقصى وكل المقدسات الإسلامية في فلسطين"(1).

ومن الجيد التأكيد هنا - على ضوء الأحداث الأخيرة - أن الاحتلال الإسرائيلي كان يظن أنه نجح -إلى حد كبير- في تفكيك المجتمع المقدسي, والذي يعتبر الحاضنة الأولى للمسجد الأقصى وخط الدفاع الأول عنه، وجاءت الأحداث الأخيرة لتشكل صدمة للحكومة الإسرائيلية، ولمن يقف خلفها من أتباع مشروع الشرق الأوسط الجديد, بعد أن انبرى آلاف الشباب المقدسيين رجالاً ونساءً للدفاع عن الأقصى والرباط في أطرافه بشكل متواصل منذ أسبوعين، حتى تحقق النجاح في كسر إرادة الاحتلال وجر أذيال الخيبة والعجز والفشل.

 

مسلسل الاستهداف

ذكرنا في الحلقة السابقة أن استهداف المقدسات الإسلامية في فلسطين تحديداً ليس وليد اللحظة, وليست إسرائيل هي الأولى من تحاول بسط النفوذ على المقدسات الإسلامية من خلال الاستهداف, بحيث يمكن القول أن الأمر بات مفروغاً منه، وأن استعادتها دخل في طور المستحيل, فمن يجهل التاريخ الماضي والحديث يمكن أن يصل إلى هذه النتيجة السطحية.

في عام 1099م، سيطر الصليبيون على القدس، أثناء ما يسمى بالحملة الصليبية الأولى, وبدلاً من تدمير المسجد أطلقوا عليه اسم معبد سليمان، وقد استخدموه في بادئ الأمر كقصر ملكي, ثم إسطبلاً للخيول، واستمر هذا الحال لعشرين عاماً تقريباً, رافق ذلك تغييرات جوهرية لشكل المدينة, إلى جانب حجم الدمار الذي طال كل شيء في محاولة لطمس المعالم الإسلامية والتاريخية للمدينة والمسجد معاً.

وفي عام 1119م، تم تحويله إلى مقر لفرسان الهيكل، وخلال هذه الفترة خضع المسجد إلى بعض التغييرات الهيكلية، بما في ذلك توسيع الشرفة الشمالية، وإضافة (محراب الكنيسة) وجدار فاصل بينهما, وقد تم بناء دير جديد وكنيسة أيضاً في الموقع جنباً إلى جنب مع غيرها من الهياكل المختلفة, وقد شيد فرسان المعبد أقباء ومرفقاتها في الجهة الغربية والشرقية للمبنى, ويستعمل القبو الغربي حالياً كمسجد للنساء، أما الشرقي فيستخدم كمتحف إسلامي.

كانت تلك الفترة بالنسبة لحال المسلمين والعرب على وجه التعيين من أسوأ الحقب التاريخية, والتي ساد فيها التمزق وحكم الطوائف واستطاع الصليبيين نشر الذعر والخوف في صفوف الناس في الحواضر والمدن بسبب المذابح التي قاموا بها, وبلغ حال المسلمين من السوء والضعف ما جعلهم لقمة سائغة للأعداء, فعبر التاريخ لم يتم التمكن من المقدسات الإسلامية وثروات المسلمين وامتهانهم إلا في حالة الضعف الشديد وكانت تلك الفترة قد بلغت مداها.

ولم يدم الأمر طويلاً بالنسبة للصليبيين الذين ظنوا أن استعادة تلك المقدسات أو قيام قوة جديدة للمسلمين لم يعد ممكناً, وهنا جاء حصار عام 1187م والذي استطاع فيه صلاح الدين الأيوبي للمرة الأولى من استعادة القدس من يد الصليبيين، أعقبه العديد من الإصلاحات والتجديد في المسجد وملحقاته, والبداية من إعادة صلاة الجمعة والتي تعطلت لفترة طويلة، وفي غضون أسبوع فقط تم إزالة المراحيض ومخازن الحبوب المثبتة من قبل الصليبيين داخل المجسد.

صحيح أن حالة التمكين التي استمر العمل والجهد عليها لقرابة سبعين عاماً لم يستمر طويلاً, بمعنى أن التمكين وهي حالة "الاستقرار للدولة" استمرت سبع سنوات فقط من رحيل القائد صلاح الدين, ولا يعني ذلك السقوط والعودة الى الفترة الماضية, بقدر ما هو العودة الى الخلاف من جديد في صفوف المسلمين ومن ثم العودة إلى حالة التمزق، وإن كان صلب الدولة قوياً استطاع أن يقاوم لفترة طويلة حتى مجيء الدولة العثمانية. 

استمر المسجد في يد المسلمين لقرون حتى وصول العثمانيين إلى السلطة في 1517م, حيث قاموا ببعض الإضافات للحرم الشريف القدسي منها بناء نافورة قاسم باشا عام 1527م وهي المعلم الأشهر في تلك الفترة.

في 28 سبتمبر/ ايلول 2000م، قام الإرهابي الراحل أرئيل شارون وأعضاء من حزب الليكود، جنباً إلى جنب مصطحبين ما يقارب 1000 جندي مسلح، بزيارة المسجد الأقصى، مما تسبب بمظاهرة كبيرة من الفلسطينيين احتجاجاً على هذه الزيارة والتي اعتبرت بمثابة تدنيس للمسجد الأقصى، وبدأ الفلسطينيون من الحرم القدسي برمي الحجارة على الشرطة الإسرائيلية, والتي قامت بإطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي على الحشد مما أسفر عن مقتل أربعة وإصابة حوالي 200 شخص، فيما سميت بعدها بانتفاضة الأقصى.

وأثارت هذه الزيارة "انتفاضة الأقصى" الثانية وقد استمرت لمدة خمس سنوات، وشدد الاحتلال الإسرائيلي القيود على دخول المسجد الأقصى من تحديد أعمار المصلين، فلا يسمح لمن هم دون الـ45 سنة من سكان الضفة الغربية من دخول المسجد بدون تصاريح، حتى في أهم وأقدس المناسبات الإسلامية مثل شهر رمضان المبارك والجمعة والعيدين، أما بالنسبة لسكان قطاع غزة فلا يسمح إلا لأعداد قليلة من كبار السن ممن تتجاوز أعمارهم 50 سنة بدخول المسجد الأقصى وبتصاريح خاصة، ومثل ذلك إجراءً عقابياً لا يزال معمولاً به حتى الآن.

 

حفريات الأقصى

يمكن القول إن الاستهداف للمقدسات الإسلامية بدأ باكراً, وأطماع اليهود في المكان لم تتوقف عبر التاريخ, وفي العصر الحديث انطلق ذلك الاهتمام مع تأسيس جمعيات تحت عناوين عدة, تصب في مجملها في إعادة ترتيب وضع اليهود في العالم وتقوية نفوذهم، وهو ما سيبرز ذلك بشكل علني واضح منذ بداية القرن العشرين. 

استهداف المقدسات الإسلامية في فلسطين يصب في اتجاه بسط النفوذ في المقام الأول, فإلى جانب البحث عن شواهد تاريخية (آثارية)، وهي التي لم تنجح به إسرائيل حتى اللحظة سيعمد الاحتلال إلى تحجيم عدد من الشواهد التاريخية وكل ذلك يصب في النهاية في بسط النفوذ على المقدسات الإسلامية.

وفي أول محاولة لاكتشاف آثار فلسطين كان ذلك من خلال بعثة بريطانية خلال الفترة ما بين 1867 و1870م والتي قامت بحفريات في نحو عشرين موقعا في فلسطين، بهدف البحث عن بقايا الهيكل المزعوم، وخاصة في القدس وجوار المسجد الأقصى على وجه التحديد.

نشطت الحفريات في عهد الاحتلال البريطاني إلى جانب حفريات ألمانية تصب في نفس الهدف، وأشهرها حفريات كاثلين كنيون في منطقة تلة سلوان, وهي الحفريات التي سيعتمد عليها الاحتلال في فيما بعد وستكون هي الإرشادية للخطوات التي سيقوم بها فيما بعد عبر حفر الأنفاق والبحث عن ما تبقى من حطام الهيكل المزعوم.

و نهاية 1967 وبداية 1968 العام الذي هزمت فيه الجيوش العربية بما يعرف بالنكسة بدأت حفريات كبيرة جنوب الأقصى وغربه وصلت إلى عمق 14 متراً كشفت عن بقايا آثار القصور الأموية، ومنها الحجارة العملاقة, وستكون تلك الخطوة باكورة لخطوات أخرى ستستمر عليها الاحتلال سنتناولها بالتفصيل في الحلقة الثالثة.

............

هوامش

(1) تصريح متلفز على الجزيرة لرئيس الحركة الإسلامية بفلسطين المحتلة الشيخ رائد صلاح تعقيباً على الأحداث الأخيرة.