السبت 13-04-2024 21:29:21 م : 4 - شوال - 1445 هـ
آخر الاخبار

شمس 26 سبتمبر و14 أكتوبر.. واحدية الأهداف والنضال المسلح

السبت 14 أكتوبر-تشرين الأول 2023 الساعة 07 مساءً / الإصلاح نت - خاص | عبدالعزيز العسالي

 

مستهل:

وشعبنا اليمني يحتفي بمناسبة ثورتيه المجيدتين، الذكرى الـ61 لثورة الـ26 من سبتمبر والذكرى الـ60 لثورة الـ14من أكتوبر.. إن شعبنا اليمني البطل وهو يحتفي بدخول ثورتيه في العقد السابع من عمرهما، يجد أنه أمام أسئلة يطرحها الجيل الثاني من شباب الثورتين المجيدتين، وتحديدا الجيل الذي يعيش عقده الثلاثيني - حملة الشهادة الجامعية والدبلوم الجامعي والثانوية العامة بوجه أخص.. هذا الجيل يطرح أسئلة، نظرا لحداثة العمر التي لم يحالفها الحظ بلقاء آبائنا الرواد الأوائل الذين نحتوا تاريخهم النضالي البطولي في الصخور الصماء في قمم ووديان وطننا اليمني.

أسئلة يطرحها الجيل الثاني والذي رأى نور شمس وطننا اليمني قبل أو بعد عودة الوحدة اليمنية المباركة بعام، فهذا الجيل نشأ في ظل الوحدة المباركة، غير أنه في ظل الحرب المليشياوية المشؤومة، الحرب الإرهابية الحوثية السلالية العنصرية الانقلابية على الشرعية الدستورية والإجماع الشعبي وما رافقها من حملات تضليل إعلامي وتزييف للوعي وطمس لتاريخ ثورتي شعبنا اليمني، تزييف يستهدف طمس منطلقات الثورتين، وطمس اللوحة التاريخية الخالدة التي سجلت واحدية الأهداف والنضال الموحد الذي خاضه أبطال اليمن عموما بلا استثناء دفاعا عن أهداف الثورة الأم - ثورة الـ26 من سبتمبر المجيدة عام 1962 ودفاعا عنها من الثورة المضادة من فلول الملكية السلالية الطاغية، فقد هب اليمنيون من عموم الوطن اليمني دفاعا عن الثورة الأم، ثم اتجه اليمنيون ثائرين ضد الاحتلال الإنجليزي البغيض الجاثم على المحافظات الجنوبية قرابة 130 عاما.

نعم، إن الأسئلة الثقافية والتاريخية التي يطرحها الجيل الثاني تحمل دلالة مفادها أن هنالك ثغرة ثقافية لدى جيل الشباب تجاه موقف الشعب اليمني الواحد وزخم نضاله الثوري قرابة عقد من الزمن، ذلك أن الجيل وجد أنه كاد أن يفقد الهوية والثقافة والتاريخ.

وها هو الجيل يطرح سؤالين اثنين: الأول، لماذا قامت ثورة الـ26 من سبتمبر وثورة الـ14 من أكتوبر؟ والثاني، من الذي صنع هاتين الثورتين ودافع عنهما؟

موضوع الإجابة على السؤالين الآنفين سيكون في المحاور التالية:

المحور الأول، وحدة الأهداف:

إذا نظرنا في أول أهداف أو مبادئ ثورة الـ26 من سبتمبر نجد أنه قد نص على: "التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتهما". إذن، ثورة الـ26 من سبتمبر هدفها الأول تحرير الوطن اليمني عموما -بلا استثناء- من الاستبداد الداخلي والاحتلال الخارجي.

من جهة ثانية، أصدر المشير عبد الله السلال رحمه الله قرار تشكيل أول حكومة جمهورية وفيها أول حقيبة وزارية اسمها وزارة الوحدة وشؤون الجنوب، وفي ذات اللحظة نجد البطل "لبوزة"، رحمه الله، ومعه لفيف من أبناء ردفان ولحج وغيرها كانوا في الصفوف الأولى من أبناء الشمال دفاعا عن الثورة والجمهورية.

أيضا، سلطان ناجي، رحمه الله، في كتابه "التاريخ العسكري لليمن" قال إنه بعد مرور قرابة عام على الثورة الأم استدعى المشير السلال، رحمه الله، البطل لبوزة والذي كان يقاتل في محافظة حجة ومعه عدد من أبطال الجنوب واجتمع بهم في دار الحمد بصنعاء وأخبرهم -وفقا للاستخبارات العسكرية- إن الاحتلال في الجنوب يسعى إلى تفجير حرب في المناطق الوسطى بهدف إرباك حكومة الجمهورية كي تتمكن فلول الملكية في شمال الشمال من الزحف نحو العاصمة صنعاء، وانتهى الاجتماع بقرار خلاصته سرعة التوجه إلى تفجير ثورة في الجنوب إرباكا للاحتلال، وتكفل السلال بالدعم العسكري، فانطلق الأبطال بقيادة لبوزة إلى جبال ردفان، غير أن لبوزة، رحمه الله، اصطدم بجنود الاحتلال في منطقة الضالع ودخل معهم في مشادة، فتبادلوا إطلاق النار، فاستشهد لبوزة ووصل الخبر إلى أبطال الحوطة، فتحركوا إلى قمم ردفان، فانبلج فجر ثورة الـ14 من أكتوبر عام 1963.

ومن جهة أخرى وجدنا معلومة -تاريخ شفوي- من أبناء تعز، مديرية ماوية تحديدا، الذين شاركوا أو عايشوا لحظة انطلاق ثورة 14 أكتوبر، ذكروا قائلين إنه فور وصول خبر استشهاد لبوزة تحرك أحد مشايخ مديرية ماوية والذي لاذ بالفرار قبل سنوات من طغيان الإمام أحمد ياجناه بتعز، فالشيخ عبد الله هاشم لجأ إلى عشيرته في الضالع، وبعد أيام قلائل من وصول خبر استشهاد البوزة انطلق الشيخ عبد الله هاشم إلى مدينة الحوطة في لحج واقتحم سور مكتب نائب المندوب السامي للاحتلال ودخل إلى مكتب المندوب وقتله بمسدسه ولحق بالثوار.

أحمد الحضراني يسقط طائرة:

في مقابلة صحفية مع الشاعر الأستاذ إبراهيم الحضراني، رحمه الله، أجرتها مجلة "نوافذ"، نجد شاعرنا يستحضر دور والده علميا ونضاليا، ومما ذكره كشاهد لافت للنظر على واحدية ووحدوية النضال قائلا: إنني أفتخر أن والدي أول شخصية يمنية أسقط طائرة للاحتلال ببندقيته الجرمل في قمة جبال ردفان، مؤكدا أن الطائرة اقتربت جدا من قمة الجبل تتجسس على الثوار "ووالدي كان تحت صخرة فوجه بندقيته عن قرب صوب زجاج الطائرة المقاتلة فسقطت بمساعدة ضغط الريح".

شاهد من أهلها:

العميد علي عنتر في خطاب له، موجود في النت، مخاطبا خريجي الكلية العسكرية قائلا: "لولا وقوف حكومة الجمهورية في صنعاء ما تمكنا من تفجير الثورة ومواصلة النضال في الجنوب".

أهداف ثورة 14 أكتوبر.. ترجمة وتطبيق:

أشرنا أعلاه إلى أن الهدف الأول لثورة الـ26 من سبتمبر هو "التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتهما".

نوضح هنا أن أسوأ مخلفات الاستعمار والذي سعى إلى تمزيق الجنوب إلى أكثر من 20 سلطنة ولكن تحت مسمى هو "الجنوب العربي". وعليه، فقد جاء أحد أهداف ثورة 14 أكتوبر "إلغاء السلطنات" وتوحيد المحافظات الجنوبية تحت مسمى جمهورية اليمن الديمقراطية.

وإليك أخي القارئ مسرد أهداف ثورة 14 أكتوبر يمكنك قراءتها في ضوء أهداف الثورة الأم وسترى أنها متفرعة عنها وتطبيق لها.

أهداف ثورة 14 أكتوبر:

1 - تصفية القواعد وجلاء القوات البريطانية من أرض الجنوب دون قيد أو شرط.

2 - إسقاط الحكم السلاطيني والذي يصنف بأنه رجعي.

3 - إعادة توحيد الكيانات العربية الجنوبية سيراً نحو الوحدة العربية والإسلامية على أسس شعبية وسلمية.

4 - استكمال التحرر الوطني بالتخلص من السيطرة الاستعمارية الاقتصادية والسياسية.

5 - إقامة نظام وطني على أسس ثورية سليمة يغير الواقع المتخلف إلى واقع اجتماعي عادل ومتطور.

6 - بناء اقتصاد وطني قائم على العدالة الاجتماعية يحقق للشعب السيطرة على مصادر ثرواته.

7 - توفير فرص التعليم والعمل لكل المواطنين دون استثناء.

8 - إعادة الحقوق الطبيعية للمرأة ومساواتها بالرجل في قيمتها ومسؤولياتها الاجتماعية.

9 - بناء جيش وطني شعبي قوي بمتطلباته الحديثة تمكنه من الحماية الكاملة لمكاسب الثورة وأهدافها.

10 - انتهاج سياسية الحياد الإيجابي وعدم الانحياز بعيدا عن السياسات والصراعات الدولية.

إذن، هدف الثورتين واحد، والأبطال الذين ناضلوا في تثبيت أهداف الثورتين هم أبناء اليمن شمالا وجنوبا.

 

المحور الثاني، الحضن الآمن:

1- معسكر صالة - تعز.

أقيم في تعز معسكر انضم إليه عدد من أبناء الجنوب والشمال على السواء.

2- تلقى رواد معسكر صالة أنواعا من التدريب أبرزها:
- العمل العسكري المسلح.
‐ الأمن الوقائي.

مكاتب قيادات المقاومة الجنوبية:

1- فتحت مدينة تعز صدرها لإقامة مكاتب قيادات المقاومة الجنوبية على سبيل المثال لا الحصر: - مكتب القائد قحطان الشعبي.
- مكتب نائب القيادة.
- مكتب الأمين العام للجبهة القومية.
- مكتب القائد محمد علي هيثم.
- مكتب قيادة علي ناصر محمد.
- مكتب اتحاد الشباب.
ومكاتب أخرى.

2- انخراط عدد من أبناء تعز في العمل العسكري.

3- دفعتا العمل الفدائي رغم قلة عدد أفرادهما، فقد انخرط فيهما 6 أشخاص من أبناء تعز.

4- مسيرات قام بها أبناء تعز مطالبين المنظومة الدولية بالنظر إلى الشعب اليمني الثائر ضد الاحتلال البغيض، وحول هذه النقطة، أي المسيرات في تعز، حدثني بها عضو اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني الأستاذ أحمد محمد مسعد المخلافي، الملقب: حمود الحبشي، ولا زال حيا يرزق.

الجدير ذكره أن الحبشي أنحى باللائمة وبمرارة تجاه تغييب الدور الشعبي لأبناء تعز تجاه ثورة الـ14 من أكتوبر.

5- الدكتور سلطان المعمري، تخصص تاريخ، كلية التربية جامعة تعز، اشتراكي، يختزن في ذاكرته الكثير الكثير من مواقف أبناء تعز، ولا يكاد يفتأ يتحدث حتى يطلق عبارات اللوم ضد تغييب دور المحافظات الشمالية عموما وتعز خصوصا.

الجدير ذكره أن الدكتور سلطان وافته المنية قبل عامين تقريبا، وبوفاته فات الكثير من التاريخ الشفوي، ولا نعلم هل دون مشاهداته أم لا؟

صفقة سلاح الزعيم ناصر:

1- قدم الزعيم عبد الناصر، رحمه الله، أول صفقة سلاح للثورة الجنوبية عام 1964، بعد عام من انطلاق الثورة وذلك عبر محافظة تعز.

2- شارك العديد من أبناء تعز وإب وغيرهم في إيصال السلاح إلى خطوط التماس في المناطق الجنوبية.

الدعم المالي من تجار تعز:

هذا الدور على أهميته سجله التاريخ الشفوي أكثر والسبب هو أن الدعم المالي غالبا ما يكتنفه الغموض انطلاقا من التنظيم السري، وقصة الزبيري والنعمان، رحمهما الله، خير شاهد، فقد كان الزبيري يعتريه الشك حول مصدر الدعم المالي لدى النعمان إبّان تأسيس الجمعية اليمانية في عدن، وكان النعمان يخفي مصادر التمويل، لكن الزبيري ازدادت شكوكه أن حكومة الاحتلال هي من تموّل، وبعد أخذ ورد ومواقف اقتنع الزبيري بمبررات النعمان المتمثلة في مخاوف تجار تعز من بطش الطاغية وهدم منازلهم.

ولا شك أن هنالك الكثير ممن لديهم معلومات حول الدعم المالي للثورتين دون تمييز.

لكنني سأذكر ما وصلني المتمثل في الرواية الشفوية التالية.

الحاج فرحان ياسين الدبعي:

الحاج فرحان ياسين الدبعي شغل منصب رئيس اتحاد نقابات العمال أيام سالمين، رحمه الله.

في رحلة سفر إلى عدن تعرفت على الحاج فرحان الدبعي في البيجوت خريف عام 2002.

الحاج فرحان يتمتع بشخصية وقورة، لا تفارقها البسمة، ذقن مخضوب بالحنّاء وليس له لحية.. يلبس كوتا طويلا شبيها بزي القضاة الأتراك، وحسب قوله إنه قادم من دولة عربية بعد إجراء عملية قلب مفتوح.

تجاذبنا الحديث فقال إنه شغل منصب نقيب العمال وكان محط احترام الزعيم سالم ربيع علي، وذكر مواقف له كثيرة مع سالمين لا تخلو من طرافة وإثارة في آن.

الشاهد في كلام الحاج الدبعي هو قوله: الكثير من تجار تعز قدموا الدعم السخي لثورة أكتوبر، بعضهم مقيم في تعز والبعض مقيم في عدن والبعض خارج اليمن - الحبشة وغيرها.

وذكر -على سبيل المثال- التاجر حسين الأسودي، مؤكدا أن هذا التاجر له بصمات كثيرة بدءا من دعم الطلاب من أبناء تعز في عدن خلال عقدي الأربعينيات والخمسينيات، وعند انطلاق الثورة بادر داعما وبالذات لفصيل الفدائيين، مؤكدا في كلامه أنه يعرف عددا من أبناء تعز الذين التحقوا بالفدائيين، بل قال إن هناك أشخاصا ممن التحقوا بالفدائيين ما زالوا على قيد الحياة.

الحاج حمود فرحان حاتم:

من أبناء مديرية التعزية - عزلة قياض، قال لي: أنا عملت بحارا أنا وأخي عبد الله، بين ميناء عدن وموانئ العالم لسنوات طوال، وانطلقت ثورة 14 أكتوبر، وبعد عامين اتسعت رقعة المعركة فاحتاج الثوار للسلاح وذلك عام 1965، التزم الزعيم ناصر، رحمه الله، بصفقة سلاح على نفقته، وبعد بحث عن الثقة الأمنية استقر الاختيار عليّ أنا وأخي، فانطلقنا إلى كندا وحملنا الصفقة، ثم سرد لي أماكن وأوقات التخفي وعدم التحرك في البحر وظل الأخوان البحاران طيلة 65 ليلة حتى وصلت الصفقة بأمان إلى مكان بعيد عن عيون الاحتلال واستلمتها القيادة، والتي بدورها أرسلت برقية للزعيم ناصر بهذا الخصوص، وأن ناصر أبدى ارتياحه وإعجابه الشديدين بنجاح وصول الصفقة ووعد بجائزة مالية للبحارَين فرفض الأخوان تماما، قائلين هذا واجب وطني، فأعطانا ناصر شهادتي تقدير.. كان سرد هذه القصة عام 2012، وللأسف لم أنتبه لتسجيله.

الجدير ذكره أنه قبل ثلاثة أعوام دخل كاتب هذه السطور في نقاش عبر الهاتف مع الأستاذ عبد الهادي العزعزي حول فقر الانتماء الوطني، فجاء ذكر قصة البحّار، فأطلق العزعزي عبارات الرجاء أن أقوم بتسجيل صوت البحار الآنف، فتحركت باحثا عنه، فوجدت أنه قد وافته المنية رحمة الله عليه.

 

المحور الثالث، صُنّاع دولة:

أبناء اليمن شماله وجنوبه أسهموا في بناء دولة وحكومتي الجمهوريتين، فعلى سبيل المثال: محسن الشرجبي وزير أمن الدولة، وعبد الفتاح زعيم الحزب ورئيس الدولة، وعبد العزيز الدالي في الخارجية، وغيرهم الكثير، وقد كان الأستاذ باسندوة برلمانيا في صنعاء قبل الوحدة، وكذلك د. ناصر العولقي وزيرا للزراعة، وغيرهما الكثير.

تلكم هي إلماحات سريعة أوردناها تلبية للتساؤلات الصادرة عن جيل الشباب الذين يشعرون بخواء اعتور هويتهم وانتماءهم الوطني، كما أحدث ثغرة في وعيهم الثقافي، الأمر الذي تسبب في إحباط ظنا أن الوضع اليمني هو هكذا فلا تاريخ ولا قيم انتماء وطني، والسبب أن عوامل عدة -لا مجال لذكرها- أسهمت في إضاعة الهوية ومبادئ النظام الجمهوري والتاريخ الموحد للثورة أهدافا ونضالا، ثم جاء الزيف الإعلامي الانقلابي المليشياوي فأهال التراب.

كلمات دالّة

#اليمن