السبت 20-10-2018 12:15:12 م : 10 - صفر - 1440 هـ
آخر الاخبار

كلمة المجلس الوطني للمعارضة ألقاها عبده الجندي في المؤتمر العام الثاني - الدورة الأولى

الثلاثاء 06 أكتوبر-تشرين الأول 1998 الساعة 12 صباحاً / التجمع اليمني للإصلاح - خاص
عدد القراءات (892)

 


أيها الحاضرون جميعا:
هناك دلالتين هامتين لانعقاد مؤتمركم هذا من حيث التوقيت والايجابية :
الدلالة الأولى : نابعة من التزامن من الاحتفالات بأعياد الثورة اليمنية 26سبتمبر و14 أكتوبر العملاقتين .
الدلالة الثانية : نابعة من أهمية الديمقراطية داخل الأحزاب والتنظيمات السياسية خاصة.
فالحزب الذي لا يؤمن بالثورة اليمنية ليس جديرا بالانتماء للوطن والائتمان على وحدته.
والحزب الذي لا يؤمن بالتداول السلمي للمواقع القيادية داخل هيئاته التنظيمية ليس أمينا على الديمقراطية والتداول السلمي لسلطات الدولة.
ولئن كان التجمع اليمني للإصلاح قد أكد خلال الفترة الماضية بأنه موقفا إيجابيا من الوحدة والديمقراطية , منها هو يؤكد من جديد أنه نموذجا متطورا من الحركات الإسلامية القادرة على التعامل مع الجديد , وانتهاج الأساليب السلمية , والقبول بحق الآخرين في الحياة والحرية.
إن رحمة الاختلاف في الدين الإسلامي الحنيف لا تعين لعنة الكراهية والحقد.
والاختلاف هو الاجتهاد الباحث عن الأفضل في السياسة والاقتصاد والاجتماع .
ولما كان التنوع والتعدد والتداول سنن ونواميس الله في مخلوقاته الكونية البديعة فإن الذين لا يمؤمنون لأن اتساق حلقة الكون وجمال مكوناته ومكنوناته تدل على واحدية الخالق ليسوا جديرين بتمثل المعاني العظيمة لإستخلاف الذي يتميز به الإنسان العاقل من غيره من المخلوقات الحية لقدرته الجدلية على إدارة الحركة والتغيير والتطور من التخلف إلى التطور وإذا كان الكون والإنسان مخلوقات متغيرة وناقصة وباحثة عن الكمال فإن الله وحدة الثابت الكامل المطلق وحدة الذي يعلم ما كان وما هو كائن وما هو سيكون بعتباره الخالق الأعظم للإنسان والكون بكل تعقيداته وتركيباته المادية والروحية للخلية والذرة ذات المعاني العظيمة .
إن الذين يزعمون امتلك الحقيقة بشكل مطلق كالذين يسقطون من صفات الخالق الكامل على صفات المخلوق الناقص عن جهل أو عن تجاهل يوقعون أنفسهم بأخطاء فاحشة بقصد أو بدون قصد وتلك هي العصبية التي لا تخلف سوى الدماء والدمار والدموع .
حقاً أيها الأخوة الأعزاء :
إن الديمقراطية هي الفلسلفة المعاصرة للمعاني الشوروية للإسلام في ركاب التداول السلمي للسلطة .
والعدالة الاجتماعية في الإسلام هي الفلسفة المعاصرة للتوزيع العادل للملكية والتداول السلمي للثروة.
إنها حكمة الله الذي خلق الكون وجعله مبنيا على قوانين ونواميس علمية معروفة, أو قابلة لأن تعرف, وخلق الإنسان ونفخ فيه من روحه , ومنحه عبقرية العقل والإرادة والقدرة على الاستخلاف باعتباره الكائن الوحيد المؤهل للنفاذ إلى أقطار السماوات والأرض بحثا عن سلطان العلم.
لقد فرض عليه الخالق الأعظم عبادات ثابتة , لا تقبل الاجتهاد الهادف إلى الحذف أو الإضافة في مجال علاقته بخالقه , لكنه في مجال علاقاته بنوعه وبالظروف الكونية المحيطة به ترك له على وجه الخصوص في سياق التعامل مع السلطة والثروة مساحات ومسافات اجتهادية واسعة , تنتهي مع أول عملية تصادم مع الأحكام الشرعية المتمثلة في الديمقراطية في السلطة والعدالة في الثروة , لأن الدين الإسلامي الحنيف بقدر ما كان دعوة إلى التوحيد والعبادة جعل العبودية لله وحده بقدر ما كان دعوة إلى الثورة والوحدة والديمقراطية , ودعوة للعلم والعمل والنظام والقانون,وهو في معانيه العظيمة , الإيمان والأمانة , الحق والواجب , الأصالة والمعاصرة , الثابت والمتغير, لا مجال فيه لإيمان بلا أمانة , ولا لحق بلا واجب, ولا لأصالة بلا معاصرة , ولا لحكم بلا معارضة , نأمر بالمعروف وننهي عن المنكر.
ومن هذا المنظور الإيماني العظيم فقد آن الأوان لمراجعة أولئك الذين يسيئون استخدام الأصالة بلا معاصرة دفاعا عن ماض بلا حاضر ولا مستقبل , وأولئك الذين يسيئون استخدام المعاصرة بلا أصالة من أجل حاضر ومستقبل مقطوع الصلة بماضيه , الأولى تعني الجمود , والثانية تعني الاستلاب.
وآن الأوان لمراجعة أولئك الذين يعتقدون بأن الديمقراطية حكم مطلق بلا معارضة وقد يعتقدون بأنها معارضة مطلقة بلا حكم , على ما بينها من تناقضات تجعل الحكم في الحالة الأولى دكتاتوريا , وتجعل المعارضة في الحالة الثانية فوضوية .
إن الديمقراطية أيها الأخوة فكرا وسلوكا حضاريا يجب أن نتعلمها في نطاق التركيبة المؤسسية للمجتمع تبدأ من الأسرة إلى العشيرة إلى القبلية ثم إلى الشعب , تماما كما يجب أن نتعلمها في التركيبة الثقافية المؤسسية التربوية والثقافية والإعلانية من المدرسة إلى المعهد إلى الجامعة إلى الصحافة إلى الجامع إلى الأحزاب والتنظيمات السياسية لأن مثل الأحزاب والتنظيمات السياسية كمثل المدارس والجامعات تتحول إلى منتديات مفتوحة لتعليم فن الحوار باعتباره وسيلة الديمقراطية في خطابها السياسي والإعلامي الرفيع , القادر على الخوض في معترات المتغيرات اليومية للحياة دون مساس بالثوابت الوطنية والدينية والتوعية المقدسة.
وبالديمقراطية وسيادة القوانين النافذة , نستطيع إخضاع السلطة والثروة للمنافسة التعددية المشروعة , من خلال برامج تكتب بلغة الأرقام والمعلم , بدلا من كتابتها بلغة الفلسفة والأدب والشعر , لأن الحياة خبزا وشيئا يؤكل ويستخدم .
إن تطبيق القوانين هو بداية الطريق الصحيح للإصلاحات الجادة لأن غياب النظام يعني غياب الثواب والعقاب ومبدأ الإنسان المناسب في المكان المناسب والقبول بالحياة بلا قوانين كالقبول بقوانين للزينة لا تعني سوى الفوضى المطلقة ولا ينمو الفساد المالي والإداري إلا في البيئات الفوضوية الخاضعة للوثات قانون الغاب حيث يتمكن الأقوى من افتراس الأضعف وإجباره على القبول بمواطنة تقوم على واجبات بلا حقوق.
المواطنة : وهي البداية والنهاية الحياتية التي يحتمي في ظلها الحاكم والمحكوم على قاعدة المساواة .
والسلطة والثروة متغيرات قابلة للتداول والتحول من شخص إلى آخر ومن جماعة إلى أخرى لا تدومان على حد الإطلاق.
والقوانين المستمدة من الشرع : هي النظام مطبقا على الأرض غايته تحقيق العدالة والمساواة بين أبناء الشعب الواحد باعتبارهم مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات قبل أن يكونوا سياسيون أو حكام أو فلاك أو عمال أو مزارعون الخ.
وغاية السلطة والمعارضة في الديمقراطية : هي التطبيق الصارم للدستور والقوانين النافذة في شتى مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الخ.
وبدون تطبيق القوانين ستبقى الديمقراطية عمياء وبدون سيادة القوانين ستبقى الإدارة فاسدة وعاجزة عن القيام يفترس فيها الأقوياء للحقوق والحريات اللمشروعة للضعفاء تقوي بها الحكومة على النيل من الحقوق المشروعة للمعارضة لتستخدمها للديكور والزينة وليس للتداول للسلطة وتقوى فيه المعارضة على إرباك الحكومة , تطالبها بانجازات أقرب إلى المعجزات منها إلى الممكنات.
وتطبيق القوانين النافذة هي بداية الإصلاح الحقيقي لكل ما هو فاسد في حياتنا وأوضاعنا العام والخاص.
وفي ظل سيادة القانون: سيجد صاحب الحق مناخا آمنا للوصول إلى حقوقه المكفولة دون حاجة إلى الوساطة .
وسيجد الموظف فرصة لشغل الوظيفة المناسبة ونيل الدرجة المالية التي يستحقها دون حاجة إلى نشوب سياسة .
وسيجد المظلوم ما يتطلع إليه من العدالة والإنصاف في دون حاجة إلى الرشوة والثأر والوساطة .
وسيجد الخريجون فرص عمل حسب تخصصاتهم العلمية دون حاجتهم إلى الرشوة والوساطة .
وستجد المناطق المحرومة حصتها من الخدمات المنصوص عليها بالخطط والبرامج الحكومية المعلنة.
وسيجد نواب الشعب وقتا مناسبا للتفرغ للقوانين تشريعا وتنفيذا بدلا من تحولهم إلى مراجعين يتسكعون على أبواب الوزارات والهيئات والمصالح الحكومية .
وستجد الصحافة ما تحتاج إليه من الحرية وستجد الحكومة والمعارضة حماية من عدوانية الصحافة , وسيكون النقد البناء هو البديل الموضوعي للنقد الهدام.
وفي ظل تطبيق القوانين سوف يتجه الجميع إلى تغليب العمل على البطالة والإنتاج على الاستهلاك والغناء على الفقر والكفاية على الحاجة والحق على الباطل , والتطور على التخلف , والضرورة الحياتية على الملكية الخاصة.
وإذا كانت الوسطية هي الموضوعية فإن الاعتدال هو مرحلة وسط بين الإفراط والتفريط , لأن التطرف إلى أقصى اليمين يؤدي بالضرورة إلى التطرف إلى أقصى اليسار .
ولكل فعل رد فعل يساويه في القوة ويعاكس في الاتجاه حسب منطوق القاعدة العلمية .
وحاجتنا اليوم إلى الموضوعية مسألة ملحة ليس فقط في السياسة وفي الاقتصاد بل وفي الثقافة الأيديولوجية ذات النظرة العلمية للعوامل المحركة للتاريخ من خلال عقلية حوارية مفتوحة على الماضي والحاضر والمستقبل , وقلوب عاصرة بالإيمان وحب الخير للجميع وجسدها من العمل وروحها من الإيمان يتناغم في ظلها الروائح العطرة للفضيلة , لا وجود فيها لفقراء مضطرين لبيع أنفسهم , ولا وجود فيها لأغنياء قادرين على شراء الناس , لان الإنسان إذا لم يكن مسجدا تسكنه الفضيلة يتحول إلى وكر تعشش فيه الرذيلة.
وفي ظل واقع عربي وإسلامي بلغت فيه العربدة المعادية للأمة مبلغا لا مناص فيه ومن وقفة مراجعة لأخطاء الذات قبل الاسترسال بتوجيه اللوم على الأعداء الذين يتمنون لنا الهلاك , لأن من لا يحترم نفس , ولا يفتش في نقاط ضعيفة عن ممكنات القوة الغائبة .
لا يمكن للآخرين أن يحترموه في عالم لا يحترم سوى الأقوياء , أما الضعفاء فليس لهم سوى الموت مرات عديدة مثل موتتهم الأخيرة .
التحية للجميع والخلود للشهداء
والعز والكرامة للوطن والشعب
والتوفيق والنجاح للمؤتمر
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كلمات دالّة