السبت 13-04-2024 22:34:31 م : 4 - شوال - 1445 هـ
آخر الاخبار

التوحيد السببي (قراءة مقاصدية) (الحلقة الرابعة: فقدان المناعة الفكرية.. مصادره، عوامله، نتائجه)

الخميس 30 نوفمبر-تشرين الثاني 2023 الساعة 04 مساءً / الإصلاح نت - خاص | عبدالعزيز العسالي

 

مقدمة: الاعتبار، والعودة إلى الذات:

منذ عقدين ونصف العقد من الزمن والنية قائمة شاخصة في ذهني تحدوني إلى القيام بكتابة حول منهجية فهم الروايات التاريخية، ذلك أن التاريخ هو أبو العلوم - يصنع شخصية المفكر والمثقف.

وبالرغم من انعقاد نيتي الذي يحدوني بين آن وآخر، إلّا أنني أسمع صوتا ينبعث من أغوار ذهني فيكبح دافعيتي قائلا: لا.. تريث.. لا تسبق الزمن.

حدث طوفان الأقصى:

هذا الحدث التاريخي الذي انطلق مدويا في سمع العقابيل التاريخية القادمة، يشهد الله أنه قد حرث ذهنيتي وتفكيري حرثا غير مسبوق، وبالتالي تلاشى ذلك الكابح الذهني تماما فبرزت الدافعية نحو الكتابة - محورها الفكري هو "الاعتبار" بالحدث.

ومع أنه سبق أن كتبت ثلاث حلقات استلهاما للحدث الكبير، لكنني سمعت صوتا يقول: ها أنت أمام قضيتك القديمة وجها لوجه.. قضية "منهجية فهم الروايات التاريخية"، لكن النية القديمة ورغم الاطلاع الكثير بما يتصل بالموضوع فقد وجدت صعوبة في التناول والسبب أن منهجية فهم التاريخ تحتاج بسطا في الشرح وهذا لا يتفق وحيز هذه الحلقة.

وانطلاقا من مفهوم ما لا يدرك كله لا يترك جله، فبدأت بالمدخل التالي.

العودة إلى الذات:

القارئ للأحداث التاريخية الكبرى عبر التاريخ الإسلامي، يجد أن كبار المفكرين كانوا عقب كل حدث يعودون إلى الذات بحثا عن السبب، فالفقيهان الشافعيان الجويني وتلميذه الغزالي، رحمهما الله، تزامنا مع العقود الأخيرة من فساد الدولة البويهية عندما كان التفكير الإسلامي يعيش حالة من الشخير المقرف، فكانت عودتهما إلى المنهج المقاصدي فاستنهضا همة القائد نظام الملك السلجوقي فانقض على دولة الفساد، وكذلك في القرن السادس برز الفقيه الشافعي، العز بن عبد السلام، عاد إلى ذات المنهج المقاصدي فاستنهض القائد "قطز" فأنزل هزيمة ساحقة بجيش هولاكو ولم تقم له قائمة.

وها هي بركات معركة طوفان الأقصى نادت أن عودوا إلى الذات بحثا في الأسباب الجوهرية الكامنة وراء المحنة القذرة التي يعيشها اليمن الحبيب أولا، كما أنها محنة إقليمية ثانيا.

إنها محنة في غاية الخطورة.. نعم إنها محنة الطائفية التي ظهرت بصورة مرعبة، كيف لا وها هي قد دمرت وطننا الحبيب ولا زال مستقبل الوطن مجهولا وكذلك الوطن العربي عموما.

غير أن الأخطر هو السؤال الذي يفرض نفسه قائلا: لماذا عادت الطائفية؟ كيف حصل القبول بها؟ ما الأسباب؟ وما هي العوامل؟ الإجابة على هذه الأسئلة ستكون تحت المحاور التالية.

المحور الأول، تشخيص الاعتلال:

الهدف من التشخيص هو تحديد دقيق لمفهوم العلة أولا، وثانيا هو الإدراك الدقيق لأسباب الاعتلال، وكما قيل إذا ظهر السبب بطل العجب، وقد اجتهدنا في بلورة الأسباب كلها تحت مصطلح واحد واضح هو "مصادر الاعتلال"، وهذا سيساعدنا كثيرا على تفكيك وشرح الأسباب والتفكير بالحلول.

أولا، تشخيص العلة:

نستطيع تشخيص العلة وتحديدها تحت المفهوم التالي وهو: "فقدان المناعة الفكرية".. هذه هي علتنا المتراكمة القاتلة، وإن شئت قل إن أهل السنة فاقدو "الفلتر".. وباللغة العلمية: الأجيال المتأخرة من أهل السنة ليس لديهم منهجا علميا لفهم وكتابة الروايات التاريخية. إذن، فالتفكير الإسلامي هو "جسد فاقد المناعة"، والدليل قبوله بفكرة الطائفية المنتنة، ولنا عودة تحت محور الآثار.

ثانيا، مصادر فقدان المناعة الفكرية:

1- إجمالا، مصدر فقدان المناعة الفكرية تتمثل في "الروايات التاريخية".

2- تفصيلا تتعدد مصادر الرواية التاريخية في كل من:
- روايات تاريخية كثيرة داخل كتب الحديث والسيرة النبوية العطرة.. أرجو القارئ أن ينتبه.. كلامي حول الروايات التاريخية وليس الحديث النبوي.

- كتب التاريخ عموما -وهنا حدث ولا حرج- فقد تظافر هذا المصدر مع المصدر الذي قبله فكان لهما بالغ الأثر في فقدان المناعة الفكرية فاعتل التفكير والثقافة.

- كتب الأدب عموما بما فيها الشعر.

- الأدب الشعبي - قصص، خرافات، أهازيج، أنواع من السخافات.

إذن، هذه المصادر هي المنبع المتجدد لفقدان المناعة الفكرية في الثقافة الإسلامية، وبالتالي فالاعتلال متجدد، ومستمر، متراكم، وهيهات للتفكير، لا أقول يتعافى، وإنما هيهات أن يحلم بالتعافي.. ما يحز في النفس أن العلماء المفكرين القدامى وضعوا منهجا راقيا مستمدا من مقاصد القرآن، وكلياته، ومبادئه، وقيمه العليا، بل ومن المصطلح القرآني الحرفي "فتبينوا"، ومن قواعد مصطلح الحديث ومن المنهج المنطقي للسنن الحاكمة للاجتماع والعمران كما سنوضح لاحقا.

باختصار، تلك هي الأسباب أو مصادر "فقدان المناعة الفكرية" أساسها المحوري قبول الروايات التاريخية.

غير أن هناك عوامل ومحركات قديمة وجديدة لا تقل خطورة عن الأسباب.

 

المحور الثاني، عوامل فقدان المناعة الفكرية:

1- وجود الروايات التاريخية ضمن كتب الحديث والسيرة النبوية، وهذا المصدر يضفي عليها طابعا دينيا تقديسيا تعبديا، بل ويخلق ممانعة ثقافية تصل حد تكفير من يريد النظر فيها بمنهج أو بغير منهج.

شاهد علمي منهجي أكاديمي:

لقد وقفت على أعمال أكاديمية - رسائل ماجستير، وأطروحات دكتوراه أشرف عليها بروفسورات متخصصون، وقبل ذلك تم إقرارها من مجالس الكليات وناقشها بروفسورات متخصصون، ولكن السؤال: كم هي النسبة المنهجية التي تضمنتها تلكم الأعمال؟

إليكم الجواب:

- يبدأ الباحث بمقدمة مجلجلة إنشائية يتحدث فيها عن ضرورة وأهمية المنهج العلمي في فهم الروايات التاريخية وفي كتابة التاريخ ويتحدث عن القرآن، وكيف صنع منهجية تتقاصر دونها المناهج الوضعية المعاصرة، وفوق ذلك يدلل على إساءة الروايات التاريخية إلى مقام النبي والصحابة وإلى رجالنا صناع التاريخ... إلخ، وهنا والله يشهد أنني أهتز طربا وإعجابا بالباحث الفذ، ويتملكني الخيال ويهزني الاشتياق إلى قراءة الفصول اللاحقة، وما إن أدلف إلى فصول البحث العلمي المنهجي الأكاديمي حتى أصطدم بعقلية منكوسة غارقة في وهاد التسليم - تسطيح عاطفي هش متناقض في الاستدلال والتحليل والمنهج، يمارس المثل: "ملكي أكثر من الملك".. يصحح ما أبطله السابقون والله يشهد، ولكي يبرر ضحالة عمله يتقدم ببهرجة وعظية مضحكة ليس محلها بل تتنافى مع أبسط قواعد المنهجية التي ذكرها في المقدمة قائلا: "هذا قدر الله".. أي والله هذه البهرجة يرددها أغلب الباحثين مرارا في بحوثهم.

التساؤل العقدي الديني الشرعي المنهجي يقول للباحث: الطعن في الصحابة هل هو قدر الله المنهجي؟ كيف تتركون ثناء القرآن على الصحابة لهذا الاستدلال الهزيل؟

- أغرب وأسوأ منهجية:

شخصية أكاديمية لها حضور أكاديمي غير عادي في دولة عربية، وهناك باحثون يفتخرون بإشراف تلك الشخصية على بحوثهم، فاشتقت إلى مزيد من التعرف على تلك الشخصية من خلال بحوثه، وجدت بحثا له قدمه إلى مؤتمر علمي نال به جائزة عربية بل وحصد جوائز مختلفة على أعماله. الخلاصة، بحثه الأهم يحمل عنوانا لافتا للنظر جدا هو "مصادر السيرة النبوية وتقييمها".. عكفت على الكتاب كاملا فلم أجد تقييما علميا وإنما وجدت له قاعدة منهجية خالف بها كل من قالوا إنهم أوردوا روايات ضعيفة في السيرة، وها هو يقيّم عملهم قائلا: "والصواب عندي أن روايات السيرة التي ضعفها جميع المؤلفين ووافقهم المتأخرون، الصواب أنها كلها صحيحة لأنهم رووها جميعا فأصبحت إجماعا".

بربكم، ما الذي سيقدمه هؤلاء لطلابهم في الجامعات؟ وكيف نتوقع؟ أليست النتيجة فقدان المناعة الفكرية؟ الكارثة هي أن غالبية الباحثين يدّعون أنهم منافحون عن الإسلام في وجه المتغربين ولكنهم يلتقون معهم تماما.

اليساريون والليبراليون:

هذا شاهد صادر عن أصحاب دعاوى منهجية حداثية وضعية لا تقبل الجدل في صرامتها، فهل يطبقون دعواهم؟ الجواب: لا.. فهم متناقضون بدافع أيديولوجياتهم.. فالكثير من أقوالهم تسيء إلى القرآن وكذا السنة الصحيحة، فإذا وصلوا إلى الروايات التاريخية سلموا لها واعتبروها حجة صارمة ضد الصحابة وصناع المجد الذي شهد له أساتذهم الغربيون، وهنا يلتقي الفريقان عند إغفال المنهج والصمت عن القرآن والصحابة ويعتمدون الروايات التاريخية - الأولون يتعللون بالقدر، والعلمانيون يقولون نحن مع العلماء والرواة الذين تدعون عصمتهم.

2- المكانة الدينية للمؤرخين:

هذا عامل خطير تحول إلى تقديس المؤرخ والراوي لأنهم علماء صالحون، وهذه مغالطة خطيرة تخلط بين صلاح الأشخاص وبين القبول بتهافت الرواية المناقضة لمنهج القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم، والسنن القطعية ومناقضة للعقل، كما سنوضح القواعد المنهجية لاحقا.

3- فوضوية المتأخرين:

هذه إحدى البلايا العلمية لدى المؤرخين المتأخرين - كتاب التراجم، لقد خالفوا السابقين الذين طعنوا في الرواة ورموهم بالكذب والتدليس والتعصب لمذاهبهم، لكن المتأخرين يستعرضون طعن السابقين وينتهون إلى مخالفتهم فيوثقون الكذابين وتأتي العقلية الأكاديمية والوعظية فتقرر توثيق المتأخرين.

وهذه أربع شخصيات اشتهرت بالرفض والتعصب للروافض، وقد طعن فيها السابقون لكن المتأخرين وثقوها:
- لوط ابن مخنف الشيعي الكذاب.
- سيف بن عمر التميمي الرافضي الكذاب.
- الواقدي إخباري شيعي.
- صالح الكلبي وولده هشام رافضيان وهما حاضران في ثمانية مجلدات من تاريخ الطبري.

ما يثير القرف أن الجميع اتفقوا على أن الشخصيات الأربع كذابين في الحديث ولا كرامة لهم، لكنهم إخباريون تقبل روايتهم في التاريخ.. يا إلهي، أليس من يكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم هو أكثر كذبا في التاريخ سيما إذا روى ما يؤيد مذهبه - طعنا في الصحابة وغيرهم؟ أليس سيف بن عمر هو راوي أفظع الفظائع - خالد بن الوليد يقتل مالك بن نويرة ويدخل على زوجة مالك دون عدة و700 صحابي حول الخيمة، وأسقط تبرير تسمعه يقول خالد عسكري وليس فقيها.. قبحه الله من قول، أليس الجاهلي يستبرئ الجارية و700 صحابي لا يعلمون؟

4- وجود دولة تسند الطائفية:

كان الرفض والطائفية قديما شللية وجهوية ومواقف ثقافية ولا يوجد دولة ساندة بخلاف اليوم فهناك دولة ساندة تدعي حب آل البيت وتدعي تصدير الثورة منذ 43 عاما ولديها الثروات، هذا العامل خطير، والواقع صارخ بالدمار الطائفي.

5- اليد الخارجية:

هذا العامل غير خاف علينا فالصهيومسيحية اليوم حاضرة داعمة بقوة للطائفية - صليبية جديدة والشعار دعم الأقليات.

ونحن هنا لسنا ضد التنوع ولا ضد التمذهب أيا كان، فالتنوع سنة كونية: "ولا يزالون مختلفين".. ولكن نحن ضد التطييف الساعي للتسلط على غالبية ساحقة وادعاء الحق الإلهي السلالي العنصري في الحكم وفي سبيل هذه الطاغوتية الإبليسية يفتك بالأمة قتلا وتنكيلا وسجنا وتشريدا وتخريبا وإفسادا وإهلاكا للحرث والنسل.

6- طاحونة الإعلام:

قديما كانت الفكرة الطائفية نخبوية، بخلاف اليوم فالوسائط الإعلامية أولا، ومصادر فقدان المناعة الفكرية على الشبكة العنكبوتية سهلة للجميع.

وعليه، فهذه العوامل عموما والثلاثة الأخيرة خصوصا لهم دور كبير في دعم وإسناد وتحريك الطائفية.

 

المحور الثالث، النتيجة:

1- اهتزاز الشخصية السنية، ذلك أنها تقف حائرة أمام المد الطائفي المتعصب وبين مصادر تثقيفها فهي تعتقد شيئا ولكنها تصطدم بواقع مختلف.

وعليكم النظر إزاء اعتلال فقدان المناعة الفكرية والثقافية، هل ننتظر عافية.

2- ارتباك العقل العامي: العقل العامي والواعظ على السواء يسمعان السلالية وهي تستشهد لدعواها وطعنها في الصحابة وأمهات المؤمنين، وتتبجح بالإحالة إلى كتب السنة وكتب التاريخ، وبالتالي تتميع ثقافة غالبية العامة ولا غرابة فالمقياس هو المرجعية الأكاديمية والوعظية.

3- الخلاصة، العقلية السنية غارقة في الروايات التاريخية مستندة إلى مصادر الاعتلال والسبب غياب المنهجية العلمية.

المحور الرابع، المنهجية هي الحل والعلاج:

1- التفريق بين الروايات التاريخية، وروايات السنة النبوية الصحيحة.

2- ليس كل ما صح سنده صح متنه - معناه. وهذه القاعدة المنهجية الصارمة متفق عليها عن المحدثين والمؤرخين.

3- عدم قبول ما يخالف القرآن.

4- القيم المكونة للمجتمع.

وهذا يعني النظر في واقع المجتمع والروح القيمية التي تربى عليها المجتمع، وبالتالي الاحتكام إليها والعمل بها ورفض ما يخالفها، فالصحابة تربوا على مائدة القرآن ورباهم أعظم مربٍ عرفته البشرية - الرسول صلى الله عليه وسلم، فهل نقبل الروايات الخادشة لمقام الصحابة بحجة أنها وردت في كتب الحديث أو رواها أشخاص معروفون بالتعصب والحقد ثم نعلل بكل سخافة تصديقا للروايات الإجرامية أن الصحابة مجرمين بقدر الله اللازب؟

5- محاكمة الروايات إلى سنن الاجتماع: يتفق المؤرخون جميعا على هذه القاعدة.. فهذا ابن خلدون، رحمه الله، يؤكد وجوب محاكمة الروايات وفهم التاريخ من خلال السنن الاجتماعية - العادات المطّردة قائلا: العادات والسنن خلق الله، والدين شرع الله، ولا يجوز أن شرع الله يصادم سنن الله الناظمة للاجتماع.

أيضا المؤرخ العراقي عبد الرحمن حجي، رحمه الله، يقرر هذه القاعدة حرفيا.

6- المؤرخ العملاق عماد الدين خليل يضيف قائلا: أستطيع القول إن هناك مؤرخين ورواة أوردوا روايات صحيحة السند ولكن لا يقبلها العقل والمنطق المنهجي، وإذا كنا نريد تشكيل العقل المسلم يجب علينا محاكمة الروايات التاريخية إلى السياق السنني الاجتماعي.

7- المؤرخ العراقي أكرم ضياء العمري، رحمه الله، في كتابه "عصر الخلافة الراشدة" قال: "الروايات الحسنة والمحسِّنة"، في كتب السنة التي رواها أناس صالحون أضاعت الحقائق التاريخية، أي القواعد المنهجية.

8- قاعدة حديثية تؤيد قول د. أكرم العمري: المحدثون في العصر الأول حتى منتصف القرن الهجري الثالث اتفقوا أن سند الحديث إما صحيح أو ضعيف فقط لا غير، ولكن جاء الترمذي فأدخل قاعدة جديدة هي السند "الحسن"، وهنا فتح الباب لزخة "تسونامي" عصفت بالمنهج الصحيح للسنة والتاريخ، وهذا هو معنى قول العمري.

فهل يعقل أن نترك المنهج القرآني "فتبينوا" ونستسلم لاجتهاد بشر يخطئ ويصيب؟ الجدير ذكره أن العمري ذكر مقولته وسط سياق من العبارات الحاملة للاستحياء.

9- محاكمة الرواية إلى سياقها التاريخي الذي نشأت فيه، وهذا يعني ببساطة أن التاريخ كتبه العباسيون بأيدي الفرس بهدف تشويه بني أمية، ولكن اليد الفارسية طالت عهد الراشدين رضي الله عنهم أجمعين.

10- قياس الشاهد على الغائب.. النوازع والرواسب أصيلة في النفس البشرية سيما المتعصبة، فهي تخدم مذهبها بطرق متعددة، وفي ذات الوقت تتحلى بعدم التعصب.. نعم تتظاهر بحب أصحاب المذهب وتدعي أنها لا تتعصب والواقع زاخر بالأمثلة في عصر الإعلام ولكن هيهات تجد شاهد عيان فكذلك التاريخ لا يوجد شهود عيان.

الغريب أن العقل السني واضع المنهج الحديثي الصارم تجده يرتكس بكل بساطة بدعوى الأمانة قائلا: "فلان متشيع وليس شيعيا".. يعني يحب آل البيت ولا يكره الصحابة.

والجواب على هذه الدعوى الفجة يجب علينا النظر في "متن الرواية" تخدم من؟ وهذا يلتقي مع الروايات الحسنة التي حجبت حقائق التاريخ.

شاهد علمي في قاعدة:

معركة صفين بين علي ومعاوية إليكم تفكيكها:

- رواها 16 شخصا كلهم مجهولون.. ثانيا شيعة، كوفيون.. وثالثا لم يكونوا شهود عيان.

- راوها أربعة من التابعين.. تاريخ ميلادهم بعد قصة المعركة بين 13 عاما، و20 عاما.

- لم يروها أي واحد من خيرة الصحابة - أصحاب علي ولا أصحاب معاوية.

- المؤرخ العراقي صالح العلي، أستاذ المؤرخ عماد خليل، روى عنه عماد خليل القاعدة التالية: الروايات التاريخية عن صفين رواها أهل العراق فقط، ولا وجود لها في كتب أهل الشام أبدا.

وهذا يعني أنها كذبة وضعها الشيعة.. إذ كيف معركة بهذا الحجم ودعوى قتل 70 ألفا ولا وجود لها عند أهل الشام ولا يوجد اسم واحد شهيد، ومع ذلك تجد الأدب العربي مليئا بالشعر بين علي ومعاوية وبين الصحابة وأبنائهم، بل هناك كذاب شيعي هو نصر بن مزاحم لديه مجلد كبير ضمنه شعر صفين كذبا وزورا.

قصة التحكيم:

هذه [الخرطة] الكبرى ألصقت التشويه بصحابيين جليلين هما عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما، وقد نسفها الفقيه المالكي ابن العربي المعافري رحمه الله.

تشويه الخليفة الثالث:

كل الدعاوى التي شوهت الخليفة الثالث عثمان رضي الله عنه، دحضها الفقيه ابن العربي بكل منهجية وعلمية، ومع ذلك للأسف نجد معممين يقولون: أجمع الصحابة على تضليل معاوية وأصحابه.. انظروا بربكم: أجمع الصحابة؟ هل الصحابة أجمعوا على تضليل أنفسهم بأنهم بغاة.

- شهادة من عملاق المؤرخين:

الخطيب البغدادي قرر حرفيا وجزم بها قائلا: "لم يكن مع علي بن أبي طالب سوى عمار".. أرأيتم؟ ومع ذلك تسمع معمما يعبد الروايات يقول: أجمع الصحابة... إلخ لغثاء.

الشاعر المعري لم يكن ملحدا:

هذه شهادة للكاتب المعاصر الأديب المصري محمود شاكر رحمه الله، قرر في كتابه "أباطيل وأسمار" براءة الشاعر المعري، حيث قام بتتبع منهجي علمي صارم في 29 صفحة من القطع الكبير استعرض فيها أساتذة المعري وطلاب المعري وجلساء المعري وأقرانه وخصومه، ولم يجد أحدا ذكر أو نسب بيتا شعريا فيها إلحاد، وقد بلغت نسبة جيل المعري ومن لحقه بين 54% و70%، وبقية النسبة ليس لهم رأي لا سلب ولا إيجاب.

والخلاصة أن ما نسب إلى المعري من الإلحاد هم خبثاء متأخرون جدا بسبب موقفه من السلالية، ولا غرابة.

النتيجة والآثار:

- العقل السني يعيش فقدان المناعة الفكرية بامتياز.

- علماء السلف محدثين ومؤرخين قدماء ومعاصرين قرروا منهجا علميا صارما لفهم التاريخ وإعادة كتابته، لكن هذا المنهج مغيب تماما.

- العقل السني غارق في الروايات، وبالتالي ها هو يعاني اهتزازا وقلقا وارتباكا وثقافة سائلة سطحية هشة وعقلية تبريرية ضحلة تصادم منهجية القرآن وسننه وقيمه.

- الحل هو إعادة تشكيل العقل المسلم من خلال إبراز المنهج لفهم الروايات التاريخية وتفعيل المنهج في سبيل إصلاح التفكير وتجفيف منابع الاعتلال المناعي وأسوتنا النموذج طوفان الأقصى.

أكتفي بهذا القدر على أمل اللقاء في الحلقة التالية - ملامح ومعالم منهجية المشروع الحضاري.

كلمات دالّة

#اليمن