الثلاثاء 04-10-2022 19:44:55 م : 8 - ربيع الأول - 1444 هـ
آخر الاخبار

تدمير العمل الخيري.. حرب حوثية ممنهجة تستهدف الفقراء

الخميس 18 أغسطس-آب 2022 الساعة 09 مساءً / الإصلاح نت-خاص | زهور اليمني

 

منذ انقلابها، بادرت مليشيات الحوثي إلى تدمير مؤسسات العمل الخيري من جمعيات، ومنظمات، وهيئات إغاثية، متسببة بحرمان الآلاف من الأسر الفقيرة والأيتام من المساعدات، فضلا عن شرائح ذوي الاحتياجات الخاصة كالمعوقين، والمكفوفين، ومرضى الثلاسيميا، إضافة إلى النازحين والمتضررين من الانقلاب، من المساعدات التي كانت تقدمها هذه الجمعيات.

الإحصائيات تشير إلى أن 128 منظمة وجمعية خيرية تعرضت لانتهاكات من قبل المليشيات، مقدرة خسائرها بأكثر من مليار ونصف المليار دولار.

وتشير الإحصائيات إلى أن إجمالي اليتامى الذين كفلوا في جمعيات خيرية محلية أو خارجية أكثر من 200 ألف يتيم، حيث كانوا يتلقون مساعدات نقدية، وعينية، كالمواد الغذائية، والملابس وغيرها، فضلا عن التدريب والتأهيل.

تشير التقارير إلى أن خسائر جمعية الإصلاح الخيرية فقط بلغت 100 مليون دولار، وأن مصادرة الجمعية وإغلاقها تسبب بأزمة لـ35 ألف يتيم في اليمن، وعشرات الآلاف الآخرين الذين يستفيدون من مشاريعها التعليمية، ومن الصعب تقدير قيمة الأضرار التي تعرض لها كل هؤلاء.

الانتهاكات التي تعرضت لها الجمعيات الخيرية والعاملون في المجال الخيري على يد الحوثيين كثيرة ومتعددة، فهم لم يكتفوا بإغلاقها فقط، حيث تنوعت تلك الانتهاكات ما بين احتلال للمقرات، ومطاردة واعتقال المسؤولين والعاملين في تلك الجمعيات، فضلا عن نهب ومصادرة ممتلكاتها ومكاتبها وبياناتها، ومحاربة مصادر تمويلها كرجال الأعمال، والتسبب بتوقف المساعدات الخارجية لها.

والسؤال الذي يتبادر للأذهان هو: لماذا حاربت المليشيات العمل الخيري؟

يجيب على هذا السؤال أحد الذين كانوا يعملون في إحدى تلك الجمعيات التي أُغلقت قائلا: "برغم أن تلك الجمعيات كانت تمارس عملها في وضح النهار، وتقوم بواجبات هي من صميم عمل الدولة، لكنها تخلت عن تلك المسؤولية واضطلعت تلك الجمعيات بها، ومع كل ذلك اعتبرت المليشيات أن أغلب تلك الجمعيات إنما هي بعض أدوات حزب الإصلاح، الذي كانت حرب الحوثي تستهدفه في المقام الأول، وانطلاقا من تلك القناعة كانت الجمعيات الخيرية في مرمى الاستهداف".

وأضاف: "لقد مارست المليشيات على هذا القطاع (القطاع الخيري)، حربا ضارية، حرمت الآلاف من المستفيدين من تلك الخدمات، وضاعفت معاناتهم، وهذا يتناقض مع مبادئ الدين التي تحث على مساعدة المحتاج والفقير واليتيم، فضلا عن تعارضها مع القانون الإنساني الدولي، ومع ما يدعيه الحوثيون أنفسهم من مبادئ، عندما قاموا بثورتهم المزعومة، وبدلا من مساندة هؤلاء المستفيدين، حرمهم الحوثيون مما كانوا يحصلون عليه. لنكن واضحين أكثر، استهداف المليشيات للمنظمات والجمعيات الخيرية والإنسانية منذ انقلابها، إنما هو جزء لا يتجزأ من أعمال القمع والإرهاب، التي مارستها بدوافع انتقامية سياسية واضحة".

الأنشطة التي تنفذها الجمعيات الحوثية مريبة:

شكلت الحرب التي أشعلها الحوثيون بيئة خصبة لظهور مئات الجمعيات الخيرية، التي تعمل على مستوى كافة المدن الخاضعة لسيطرتهم، بهدف الاستحواذ على أكبر الحصص من تمويل مجتمع المانحين السنوي عبر الأمم المتحدة، لتلبية خطة الاستجابة الإنسانية، والتي تصل إلى ملياري دولار سنوياً، فضلاً عن استغلال تلك الجمعيات للحصول على أموال من أبواب أخرى، سواء من جمعيات إغاثية إقليمية ودولية أو تجار محليين.

شهود عيان في محافظة عمران يؤكدون أن جميع المنظمات الخيرية التي تنشط في مناطق الحوثيين، تعمل وفق أجندة سياسية وفكرية خالصة، بعيدة عن العمل الإنساني والإغاثي، وأن حضور المنظمات والجمعيات الحوثية يتركز في القرى التي تمدّهم بعشرات المقاتلين، أو تعلن الولاء لهم بشكل مطلق، أما القرى التي تبدو صامتة فالمشاريع الحوثية فيها مجرد فتات.

تجدر الاشارة إلى أن المليشيات بعد إغلاقها لجميع الجمعيات الخيرية، استحدثت جمعيات جديدة طائفية مثل "بنيان"، و"الزهراء"، و"الصمود"، وغيرها، والتي تستحوذ على نصيب الأسد من التمويل الأممي والتبرّعات، إضافة إلى "مؤسسة الشهداء" و"هيئة الزكاة" اللتين تركزان على أنشطة دعائية ومشاريع موجّهة.

وخلافاً لأنشطتها المتمثلة في تسيير قوافل إغاثية للمرابطين في جبهات القتال، أو توزيع المواد الغذائية لأسر المقاتلين الذي ينشط موسمياً.

(ن. و) عاقل إحدى الحارات في أمانة العاصمة، يؤكد لنا أن الأنشطة التي تنفذها الجمعيات الحوثية مريبة، ولا علاقة لها بالعمل الخيري، حيث قال: "لدى الجمعيّات الخيريّة الحوثية عشرات الأهداف، التي تتستّر وراءها لجلب الأموال والتبرّعات، حيث قامت بتدشين أنشطة خيرية وهمية، مثل بنك الطعام والمخبز الخيري والمطعم الخيري وبنك الفقراء، والتي تتمحور أهدافها في توزيع الطعام المجاني، أو مساعدة المحتاجين من خلال منحهم القروض الميسّرة، لحلّ بعض المشاكل الاجتماعية وتعزيز روح التكافل، بالإضافة إلى تمويل المشاريع الصغيرة، لكن المشهد في الواقع يبدو مغايراً لما هو حاصل في أدبيات تلك الجمعيات، التي تقوم بجمع قاعدة بيانات للسكان، والمهن التي يعملون بها، ثم توعدهم بسلال غذائية لا تأتي، وبدلا من تقديم المساعدات للأسر الفقيرة تقوم هذه الجمعيات بجمع تبرعات من المواطنين لدعم جبهات القتال، حيث تقوم بتمرير ظروف صغيرة من أجل وضع مبالغ مالية بداخلها بشكل إجباري، ولا يشكل حجم المبلغ المُتبرع به أمراً مهماً بالنسبة للمليشيات، فالهدف الرئيسي لديها هو المشاركة فقط ولو بمبلغ 100 ريال، وهذا يعني أنك معهم وتشاركهم الهدف نفسه، ولست ضد تمويل عملياتهم الحربية".

أذهب إلى الجمعية لعلي أجد بابها مفتوحا:

يعيش أغلب المواطنين الذين يعيشون في المناطق الخاضعة لسيطرة الميلشيات تجويعا ممنهجا ليبقوا في الحاجة الدائمة، لتستمر هي في النهب والسلب لكل المؤسسات الحكومية والخاصة التي تعمل في المجال الإنساني، لدعم أتباعها من مقاتلين ومشرفين، حيث اقتصرت كل المساعدات الإنسانية الدولية والداخلية لمصالحهم الشخصية، والقيام بربطها بجبهاتهم القتالية.

تحدثت إلينا أم أحمد التي لديها ستة أطفال إضافة إلى زوج مقعد قائلة: "قبل أن يغلق الحوثيون الجمعيات الخيرية، كانت اسرتي تعتمد على ما تمدنا به هذه الجمعيات من مواد غذائية وعينية. كانت تلك المساعدات العينية والنقدية، التي تقدمها تلك الجمعيات تُدخل الفرحة إلى قلوبنا، وتساهم بشكل كبير في توفير متطلبات عام كامل، أما الآن فنموت جوعا ولا أحد يطرق بابنا".

وأضافت: "هناك جمعيات تابعة للحوثيين تنشط خلال شهر رمضان فقط، تقدم لنا جزءا من الاحتياجات الأساسية، مثل البُر (القمح) والأرز فقط، لا تكفينا لشهر واحد، وبقية العام لا تمدنا بشيء. هذه الجمعيات تحرص على منح المساعدات للأسر الحوثية والأسر الموالية لهم، أو التي تبعث أولادها للجبهات".

وتابعت: "لقد اضطررت إلى طرق أبواب كثيرة ليمنحوني بقايا طعامهم.. أطفالي يتضورون جوعاً ولا يوجد لدينا ما نأكله.. ولا أدري أين اختفت الجمعيات وفاعلو الخير الذين كانوا يساعدوننا طوال العام.. كثير من الأوقات أذهب إلى مقر جمعية الإصلاح، التي كانت ترعى أسرتي وتتكفل بعلاج زوجي، لعلي أجد بابها مفتوحا، لكن دون جدوى".

نعمل بسرية تامة وحذر شديد:

شهدت أنشطة المبادرات المجتمعية تراجعاً ملحوظاً خلال السنوات الماضية في مناطق سيطرة الحوثيين، وعلقت بعض المبادرات أعمالها، وتوقفت عن تنفيذ المشاريع الخيرية، على وجه الخصوص المشاريع الرمضانية مثل إفطار الصائم، وتوزيع السلة الغذائية، ومساعدات المرضى في المستشفيات وتقديم الخدمات لهم، وغيرها من الأنشطة التي اعتاد اليمنيون عليها سابقاً خلال أيام الشهر الفضيل.

حيث قامت المليشيات بمنع أي نشاط يخص هذا الجانب، ونشرت جواسيس بمعظم أحياء ومناطق العاصمة صنعاء، لمراقبة المبادرات الشبابية التي تقدم المعونات للأسر الفقيرة، إذ تعرض العديد من الشبان والشابات للاختطاف، حيث أجبرتهم الميليشيات على التعهد بعدم العودة للعمل التطوعي الإنساني، مقابل الإفراج عنهم.

"عادل" أحد الذين كانوا يعملون في العمل الخيري منذ سنوات، يحدثنا عن الوضع في ظل سيطرة الحوثيين قائلا: "نتيجة عملي في إحدى الجمعيات أصبحت على علم بأحوال الناس المحتاجة، والوضع المأساوي الذي أراه يجبرني على ممارسه ولو جزء بسيط من مساعدة تلك الأسر، بدعم من فاعلين خير مجهولين وبالخفية، خوفا من تهديدات الميليشيا".

وأضاف: "يتم التواصل مع الأسرة المحتاجة بسرية والتنقل بصعوبة بالغة، وفي حوزتنا بعض المساعدات التي يسهم فيها بعض فاعلي الخير في اليمن وخارج اليمن، حيث يتم تحويل مبالغ لبعض المتطوعين مثلي، على أجزاء بسيطة وبأسماء مختلفة، خوفاً من معرفة ميليشيا الحوثي ونهبها، ومطاردة المتطوعين.. وعملية شراء المواد الغذائية أيضا لا تتم بأعداد كبيرة كي لا تلحظ الميليشيا، وإنما بأعداد يسيرة وبشكل متفرق، وتوزيعها على المحتاجين بشكل حذر وسري".

أحد فاعلي الخير الذي كان ينشط في هذا الجانب، يقول إنه اعتاد إقامة مائدة يومية في رمضان، تمكنه من توفير بعض المتطلبات البسيطة التي تحتاجها الأسر في رمضان، وتغطي حاجة 350 أسرة، لكنه تفاجأ بعد أن وزع الطعام في اليوم الأول من رمضان، بمشرف الحوثيين في الحي يطلب حصة من الكميات الموزعة يومياً، دعماً للمجهود الحربي.

وأضاف: "عندما رفضنا، أجبرنا المشرف بمسلحيه على التوقف، وصادروا ما كان لدينا في المخزن من مواد غذائية".

إحدى العاملات في مجال المبادرات الشبابية، أفصحت عن تعرضها في رمضان الماضي لسلسلة من المضايقات، وعمليات مصادرة من قبل الزينبيات، هدفها منع ممارسة أي نشاط خيري بنطاق العاصمة، إلا تحت نظر وإشراف المؤسسات الحوثية، حيث قالت: "قمت أنا ومجموعة من الصديقات في رمضان الماضي بحملة واسعة لتأمين مساعدات نقدية ومواد غذائية متنوعة للكثير من الأسر ممن ضاق بهم الحال، نتيجة الظروف التي أوجدها الانقلاب الحوثي، وبعد مرور ثلاثة أيام من بدء توزيع هذه المواد على الأسر، قامت مجموعة من الزينبيات برفقة مسلحين، باقتحام المكان الذي يحتوي على المواد الغذائية، ونهب كل ما فيه".

وأضافت: "لم يكتفوا بذلك، بل توعدونا بالاعتقال والسجن في حال استمرينا في عملية توزيع المساعدات على الفقراء، مبررين ممارساتهم تلك بأن تلك المساعدات تعد مشبوهة، ولا تخضع لأي رقابة".

الزكاة تمنح حسب كشوفات معدة مسبقا:

في خطوة غير مسبوقة، خاطبت المليشيات رجال الأعمال، والبنوك، والشركات الكبرى، وحذرتها من خطورة دعم أي مشاريع أو برامج إغاثية أو خيرية، ما لم تكن عن طريق هيئتها الإغاثية.

كما قامت بمنع التجار في المحافظات الخاضعة لسيطرتها، من توزيع مساعداتهم النقدية والعينية في رمضان على الأسر الفقيرة، وفرضت عليهم تسليمها لها، في إجراء يمنع التكافل الاجتماعي، الذي اعتاد عليه اليمنيون خلال الشهر الفضيل بالذات.

التقينا بأحد التجار المعروفين لدى الأسر الفقيرة، بكرمه وسخائه خلال شهر رمضان خاصة، وطوال السنة عامة، والذي حدثنا عن المعوقات التي فرضتها المليشيات على التجار بهذا الجانب، حيث قال: "لقد ألزمت المليشيات الحوثية خلال السنوات الأربع الماضية تجار العاصمة صنعاء وملاك المحال التجارية الكبيرة والصغيرة والمتوسطة في رمضان، بدفع زكاة أموالهم للهيئة الحوثية، متوعدين بعقوبات مالية كبيرة للذين سيقومون بدفع الزكاة لأي جهة أخرى أو أسر مستحقة، سواء كانت مبالغ نقدية أو حتى سلال غذائية، واشترطت علينا نحن التجار بتوزيعها تحت إدارتهم واشرافهم، وبحسب الكشوفات التي تصلنا منهم".

وتابع: "إضافة للمضايقات والكشوفات المختلفة لتوزيع المساعدات الغذائية السنوية في رمضان، غير تلك التي اعتدنا نحن التجار على توزيعها سنوياً، تم مضاعفة الإتاوات على كل تاجر يقوم بتوزيع مساعدات بعيدا عن إشراف الحوثيين".

تاجر آخر لبيع المواد الغذائية بالجملة، تحدث إلينا قائلا: "طلب الحوثيون منا عدم توزيع أي مساعدات غذائية للسكان إلا بعد تصريح منهم، وعندما ذهبنا من أجل استخراج التصريح كانت الشروط كثيرة، من ضمنها أنهم فرضوا كشوفات بأسماء لتسليمها المساعدات، وإسقاط أسماء ممن نساعدهم سنوياً، بالإضافة إلى أنهم يطلبون مضاعفة ما نوزعه على الأسماء التابعة لهم، إما أن نلتزم بها أو نسلم لهم ما نوزعه وهم يتصرفون بها، كل ذلك بحجة أنهم يريدون توزيع المساعدات على جميع الناس".

كلمات دالّة

#اليمن