
لم يكن تنفيذ مليشيا الحوثيين هجمات على السفن في البحر الأحمر، منذ أواخر العام 2023، مجرد "نصرة" عابرة للقضية الفلسطينية كما تدعي، بل كان الفصل الأحدث والأكثر دموية في مشروع التمدد الإيراني الذي ترى فيه قوى الشرعية والأحزاب الوطنية وكل من يقف في وجه الانقلاب، دليلاً قاطعاً على أن إيران تستغل الأحداث الإقليمية لإشعال فتيل الحروب، وتثبيت سيطرتها على مضيق باب المندب، وابتزاز العالم للحصول على الكثير من المكاسب والتنازلات، خصوصا أنه بعد توقف الحرب في قطاع غزة عاودت مليشيا الحوثيين إرسال مزيد من التعزيزات العسكرية إلى جبهات الداخل، وتهدد بقصف الأراضي السعودية.
عمليات تهريب الأسلحة الإيرانية التي تم تتبعها وضبطها منذ وقت مبكر وحتى اليوم، ليست إلا شريان الحياة لتغذية آلة الحرب الحوثية الانقلابية، مما يكشف بوضوح عن نوايا الملالي في إيران لتدمير استقرار اليمن وخنق الملاحة الدولية.
تحول خطير
ووفقا للتقارير الأمنية والبيانات الصادرة عن قوات الشرعية، فإن وتيرة وخطورة الشحنات الإيرانية قد تصاعدت بشكل غير مسبوق بعد "طوفان الأقصى"، إذ لم تعد عمليات التهريب مجرد قوارب صيد محملة بالأسلحة الخفيفة، بل تحولت إلى شبكات منظمة، تديرها كوادر من الحرس الثوري وفيلق القدس، تعمل على إدخال معدات نوعية بهدف بناء قاعدة تصنيع ذاتية للمليشيا الحوثية.
ويمثل ما تم ضبطه مؤخرا من مواد كيميائية وعسكرية خطرة -مثل البراميل التي تحوي مكونات تستخدم في زيادة القدرة التدميرية للصواريخ والطائرات المسيّرة- تحولا نوعيا في عمليات التهريب، وهو ما يرفع منسوب الخطر من تهديد ملاحي إلى تهديد بيئي وإنساني، يطال المدنيين في السواحل اليمنية، فهذه المواد التي تصل عبر مسارات معقدة، هي الوقود الفعلي الذي يُمكِّن الحوثي من استخدام الصواريخ المضادة للسفن، والطائرات المسيرة الانتحارية، التي تهدد خطوط التجارة العالمية، كما تشكل أيضا تهديدا وخطرا على الأمن الداخلي والإقليمي.
أجندة طائفية
وتؤكد كل عملية ضبط ومصادرة قامت بها القوات اليمنية أو الدولية، سواء كانت للشحنة الضخمة التي تجاوزت 750 طناً من الصواريخ والمعدات العسكرية، أو عشرات الحاويات التي سبقتها والمحملة بمكونات الطائرات المسيّرة وأجهزة التجسس، أن إيران لا تزال تمد المليشيا بأدوات العدوان، في محاولة منها لبناء قدرات مليشيا الحوثي التي تمثل إحدى أذرعها الغليظة في المنطقة.
وبحسب مراقبين فإن هذه الشحنات المهربة هي الترجمة العملية للعقيدة الإيرانية التي تطفح بالإرهاب، حيث لا يهم طهران إلا استمرار ورقة الضغط الحوثية في البحر الأحمر، لتحقيق نفوذ جيوسياسي وتمكينها من المساومة في مفاوضاتها الدولية والإقليمية، على حساب أمن اليمن والمنطقة برمتها، بالإضافة إلى أن استمرار إيران في ضخ هذا الدعم يثبت أنها تسعى لتحويل اليمن إلى نقطة ارتكاز دائمة تهدد بها المنطقة بأكملها.
كما أن هذه الشحنات المهربة لا تغذي آلة الحرب فحسب، بل تمول أيضاً اقتصاد الحرب الحوثي القائم على تجارة المخدرات والممنوعات، مما يزيد من تدهور الأوضاع الإنسانية والاجتماعية في المناطق التي تسيطر عليها المليشيا الحوثية، وأن أي جهود دولية لإعادة السلام إلى اليمن يجب أن تبدأ بـالاعتراف بأن الحوثي مجرد ذراع إيرانية تعمل على تنفيذ أجندة طائفية توسعية، وأن الحل يكمن في تجفيف منابع التهريب والتمويل الإيراني بشكل كامل، وتمكين الشرعية من بسط سيطرتها على كافة المنافذ البرية والبحرية، لإغلاق هذا الشريان الذي يهدد استقرار اليمن وأمن العالم.
اعتداء سافر
ويرى صحفي فضل عدم ذكر اسمه نظرا لتواجده في مناطق مليشيا الحوثي، أن "استمرار تهريب الأسلحة الإيرانية إلى مليشيا الحوثي في اليمن يشكل انتهاكاً فاضحاً ومباشراً للقوانين الدولية والقرارات الأممية، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 الذي يحظر صراحة تزويد المليشيا بالسلاح، إذ إن هذا الدعم غير المشروع يمثّل اعتداءً سافراً على السيادة اليمنية ويهدف إلى إطالة أمد الحرب وإجهاض كافة مساعي السلام".
وأضاف أنه "يمكن وصف هذا الدعم غير المبرر بإرهاب دولة تقف وراءه طهران، مستخدمةً وكيلها لزعزعة استقرار المنطقة، كما أن هذا المسلك لا يهدد أمن دول الجوار فحسب، بل يقوّض أيضاً مكانة الحكومة اليمنية الشرعية، التي تظل الممثل الوحيد والشرعي للدولة اليمنية في المحافل الدولية، وأي دعم عسكري لفصيل غير شرعي هو خرق لميثاق الأمم المتحدة ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول".
ووثّقت العديد من التقارير الأممية والدولية منشأ هذه الأسلحة المهربة، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية المتطورة، كما أن عمليات الضبط المتكررة التي قامت بها القوات التابعة للشرعية وقوات التحالف تؤكد حجم وشكل هذه الإمدادات غير القانونية.
أزمة بلا أفق
وقد بات واضحاً أن استمرار تدفق الأسلحة الإيرانية إلى مليشيا الحوثي يمثل المحرك الأساسي لاستمرار القتال في اليمن، وسبب تفاقم الكارثة الإنسانية التي يعيشها الشعب اليمني، فتزويد طرف غير شرعي بالسلاح ليس مجرد دعم عسكري، بل هو إذكاء لجذوة الصراع على حساب حياة ومستقبل الملايين.
كما يمنح الدعم العسكري الإيراني المستمر لمليشيا الحوثيين فائض قوة لمواصلة إرهابها وعدوانها، ودافعاً قوياً للاستمرار في رفض الحلول السياسية والاستئثار بالسلطة، بالإضافة إلى أن هذا الدعم يضمن للمليشيا القدرة على مواصلة الحرب بدلاً من الجلوس إلى طاولة المفاوضات بحسن نية، مما يحرم اليمنيين من الأمن والاستقرار الذي هو شرط أساسي لوقف تدهور الأوضاع المعيشية، فهو لا يقتصر على تمويل القتال فحسب، فالتقارير تشير إلى استغلال الحوثيين للموارد الموجهة أصلاً لخدمة الشعب اليمني، وتحويلها لتمويل جهودها العسكرية بدعم إيراني، الأمر الذي من شأنه أن يحرم المواطنين من أبسط الخدمات الأساسية ويضاعف من مستويات الفقر وتفشي الأمراض والبطالة وغيرها من المشاكل التي خلفتها الحرب.
مواد كيميائية
ولم يعد تهريب السلاح إلى مليشيا الحوثي مجرد عملية عشوائية، بل بات منظومة متكاملة تديرها وتُشرف عليها جهات إيرانية رفيعة المستوى، أبرزها الحرس الثوري الإيراني، حيث تشير التقارير إلى أن عناصر وخبراء من الحرس الثوري يلعبون دوراً محورياً، لا في إدارة مسارات التهريب البحرية والبرية المعقدة فحسب، بل في تدريب الحوثيين على استخدام وصناعة الأسلحة المتقدمة.
تُستخدم موانئ إيرانية، مثل "بندر عباس" و"جاسك"، كنقاط انطلاق رئيسية لهذه الشحنات، التي تنقل عبر مسارات بحرية ملتوية، ثم تُفرغ في عُرض البحر أو عبر سواحل يمنية معينة، ومن ثم تُنقل براً إلى مناطق سيطرة المليشيا الحوثية.
وتكشف الضبطيات الأخيرة، مثل اعتراض سفينة "الشروا" وشحنات في باب المندب، أن التهريب يشمل أيضاً مواد كيميائية، ومعدات تدخل في صناعة أسلحة متطورة محلياً بإشراف إيراني.
ويتجاوز الهدف من هذا الدعم المستمر الصراع الداخلي ليصبح تهديداً مباشراً لأمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، مما يستدعي جهوداً دولية مكثفة لردع هذه الأنشطة ووقف تدفق الأسلحة.
شحنات الدمار
وقد توالت الإعلانات الرسمية من الجهات اليمنية والدولية عن نجاحات متتالية في اعتراض وضبط شحنات أسلحة ومعدات عسكرية متطورة كانت في طريقها إلى مليشيا الحوثي، مما يؤكد استمرار تهريب الأسلحة للمليشيا وانتهاك حظر الأسلحة المفروض عليها.
كما كشفت هذه العمليات عن تورط إيراني مباشر وواسع في تزويد الحوثيين بالمعدات التي تهدد الأمن الإقليمي والملاحة الدولية.
ففي يناير 2024، أعلنت القيادة الوسطى الأمريكية (سنتكوم) عن ضبط أسلحة تقليدية إيرانية متقدمة كانت متجهة إلى الحوثيين، مشيرة إلى أن التحقيقات أكدت استخدام المليشيا لأسلحة مماثلة في تهديد الملاحة بالبحر الأحمر، وأن "إيران تواصل شحن مساعدات فتاكة للمليشيا".
وتواصلت عمليات الضبط في العام الحالي، ففي 16 فبراير 2025، أعلنت سينتكوم أن قوات خفر السواحل التابعة للحكومة اليمنية اعترضت شحنة أسلحة إيرانية على متن زورق شراعي في جنوب البحر الأحمر كانت قادمة من إيران ومتجهة للمليشيا الحوثية.
كما نجحت الأجهزة الأمنية في المنافذ البرية في إحباط محاولات التهريب، حيث أعلن وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني في 25 مارس 2025 عن نجاح الأجهزة الجمركية والأمنية بمنفذ صرفيت بمحافظة المهرة شرقي اليمن في إحباط تهريب كمية كبيرة من مكونات الطائرات المُسيرة، بلغت 800 مروحة طيران مُسير، كانت في طريقها إلى مناطق سيطرة الحوثيين.
وشهد شهر أغسطس 2025 ضبط شحنة أسلحة أخرى على متن سفينة قادمة من الصين، كانت متجهة إلى المليشيا، وشملت أجهزة لاسلكية ووحدات تحكم بالمسيرات ومعدات عسكرية.
صفعة وإنجاز
أما الإنجاز الأمني الأبرز فكان في أكتوبر 2025 عندما أعلنت السلطات الأمنية في عدن ضبط 58 حاوية تجارية بوزن 2500 طن في ميناء الحاويات بالمدينة، كانت هذه الحاويات محملة بمعدات عسكرية و"مصانع متكاملة" لإنتاج المسيّرات وأجهزة التجسس والتشويش، ومصدرها إيران، وكانت متجهة إلى ميناء الحديدة قبل تغيير مسارها إلى عدن.
وشملت المضبوطات منصات إطلاق، ومكونات طائرات مسيّرة، وآلات تصنيع، ومحركات نفاثة، ومواد خام لهياكل الطائرات (ألياف كربون وسبائك ألمنيوم)، وأجهزة اتصالات ورصد حراري وتجهيزات للتجسس والتشويش.
ووصف مسؤولون يمنيون هذه العملية بأنها "إنجاز أمني كبير وضربة موجعة للحوثيين".
وفي السياق ذاته، كشف تقرير أممي قُدم لمجلس الأمن، وغطى الفترة من 1 أغسطس 2024 حتى 31 يوليو 2025، عن انتهاك واسع النطاق لحظر الأسلحة.
وأوضح التقرير أن المقاومة الوطنية نفّذت عمليات ضبط بحرية ناجحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب الإستراتيجي، اعترضت خلالها سفنًا تحمل مئات الأطنان من الأسلحة والصواريخ الموجهة.
ومن أبرز هذه العمليات ما تم في يوليو 2025، حيث ضبطت قوات المقاومة الوطنية شحنة بحرية ضخمة تزيد عن 750 طنًا من الذخائر والأسلحة المتطورة، كانت على متن سفينة متجهة من جيبوتي إلى موانئ الحوثيين.
وأكد تقرير فريق الخبراء أن هذه الشحنة احتوت على صواريخ كروز متطورة وصواريخ مضادة للسفن والطائرات تحمل خصائص مماثلة للأسلحة الإيرانية، مثل صواريخ كروز من طراز "غدير"، والطائرات المسيّرة من طراز "شاهد"، وبنادق مضادة للعتاد من طراز "صياد AM-50"، ومنظومات دفاع جوي محمولة على الكتف من نوع "ميثاق"، لافتا وبشكل حاسم إلى أن الشحنة تضمنت كتيبات وإرشادات مكتوبة باللغة الفارسية، في دلالة واضحة على تورط إيراني مباشر.
وفي تعليق رسمي أكد وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني أن هذه العمليات تمثل "صفعةً جديدةً للمشروع الإيراني في اليمن"، ودليلاً إضافياً على الانخراط المباشر لـ"الحرس الثوري" في تهريب المواد العسكرية للحوثيين. وأضاف أن طهران "تحاول تعويض خسائرها وتراجع نفوذها في سوريا ولبنان عبر تحويل الأراضي اليمنية إلى منصة لتهديد أمن المنطقة والممرات الدولية".
ورقة إيرانية
ويرى محللون عسكريون أن الحوثيين يستخدمون هذه التهديدات "ورقة ضغط سياسية وعسكرية واقتصادية" نيابة عن إيران، بعد تراجع قدرات الإيرانيين على التصعيد المباشر مع إسرائيل أو الغرب، خاصة بعد حرب الاثني عشر يوماً التي اندلعت في يونيو الماضي.
وبات يُنظر إلى الحوثيين أنهم الذراع الإيرانية الأهم، بعد تراجع نفوذ "حزب الله" في لبنان والمليشيات المدعومة من طهران في العراق وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا.
وتقول تقارير يمنية حكومية وأخرى استخباراتية غربية إن الحرس الثوري الإيراني مستمر في تزويد الحوثيين بتقنيات متطورة في مجال الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والرصد البحري، رغم محاولات فرض حظر دولي على تسليح المليشيا.
شريان حياة المتمردين
وتُمثّل عمليات التهريب شريان حياة أساسياً لمليشيا الحوثيين، حيث تؤثر بشكل مباشر ومحوري على أدائها العسكري والسياسي والاقتصادي، فبعيداً عن مصادر التمويل التقليدية، تُعد شبكات التهريب البحرية والبرية المصدر الرئيسي لتدفق الأسلحة والمعدات العسكرية إلى مناطق سيطرتهم.
وتساهم هذه الإمدادات، التي تتضمن صواريخ وطائرات مسيّرة وأنظمة اتصال وذخائر متقدمة (كما أشارت تقارير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن)، في تعزيز القوة القتالية للحوثيين بشكل مستمر، وتمكينهم من توسيع نطاق تهديدهم ليشمل الأمن الإقليمي والملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن.
ولا يقتصر تأثير التهريب على الأسلحة فحسب، بل يتجاوزه إلى الجانب الاقتصادي عبر تهريب المشتقات النفطية والأدوية والسلع الأخرى، والتي يتم التحكم بأسعارها وإيراداتها، كما يغذي هذا التحكم ما يُعرف بـ"اقتصاد الحرب" الذي تستفيد منه المليشيا لتمويل عملياتها، وتكريس سلطتها، وتجنيد المقاتلين من خلال تأمين الأموال اللازمة للدفع.
وعلى الرغم من الضربات الجوية والعقوبات الدولية، فإن استمرار عمل هذه الشبكات يُظهر قدرة الحوثيين على التكيف والتحايل، مما يقلل من التأثير الفعلي لتلك الإجراءات على إمداداتهم المالية والعسكرية، ويُديم قدرتهم على مواصلة الصراع وتعزيز قبضتهم الأمنية الداخلية.
