الأحد 04-12-2022 03:55:36 ص : 10 - جمادي الأول - 1444 هـ
آخر الاخبار

منظومة النصر في القرآن العظيم.. أنواعه، مؤهلاته، معوقاته، مراتبه

الأحد 20 نوفمبر-تشرين الثاني 2022 الساعة 05 مساءً / الإصلاح نت - خاص | عبد العزيز العسالي

  

مستهل:
حب النصر والانتصار غريزة فطرية "مركوزة" في وجدان الإنسان، فهو يحب النصر الحسي والمعنوي في مجالات حياته المختلفة حتى وإن وقع انتصاره في المكان الخطأ - ظلم للإنسان او إعانة ظالم وما شابه ذلك.

ونظرا لأهمية النصر وصلته بإرساء أسس السلام، وإقامة العدل، حفظا لكرامة وحرية وحقوق الفرد والمجموع، نجد أن القرآن العظيم قدم منظومة متكاملة عن مفهوم النصر أخذت حيزا واسعا في سياقات القرآن المختلفة.

غير أننا سنسلط الضوء على أبرز النقاط التي تمثّل العمود الفقري المكوّنة لمنظومة مفهوم النصر، وذلك على النحو التالي:

أولا، مفهوم النصر بين التفاؤل والأدوات:

1- الوهم المعرفي الموروث: موروثنا الثقافي الإسلامي صنع عند الكثير وهما معرفيا هشاً -إن لم نقل ساذجا- فتراه يخطف مفهوم النص القرآني قائلا: "النصر من الله".

2- تفاؤل يتجاوز منطق السنن: بنى القرآن منظومة النصر على أساس منهج سنني - اعتقادا، وأدوات، ومؤهلات، ومعوقات.

غير أن طغيان الموروث الثقافي خلق عماية تتجاوز المنهج السنني الذي أراده الله وطلب منا أن نؤمن بالمنهج السنني كونه جزء من عقيدتنا وقيمنا وشرعتنا الحضارية الخالدة.

تفاؤل مفرط في السذاجة وفهم مغشوش للتوكل، نابذا منهجية القرآن وراء ظهره ناقلا فقاقيع من التراث، المهم أنه قالها فلان.

- أتنكرون أن النصر من عند الله؟
- إيمانكم بالأسباب شرك أكبر، ذلك أن الأسباب خلقها الله وإذا شاء أبطلها، أليس كذلك؟
أنتم تنكرون قول الله: "وكان حقا علينا نصر المؤمنين".

هذا ديننا قاله أسلافنا الكبار - فلان وفلان، بحار العلم.

يعزز الطرح الآنف الموقف التالي:

3- بصيص الضوء في نهاية النفق: يستند ذوو الثقافة المتوارثة عموما وحول مفهوم النصر خصوصا إلى بصيص ضوء في نهاية الطريق فيظنون أن الطريق كلها ضوء وانتصار، وما أسرع اختطاف الاستدلال بمعجزات الأنبياء السابقين ونسيان منهج القرآن، والقائمة طويلة.

باختصار، الثقافة المتوارثة هي من أكبر المعوقات إن لم تكن أكبر عائق في ميدان سنن النصر العسكري والنهوض الحضاري.

ثانيا، حضور الدلالة اللسانية:

1- الجذر اللغوي: ن، ص، ر.
- مفردة "نَصَرَ" وردت في القرآن 77 مرة.

2- أحصينا مفردات النصر التي وردت بتصاريف مختلفة، مثل: أنصار، نصير منصور، انتصر.

3- قمنا بإحصاء المفردات المتضمنة دلالات متصلة بمفهوم النصر، مثل: شفاء الصدور، الظفر، الفتح، الثبات، العون، التمكين، وغير ذلك، فبلغت 73.

4- بلغ عدد مفردات منظومة مفهوم النصر 150 مفردة.

كل ما سبق خارج منهجية عوامل وأدوات ومؤهلات النصر.

ثالثا، أنواع النصر:

- اقتضت حكمة الله العليم أن يكون حب النصر غريزة فطرية "مركوزة" في الوجدان البشري.

- بما أن الله هو صاحب الخلق والأمر فقد استعمل القرآن مفردات النصر تضمنت دلالات ومفاهيم لغوية ونفسية بل واعتبار المآلات أنها نصر، فإلى التوضيح التالي:

1- النصر المادي البحت:

"ألم • غلبت الروم • في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون".

هذا نصر قادم من قانون حركة التاريخ، قانون التداول، "وتلك الأيام نداولها بين الناس".

هذا نصر لا علاقة له بإيمان ولا كفر، إنما هو قائم على القوى المادية.

2- النصر المذموم: في قصة النمرود وإحراق الخليل إبراهيم عليه السلام.. "حرّقوه وانصروا آلهتكم".

- يلحق به مناصرة الطغيان، والظلم، والصراعات القبلية، ومناصرة الأشخاص ضد المبادئ.

كل ذلك مذموم قرآنا وسنة "انصر أخاك ظالما"، أي رده إلى الحق، و"مظلوما" ليتمكن من أخذ حقه دون عسف أو ظلم.

3- النصر بمفهوم الانتقام:
"ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل".

هذا النوع سماه القرآن نصرا، علما بأنه انتقام، لكن القرآن سماه نصرا لأنه يلامس الغريزة الوجدانية المطروحة، فيشعر المنتقم أن جرحه هدأ والتأم.

4- النصر، نجاة حامل الفكرة: القرآن يرسم لنا منهجية النصر في ظروف محددة من زاوية النظر المقاصدي - اعتبار المآلات، قال تعالى: "إلّا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا"... إلخ.

- نجاة إبراهيم عليه السلام من كيد الوثنيين، فتحولت النار بردا وسلاما.

- نجاة النبي هود عليه السلام.. قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله - أي لنقتلنه ليلا في بيته، لكن الله "نجى هودا"، "فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين".

5- نصر الثبات على العقيدة: هذه صورة من صور النصر، حيث يثبت المنتصرون على عقيدتهم حتى الموت، فيخلدهم التاريخ للعالمين، قال تعالى: "قتل أصحاب الأخدود"... إلخ.

فقد ورد في السنة وكتب التاريخ أنهم ثبتوا وفضلوا الموت حرْقاً، ولا يتنازلون عن العقيدة.

6- نصر استحقاق بشروط:
قال تعالى: "وكان حقا علينا نصر المؤمنين".
هذا وعد باستحقاق النصر للمؤمنين، قال تعالى: "ولينصرن الله من ينصره".

لكن الوعد بهذا النوع من النصر لم ولن يحصل ما لم تتوفر السنن والأدوات، كما سنوضح لاحقا.

رابعا، أبرز مؤهلات النصر:

1- الإيمان بالله إيمانا راسخا لا يتزلزل، قال سبحانه:
- "ولينصرن الله من ينصره ورسله بالغيب".. انظر: "بالغيب".

- "كتب الله لأغلبن أنا ورسلي".
إذن، فالإيمان بالغيب هو أول مؤهلات واستحقاق النصر.

2- الإعداد حسب المستطاع:
قال تعالى: "وأعِدّوا لهم ما استطعتم من قوة".. نلاحظ مفردة "قوة" جاءت نكرة.. لم يقل "القوة".. والنكرة في سياق الإثبات تفيد العموم، أي استعدوا بكل وسائل ما تملكون من قوة، وعون الله ونصره سيأتيكم كونكم مؤمنين أولا، وامتثلتم أمر الله بإعداد القوة ثانيا.

3- التخطيط: باختصار، التخطيط جزء من إعداد القوة.

4- وضوح الهدف: حضور الهدف بقوة في مخيلة الجند يعتبر من العوامل المؤثرة في إحراز النصر، قال تعالى: "وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم".

نحن أمام هدفين واضحين، إمّا القافلة، وإمّا قيادة قريش.

5- وحدة القرار: هذا عامل يؤهّل الجند لإحراز النصر، ولكنه متصل اتصالا وثيقا بوضوح الهدف.

6- روح الفريق الواحد: باختصار، نقرر جازمين أن وضوح الهدف، ووحدة القرار، وروح الفريق: ثلاثة مؤهلات متداخلة حد التماهي في بعضها، وقد جمعها القرآن في نص واحد، قال تعالى: "وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين".

نلاحظ أن القرآن عطف طاعة القيادة "ورسوله" ولم يقل: وأطيعوا الرسول، ذلك أن طاعة الرسول هنا هي عين طاعة الله، وهذا يعطينا دلالة مكثفة حول تداخل مؤهلات النصر الثلاثة، فوضوح الهدف جاء من تشاور واقتناع.

- التشاور خلق الثقة بالقيادة.
- الثقة بالقيادة ووضوح الهدف خلق روح الفريق.. حضور روح الفريق يجسد ثلاثية لها دور قوي في إحراز النصر.

خامسا، معوقات النصر:

1- ضعف الإيمان، غياب الهدف، سوء التخطيط، ضعف الإعداد.. باختصار، الفردية في القرار ينتج عنها ملل وتذمر، تباطؤ، تنازع، غياب روح الفريق، ذهاب الريح - القوة، وصولا إلى الهزيمة.

سادسا، مراتب النصر - فلسفة النصر:

يعتبر هذا المحور أهم المحاور كونه يتضمن ثقافة لها أهميتها، ذلك أن ثقافة الفرد والمجموع بمراتب النصر تؤدي إلى:
- بناء شخصية الفرد والمجموع.
- بناء شخصية الأمة بتلك المدخلات يجعل الأمة ذات هيبة لدى الخصم.
- بناء شخصية الأمة يفشل وسائل وأساليب المرجفين - المنافقين... إلخ، هذا من جهة،
ومن جهة ثانية، على الرغم من أهمية مراتب النصر وفلسفتها فإننا سنقدمها بإيجاز فيما يلي:

1- النصر العسكري: غزوة بدر نموذجا للنصر العسكري الذي ألحق هزيمة نكراء خلدها التاريخ بسبب عدم تكافؤ القوى المادية، ومثلها غزوة الأحزاب وخيبر، قال تعالى: "ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة".. إذن هو نصر عسكري حاسم في إطار المعركة المحدودة.

2- الفتح - تهيئة الوضع: هذه المرتبة أقوى من سابقتها، علما بأنها قد تكون ناتجة إمّا عن نصر عسكري، وإمّا عن نصر سياسي دبلوماسي - صلح الحديبية نموذجا، قال تعالى: "إنا فتحنا لك فتحا مبينا".

إن فلسفة النصر في القرآن تلفتنا النظر إلى اعتبار المآلات المتمثلة في الاعتراف بقوة المسلمين، وتهيئة الجو لانتشار الدعوة، وهذا المآل أعظم وأثقل في ميزان القوة الإستراتيجية من دون شك.

كما أن هناك مآلا آخر وهو حرية انتقال المسلمين في التجارة وترتيب أوراق الفرد والمجموع.

الجدير ذكره أن القرآن يعلمنا كيفية النظر إلى اعتبار مآلات الأمور، في إطار نظري يتسق مع كليات الدعوة وأهدافها الغائية، وما أكثر العقليات التي تعيش في معركة السجالات الجزئية؟

3- التمكين والبناء الحضاري: قطعا هذه المرتبة هي الأعلى بلا نزاع، قال تعالى: "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني ولا يشركون بي شيئا".

وقال سبحانه: "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين • ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون".

الجدير ذكره أن النصين الآنفين حملا دلالات تضمنت: النصر، الفتح، التمكين، إغاظة الخصوم، وهذا لذة وجدانية. أما أكبر المآلات الكبرى فهي الإسهام في إرساء القيم الحضارية - كرامة الإنسان، الحريات، المساواة، خلق الرحمة، القيام بالقسط، أخلاقيات العلم، إطلاق القدرات، ونهوض حضاري.

تلكم هي فلسفة النصر في القرآن، ولقد شهد بهذا خصوم الإسلام، منهم على سبيل المثال:
- توماس أرنولد، في كتابه "الدعوة إلى الإسلام".
- توينبي، في كتابه "حضارة الإسلام".
- غوستاف لوبون، في كتابه "حضارة العرب".
- توماس كار لايل، في كتابه "محمد المثل الأعلى".
- واشنطن أرفينغ، في كتابه الضخم الفريد وغير مسبوق "محمد وخلفاؤه".
- مونتجمري وات، في كتابه "ما هو الإسلام".

نكتفي بهذا القدر على أمل اللقاء بعونه سبحانه مع نظرات في إعادة البناء الثقافي - تحليل ونقد وتبصير..

كلمات دالّة

#اليمن