السبت 13-04-2024 22:11:21 م : 4 - شوال - 1445 هـ
آخر الاخبار

مقاصد الوحي في بناء اجتماع المعرفة (الحلقة الأولى: من مكر السياسات إلى استرقاق القيم)

الأحد 18 فبراير-شباط 2024 الساعة 08 مساءً / الإصلاح نت - خاص | عبدالعزيز العسالي

 

* تنويه:
موضوع حلقات هذا الشهر هو السياسات العامة للمجتمع.. مفهومها؟ وما مصدرها المعرفي؟ ومن يصنعها؟ ونظرا لاتساع الموضوع جدا وابتعادا عن تشتيت القارئ، فقد سعيت إلى لملمة دوافع الكتابة ومبرراتها وغير ذلك، نظرا لأهميتها ولكن بإيجاز شديد في هذه الحلقة كمدخل عام، وبقية الحلقات بعون الله ستكون للسياسات العامة.

المحور الأول، دوافع الكتابة ومبرراتها:

أولا، المحن العنقودية: سرَّحت النظر متأملا خلفيات المحنة التي يعيشها مجتمعنا اليمني والعربي عموما، وكيف أن المحنة المتشابكة بأسوأ صورها وتزداد تعقيدا بمرِّ السنين إلى حد أنه لا يمكن وصفها كظاهرة، حسب علم الاجتماع، بل تخلف عقلي جغرافي حسب سخريات الاستشراق الخبيث ومن يتبعهم من العملاء الحضاريين كما سنوضح لاحقا.

أزعم أنني فتحت نافذة على مفهوم فقه السياسات العامة للمجتمع، ونظرت بعمق في موروثنا الفكري، ثم أجلت النظر في نتاج الثقافة المعاصرة، علم الاجتماع تحديدا، رغم شحة المراجع، وكل ما عثرت عليه هو رديء جدا لأنه نقل عن الوافد أولا، وثانيا تقليد جمع السطحية والغثاثة والهشاشة حد القرف، وأما المنهج فلا، إلّا إذا ظننت العثور على جذوة نار في الماء.

الجدير ذكره أن أجواءنا الملبدة بكل المحن العنقودية المتزاحمة المتشابكة إلى الحد الذي يمكننا بوصفها أنها إشكالية حد المفهوم الفلسفي مفاده الإشكالية لا حل لها، كونها عنقودية، فمهما قمت بتفكيك الإشكالية بهدف الوصول إلى نواتها الأولى تفاجأ أن لها أكثر من نواة وأكثر من مكون وأكثر من طرف وكلها مغذيات لبعضها، وقل كذلك عن التفكير بأولويات الحلول تجد أنها كلها أولويات، ولهذا سميت إشكالية والحل في نظر الفلسفة هو تركها وعدم التفكير بالحلول، فهل الترك صواب؟ ربما، وربما بعضه صواب، وليس هذا موضوعنا.

إذن، هذه إلماحة سريعة إلى الدوافع، ولا يخفى على القارئ أن الإحباط كاد يعتريني، لكن صوت مبررات الكتابة ظل يحدوني، فإلى المبررات.

ثانيا، العرفان الشيعي أول المبررات:

أطلب من القارئ الكريم ألا يسارع في سخريته إزاء هذا المبرر فليتكرم بقليل من الصبر ووعد علي الإيجاز جدا.

وأنا بصدد البحث عن المراجع حول فقه السياسات العامة للمجتمع، سألت صديق د. علم اجتماع إذا لديه مراجع حول علم اجتماع المعرفة كونه المرتكز للسياسات العامة، وتكرم مشكورا بمجلد 450 صفحة، والكتاب تضمن ندوة فكرية نفذها عدد من الباحثين الشيعة - أكاديميين.. فانهمكت في قراءته يحدوني صوت يقول الحكمة ضالتك، فالموضوع هام وجدير بغض الطرف تجاه أفكار الشيعة، وقد استحضرت فرضية مفادها أن شيعة الشام والعراق منفتحون، والمشاركون في الندوة هم أكاديميون، وفوق ذلك المشرف على تحرير الكتاب قدم ورقة وفي المقدمة أشاد فيها بتحليلات الباحثين، وقبل الحديث عما خرجت به من معلومات رأيت أنه يجب إحاطة القارئ عن "مفهوم العرفان الشيعي".

العرفان الشيعي هو "أخذ العلم عن الله مباشرة من اللوح المحفوظ".. وهذا شأن الخميني ومن سبقه طيلة تاريخ الشيعة، وأن الوصول إلى هذه المرتبة هو ثمرة كفاح وجهاد نفسي وزهد وخلوات مع الله، ثم تأتي لحظات الأخذ المباشر كل ثلاثة أشهر وقد تزيد أو تنقص حسب قوة الشفافية الروحية، وكلما كانت الشفافية أقوى يمكن للفقيه الحصول على موافقة الدخول في الحضرة الإلهية في أقرب وقت، فيقدم الطلب إلى الملكوت الأعلى عن أهمية المشكلة التي سيتم مناقشتها مع الحضرة الإلهية والجواب خلال 3 أو 4 أيام، ذلك هو مفهوم العرفان.

خلاصة قراءتي:

قرأت الفصل الأول فوجدت الكاتب قد نقل عن أحد معممي الشيعة توفي مطلع القرن الثامن الهجري وبالغ في سعة علومه وأنه صوفي عرفاني بدليل أنه قد شرح فصوص الحِكَم لابن عربي وهو باطني، ثم إن الكاتب أورد شواهد كثيرة على عرفانية المعمم وكذلك غالبية أوراق الندوة.

وتفاديا للإطالة سأذكر فحوى كلامهم: صاحب العرفان لا يأخذ عن الملائكة ولا عن النبي ولا عن الرواة وإن بلغوا أعلى درجات المصداقية، وإنما يأخذ عن الله مباشرة، وأن هذا هو شأن أولاد الإمام علي بن أبي طالب، وأن العرفانيين يختلفون كثيرا في علومهم بسبب سعة بحار العلوم.

باختصار، تابعت القراءة وهدفي الوقوف على المنهج التحليلي وكيفية الطريق التي من خلالها سيتم صناعة علم اجتماع المعرفة بناء على الهراء العرفاني، فما وجدت شيئا في جميع الأوراق.

وإنصافا للحقيقة فقد وجدت ورقتين (ص 270 وما بعدها وأخرى ص 380 وما بعدها)، وقد التقت الورقتان في عناوينهما الداخلية، علما أن العناوين قليلة من جهة وهشاشة التأصيل من جهة ثانية.

الجدير ذكره أن تلك العناوين منقولة من كتب فقيه العصر القرضاوي، رحمه الله، وفقهاء آخرين، وقد غابت الأمانة العلمية في نسبة الأقوال لأصحابها، فقلت لعل في نهاية الكتاب ستنعقد حلقة نقاش لبعض الأوراق ولكن للأسف فكل ما هنالك تقديس للمعممين لا غير. وعليه، كانت تلكم الغثاثة هي المبرر الأول لكتابتي هذه.

ثالثا، المذهب فوق مقاصد الوحي:

إذا نظرنا في أغلب كتب التفسير السني سنجد التنصيص المؤكد في مقدمتها أن أفضل طرق التفسير هي تفسير القرآن بالقرآن، فإذا جئنا للتطبيق هيهات نجد ذلك إلّا نادرا، بشرط هو الرد على خصوم المذهب، وهنا نجد صاحب التفسير مدافعا عن أفضل طرق التفسير.

شاهد متصل بموضوعنا:

قال تعالى: "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها"... إلخ.

أغلب المفسرين وبعض فقهاء الأصول يقرؤون النص (أمَّرْنا) بتشديد الميم وسكون الراء.. وهنا ينقلب المعنى إلى المساس الخطير بالعقيدة في عدل الله -وحاشاه- هو الذي منح السلطة والإمارة للمترفين ليمارسوا الظلم والفسق والطغيان والعياذ بالله، وحجتهم أن "أمّرْنا" هي قراءة معروفة، والحق أنها قراءة مخالفة لكثير من آي القرآن نصا ودلالة، وإليك الدليل.. قال تعالى: "كذلك ما أرسلنا قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون".

والمعنى أن الله يرسل الرسل يأمرون المجتمعات بطاعة الله وطاعة الرسل -أمرنا مترفيها- والمترفون هم الملأ -كما في نصوص كثيرة- قال الملأ، وهم النافذون اجتماعيا وسياسيا وماليا يرفضون دعوة التوحيد والعدل فينزل فيهم العذاب، إذن هي حقيقة تاريخية سجلها القرآن، وعليه فلا عبرة بأي قراءة أو رواية أو تأصيل يصادم مقاصد الوحي التي سجلها القرآن.

السؤال: من أين جاءت تلكم القراءة؟ ولخدمة من؟ أليست شرعنة للطاغوت والاستبداد والظلم وتغليفها بعقيدة القدر؟ كما تخدم دعوى السلالية في الحق الإلهي، وفوق ذلك هي سيف مصلت على أعناق علماء مقاصد الوحي، وبجانبها روايات تكرس وتقرر أن من يقول هذا ظلم وطغيان فإنه يموت ميتة جاهلية، فما بالك بالمجتمع إذا أراد أن يصنع السياسات العامة الحامية لقيم الدين ومصالح المجتمع، فإنه قد اعتدى على الله والقرآن والرسول صلى الله عليه وسلم والإجماع؟

إذن، تكمن خطورة هذا المبرر أنه يكرس الطاغوت والعفن الطائفي السلالي باسم أهل السنة.. إننا إزاء موروث تراكمت فيه المعرفة المعوجة عبر القرون، والنتيجة أن المجتمع المسلم دخل في نوم عميق وشخير - غيبوبة حضارية، فأنى له أن يفقه ويصنع السياسات العامة؟

رابعا، استرقاق القيم:

مفهوم استرقاق القيم يعني تسليع القيم، والدليل أن كثيرين ينظرون إلى القيم سلعة تباع مقابل مبلغ مالي أو منصب، أو الحصول على مكانة أو سيارة... إلخ. وهذا التسليع طال كل مجالات القيم - عقديا، تربويا، ذاتيا، ثقافيا، جماليا، أدبيا، فنيا، سياسيا. فمن دون القيم العقدية نجد تقديس الأشخاص فوق المبادئ، فالزعيم الفلاني ووزير داخليته هما الرسولان - موسى وهارون بُعثا في زماننا، وتربويا - دعوة الناشئة إلى تقبل الفوضى والانحلال والمثلية.

وفي مجال القيم الذاتية فقر الاعتزاز بالذات مقابل عبادة الذات - النجومية نموذجا.. ثقافيا، قيم الاستهلاك والتكديس الفظيع - الملابس نموذجا.. فقدان القيم الجمالية - انبهار خفافيشي بالقادم من الغرب ولو كان في منتهى الإسفاف والسقوط.. الأدب والفن يخاطبان الغرائز وتهييج الجنس والمادة طيلة 100 عام، وتم الفصل بين الأخلاق والسياسة، وبين العلم والأخلاق.. النتاج هو إهدار كرامة وإنسانية الإنسان وعبادة القوة، فردية متغولة متوحشة، دفن الروح، فجور سياسي، تمرد على الدين والقيم = هتك أنساق حصون المجتمع، فقدان بوصلة الغايات والقيم العليا، تبجح طاغ بوهم المعرفة، إعلام هابط يدمر القيم أو يزعزعها ناهيك عن الإعلام الاستهلاكي ومخاطره.

المحور الثاني، ضبط المفاهيم:

1- المقصود بالسياسات العامة: السياسات العامة هي مفهوم سياسي جديد، لكن المضمون قديم، وإذا أعدنا النظر في موروثنا الثقافي سنجد أن دلالة مفهوم السياسات العامة تلتقي إلى حد كبير مع المفهوم الأصولي المتعارف عليه عبر التاريخ الإسلامي - السياسة الشرعية مع الفارق، وفي الثقافة القانونية الحديثة يطلق عليها النظام العام للمجتمع، وتلتقي مع منظومة الهوية وكذلك مفهوم القواسم المشتركة، ويلتقي مع مفهوم المصلحة العامة، ومع علم الاجتماع السياسي - مفهوم الخير العام المشترك.

هدفان محوريان: مفهوم السياسات العامة له أبعاد مقاصدية اجتماعية، وأهداف محورية في غاية الأهمية، كونها تمثل إطارا لأهداف كثيرة.

الهدف المحوري الأول: نريد من خلاله تأصيل مقاصدي للسياسات العامة للمجتمع - تقرير صلتها بمقاصد الوحي

الهدف المحوري الثاني: الكشف عن الجهة التي خولتها مقاصد الوحي أن تقوم بصناعة السياسات العامة، ولماذا هذا التخويل؟

2- مفهوم مجتمع المعرفة:

بعيدا عن الدخول في غوامض الألفاظ، يمكننا القول ببساطة إن مفهوم مجتمع المعرفة يتمثل في العملية المنظومية للتفكير التفاعلي الذي يقوم به عقلاء المجتمع انطلاقا من فهم مقاصد الوحي وفهم الواقع واختيار أفضل الوسائل المناسبة لتحقيق أفضل المصالح العامة خدمة للمجتمع.

المحور الثالث، السياسات العامة.. دلالة مقاصدية:

مقاصد الوحي معصومة صادرة عن الخالق العليم بخلقه وما يصلح شأنهم عقيدة وتشريعا، ولذلك قال سبحانه: "ألا له الخلق والأمر".. وبضرب المثال يتضح المعنى: "ولله المثل الأعلى".. نعم لا يختلف عاقلان أن الشركة التي تصنع جهازا ما فهي التي تضع له الكتالوج، بل وترسل خبراء لتدريب عمال الوكالات والتي بدورها تعتمد توجيهاتهم دون أي تردد، وعليه، ما دلالات مقاصد الوحي في هذا الصدد؟

الجواب: دلالات مقاصد الوحي في غاية الوضوح، قال تعالى: "ألا له الخلق والأمر".. فما المقصود بـ"الأمر"؟

الجدير ذكره أن مفردة "أمر" وردت في القرآن 249 مرة، وتختلف دلالات "مفردة الأمر" حسب السياق كما هو معلوم. وبما أننا في صدد الحديث حول "الجهة المخولة" مقاصديا بصناعة السياسات العامة، أو الخير العام المشترك، فسنذكر النصوص ذات الصلة المقاصدية المباشرة بمفهوم السياسات العامة، أي أن مفردة "الأمر" في مقاصد السياق القرآني - الأمر= السياسة، وإليك الأدلة:

1- "وأمرهم شورى بينهم".. الأمر هنا هو الشأن المجتمعي العام، وقد ترسخ هذا عبر التاريخ في الفقه الإسلامي تحت مفهوم جلب المصالح ودفع المفاسد.. بصيغة أخرى: جلب المصالح أو تكميلها، ودفع المفاسد أو تقليلها.

وفي هذا الإطار تدخل مصالح المجتمع في جميع مجالات حياة الفرد والمجموع، دنيا وآخرة.. والجهة المخولة هو المجتمع الذي يتفاعل بوعي مع مقاصد الوحي - عقيدة وفقها وسلوكا وأولويات وتدرج، بما في ذلك اختيار الوسائل، انطلاقا من قراءة الكتاب المسطور: "اقرأ باسم ربك".. وقراءة الكون المنظور - فقه سنن الواقع، وسنن الله الحاكمة للنفس والاجتماع - زمانا ومكانا وفاعلية.

2- "وشاورهم في الأمر".. هنا نجد السياق واضح الدلالة مقاصديا.. إنها الأمر السياسي العسكري بلا أدنى ريب.. أيضا دلالة أن الأمر من السياسة التنفيذية البحتة، ذلك أن النص نزل بعد معركة أحد يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم: التزم أيها الرسول بالشورى التنفيذية في القضايا التي يترتب عليها تقرير مصير المجتمع سياسيا وعسكريا.

3- "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا".

نلاحظ أن مفردة "الأمر" وردت مرتين، ونلاحظ أن السياق حدد الدلالة أنها في المجال السياسي البحت - الأمن، الخوف.. أيضا هنا دلالة مقاصدية أهم وأعظم هي أن المفردة الثانية للأمر دلت على ذوي الاختصاص - الذين يستنبطون.. ومفهوم الاستنباط لا يصدر إلّا عن متخصصين متمرسين.. ودلالة أخرى لا تقل أهمية وهي "اتباع الشيطان".. هذه الجملة أعطتنا دلالة مقاصدية مفادها أن صناعة السياسات العامة مصدرها المجتمع فقط، والمجتمع إذا فرط بهذا الحق وتركه للملأ، أو الفرد، أو حزب الحاكم، يكون المجتمع قد ركن إلى الظلمة، واتبع الشيطان وعبد الطاغوت، كما يوضحه النص التالي.

4- "واتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد".. النص واضح أنه في مجال السياسات العامة للمجتمع، وتزداد الدلالة وضوحا في النص التالي.

5- "فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين • فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين".. إنهم ركنوا إلى الطغاة الظالمين وسلموا أمرهم للطاغوت ليصنع مصالحهم.. يا قوم، إن الخراف إذا سمعت الذئب تولي هاربة لا تلوي على شيء، فما بال العقلاء المكرمين يهوون في درك -بل هم أضل- فلحقهم العقاب الدنيوي - الغرق، وأسوأ منه العذاب النفسي - العرض على النار غدوا وعشيا ويوم القيامة الدخول في أشد العذاب.

6- "قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون".. الدلالة: أمر سياسي واضح، والله تقدس في عليائه يثني على موقفها الملتزم بإشراك المجتمع في صنع السياسات العامة، تحقيقا للمصلحة والعدل، وتتجلى حكمة تخويل المجتمع فيما يلي.

7- مقاصد تخويل المجتمع: مقاصد الوحي حددت صراحة القاعدة الكلية لفلسفة التغيير المجتمعي، قال تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".. فهذا النص حمل دلالات كثيرة، منها ضرورة فقه المجتمع للسياسات العامة، ومنها الفقه بعلاقة وأبعاد السياسات العامة وفقه الوسائل التي تحقق السياسات بنجاح، وفقه طرق حماية المجتمع من أي مساس فردي بل وكل ما يخادع المجتمع عن ممارسة رسم السياسات والمصالح، وفقه مواكبة هموم وتطلعات العصر، وفقه المتغيرات، ذلك أن صور العدل تتجدد زمانا ومكانا، حسب ابن تيمية، بهذا الفقه تتحقق قراءة الكتاب المسطور وقراءة الكون المنظور.

باختصار، مقاصد الوحي خولت المجتمع بصنع السياسات العامة فقها وتكوينا وحماية، كونه أعلم بمصالحه وخير من يحميها، ومن دون هذا سيكون المجتمع قد هوى في مستنقع "استرقاق القيم"، عبادة للطاغوت، واتباع الشيطان، وخالف مقاصد الوحي وغاياته المقدسة،

المحور الرابع، الإحسان في عمل الصالحات:

إذا تتبعنا مفهوم الإحسان من خلال مقاصد الوحي سيطول بنا المقام ولكن سنشير إلى أهم المعالم فيما يلي:

1- مراتب الدين ثلاثة؛ مرتبة الإسلام، وأعلى منها مرتبة الإيمان، وأعلى منها مرتبة الإحسان.

2- مرتبة الإحسان متصلة بمركز ية التوحيد قطعا، ومن المعلوم أن التوحيد يتكون من منظومة معتقدات ذهنية وسلوكية، وهي عمل الصالحات، تتمثل منظومة التوحيد في:

- اعتقاد إفراد الله بالألوهية.

- الوحدانية أي أنه المعبود بحق دون سواه، وهذا الإقرار بالوحدانية لا يستقيم إلا بالكفر بالطاغوت عقيدة وسلوكا، ابتداء من إعلان الحرب على الطاغوت، وردم منابعه ودكدكة جذوره المتمثلة في الفردية والآبائية والملائية والأغلبية المخالفة لسيادة المرجعية.

ومن دون الكفر بالطاغوت عقيدة وسلوكا، تكون عقيدة إفراد الله بالوحدانية قد لحقها الاختلال الخطير.

3- عقيدة التوحيد السببي: يجب على المجتمع أن يدرك ويعي تماما أن معصية الله في الوحدانية هي عين معصية الله في ترك التوحيد السببي، يلي ذلك توحيد إفراد الله بالعبادة، وأيضا توحيد إفراد الله بالتشريع.

4- توحيد الله بمنظومة خماسية عقيدة الإحسان وهي مراقبة الله واستحضار الإحسان عقيدة وسلوكا حضاريا يتمثل في الجودة، والإتقان، والكمال، والجمال، وحب النظام، والتزام النظام ورفض الفوضى ومقتها.

5- عمل الصالحات لا يقتصر على الشعائر التعبدية وإنما يشمل حماية قيم الأمة عدلا ومصلحة وتنظيم المجتمع دنيا وأخرى، ذلك أن الدين لا يستقيم بغير دنيا.

6- الوسيلة المثلى لبلورة السياسات العامة هي مؤسسة الشورى، يليها وضع مرجعية سيادية تحدد السياسات العامة مع مراعاة تجدد السياسات، كما تتضمن المرجعية السيادية احترام مؤسسية المجتمع - الأسرة، ومنظمات المجتمع المدني، وأيضا قيمة التواصي بالحق والتواصي بالصبر، بمعنى أنه لا يجوز للمجتمع ترك الأمر لوكلائه ينفذون ما يريدون والعكس، بل عليه القيام بالتواصي تجاه السلطات كما تتضمن المرجعية - التزام المجتمع تجاه ذاته بالقيام بالقسط، وعدالة توزيع الثروة وتحديدا مؤسسة الزكاة يجب أن تكون بيد المجتمع، ودور السلطة هو الإشراف والضبط القانوني القضائي إزاء المخالفات، كما يتضمن الدستور قضية مؤسسة الوقف مؤسسة مجتمعية وإشراف السلطة كما هو الحال مع الزكاة.

7- النص على القيم: القيم ثم القيم ثم القيم وفي صدارتها كرامة الإنسان الفرد والمجموع، وقيمة الهوية وقيمة الانتماء للمجتمع والانتماء الوطني والنص الصريح على تخوين من يمس القيم والسياسات العامة والنص على عقيدة مؤسستي الجيش والأمن، إلى غير ذلك من المصالح العامة للمجتمع.

المحور الخامس، مفاهيم ثقافية يجب ترسيخها:

هذه مفاهيم يجب نشرها - عمل ثقافي أولي بهدف إنقاذ القيم من الاسترقاق والحيلولة دون تدحرج ما تبقى من القيم.

- الإحياء القيمي الشامل، ابتداء من ربط القيم بركني الإيمان بالله واليوم الآخر، فهذا الربط أكبر الضمانات التزاما وعملا وحماية.

- تعزيز مكانة الفكر والثقافة الإسلامية ومكانة المفكرين.

- تعرية التيار الإعلامي الهابط واضطراره إلى أحد أمرين؛ إما الالتزام بنشر القيم أو الكف عن استفزاز القيم وزعزعتها.

- نفخ روح الحرية المجتمعية وتعريف المجتمع بحقوقه.

- تعرية المصطلحات ذات المغالطات المنطقية.

- هتك وسائل تسلق حصون المجتمع، ونفخ روح الاعتزاز بالهوية وبالذات والانتقال بالجيل من التأثر إلى التأثير، وتوعية المجتمع بأهمية وجود مرجعية ومكانتها وخطورة غيابها أو المساس بها وغرس روح الولاء لله وللأمة والوطن.

- الطرق المستمر لإعلاء كرامة الإنسان، والمواطنة المتساوية.

- إعادة الاعتبار للعقل في ضوء مقاصد الوحي، وتوعية المجتمع بالثوابت، وأيضا توعية المجتمع بمعايير وسمات المثقف المسلم وأهمها: الهوية، الانتماء، عمق الفهم لمقاصد الدين، وعزة المؤمن والاعتزاز بالمبادئ والقيم العليا؛ الخير، الحق، الجمال.

وليس أخيرا، إعلان الحرب على الاستبداد وتقديس الأشخاص، وتوعية المجتمع بسنة التدمير المجتمعي، والإشادة بفهم السنن والتنفير الدائم من التحلل القيمي ونتائجه.

أكتفي بهذا القدر على أمل اللقاء مع الحلقة الثانية حول مكونات السياسات العامة وعلاقتها بمقاصد الوحي.
نلتقي بعونه سبحانه.

كلمات دالّة

#اليمن