الثلاثاء 04-10-2022 19:36:44 م : 8 - ربيع الأول - 1444 هـ
آخر الاخبار

مخاطر المليشيات على استقرار ووحدة الدول.. اليمن أنموذجًا

الأربعاء 17 أغسطس-آب 2022 الساعة 08 مساءً / الإصلاح نت-خاص | مدين قاسم

 

تهديدات رئيسية تواجهها الدول، خصوصًا تلك التي تشهد صراعات وانقلابات؛ كحال اليمن الذي لا يزال يعيش حربا مدمرة منذ ثماني سنوات، منذ انقلاب المليشيات الحوثية على الدولة في سبتمبر 2014، وتمثل المليشيات المسلحة أبرز التهديدات للدولة اليمنية، وثوابتها الوطنية.

لا تقتصر خطورة المليشيات المسلحة على ارتباطها بأطراف خارجية وحسب، وإنما يتعدى خطرها إلى وقوفها وراء الأزمات المختلفة التي تعانيها هذه الدول في مختلف المجالات، ومنها اليمن، الذي يعاني أزمات مختلفة على كافة المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية.

تعمل المليشيات المسلحة على استنزاف قدرات الدول، وإصابتها بالشلل التام الذي يجعلها عرضة لانتهاك سيادتها، والتدخلات الخارجية، وصولا إلى مرحلة العجز عن ممارسة أدوارها الوطنية، كدول ذات سيادة واستقلال، فتتحول إلى دولة وظيفية لحماية مصالح ممولي المليشيات المسلحة، كحال إيران التي تقوم بتمويل مليشيات الحوثي، وتجعل من المليشيا الانقلابية في مناطق سيطرتها أداة وظيفية لحماية مصالحها في اليمن والمنطقة.

وهكذا تتحول المليشيات خصوصًا مع استمرار الدعم والتمويل لها إلى خطر قائم، وتهديد وجودي للدولة الوطنية، ولعلّ ما يحدث في اليمن منذ انقلاب المليشيا الحوثية المدعومة إيرانيًا خير مثال على هذا الخطر الذي بات يهدد أمن اليمن أرضًا وانسانًا، وكذا الجيران والأشقاء والمجتمع الدولي برمته.

 

المليشيات وخطرها على وحدة الدول

إضافة إلى ما سبق، تقوّض المليشيات المسلحة وحدة البلدان، وتحولها إلى مناطق وكنتونات تحت مسميات طائفية وسلالية ومناطقية، كأحد تجليات هذه المخاطر التي تعبّر عنها المليشيات المسلحة، التي تمثل تحديّا للدولة الوطنية، خصوصًا مع تمسكها بأسلحتها، ورفض أي محاولات لإدماجها في إطار الدولة، الأمر الذي يجعلها قنبلة موقوتة قابلة للانفجار، وهو ما يستدعي الوقوف بحزم أمام هذه المليشيات التي باتت تمتلك ترسانة من الأسلحة والدعم ما قد يفوق الدعم الذي يتلقاه الجيش الوطني في مختلف المجالات.

ولعلّ المتتبّع لممارسات هذه المليشيات الخارجة عن القانون، في مختلف الدول العربية التي شهدت صراعًا خلال العقد الأخير، يلحظ كيف باتت تهدد وحدة الدول، سواء في لبنان أو في العراق، أو في اليمن، التي باتت الثوابت الوطنية كالوحدة والجمهورية تواجه تهديدًا وخطرًا وجوديًا؛ بسبب هذه المليشيات المسلحة.

وما يجدر الإشارة إليه في هذا الصدد، ما تشهده لبنان من مخاطر محدقة بالدولة الوطنية، رغم أنها لم تدخل في حرب، لكن ممارسات مليشيا "حزب الله"، مثّلت أكبر تهديد وجودي للدولة الوطنية، خصوصا مع محاولاتها المستمرة للسيطرة على مؤسسات الدولة الرسمية، والتحكم في عملية صنع القرار، حيث كانت نتائج هذه المليشيات تدمير الاقتصاد اللبناني، وانهيار قيمة العملة لتفقد أكثر من 90% من قيمتها.

وفي العراق، باتت مليشيا الحشد الشعبي، تمثّل تهديدًا وجوديًا للدولة الوطنية في العراق، وباتت الدولة عاجزة عن مواجهة هذه المليشيات التي نمت برعاية إيرانية، وبدعم حكومي؛ لتمثل خنجرًا مسمومًا تحتفظ به إيران لطعن خاصرة الدول العربية، تنفيذًا لأجنداتها التوسعيّة، وأهدافها الطائفية.

وهكذا باتت خطورة هذه المليشيات الطائفية المسلحة، لا تقتصر على زعزعة الأمن والاستقرار في الدول التي تتواجد فيها، وإنما يمتدّ خطرها إلى كل مفاصل الدولة، من خلال ممارسة الضغط على قيادة الدول اتخاذ قرارات في مختلف المجالات نيابة عنها، والذي قد يجعلها تورّط الدول في التنازل عن سيادتها وثوابتها الوطنية، خدمة لأجندة المليشيات التي باتت تتحكم في القرار، الأمر الذي يفاقم الأزمات التي تواجه الدولة الوطنية.

 

اتفاق الرياض

لم تكن اليمن بمعزل عما تواجهه كثير من الدول التي تواجه الدولة الوطنية فيها خطر المليشيات المسلحة، ولذلك سارعت قيادة الشرعية والحكومة اليمنية بالعمل على تنفيذ إصلاحات مهمة في هذا الإطار لتوحيد قوات الجيش والأمن تحت إطار وزارتي الدفاع والداخلية.
وكان أبرز هذه القرارات هو القرار الذي اتخذه الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي، لدمج قوات المقاومة الشعبية في إطار الجيش الوطني، ناهيك عن عقد الاتفاقات التي رعتها المملكة السعودية لحلحلة هذا الملف الهام، ومنها اتفاق الرياض الذي وقّع في مطلع نوفمبر 2019، برعاية سعودية، وبحضور الرئيس السابق هادي، ووليي عهد السعودية والإمارات.

ونصّ الاتفاق على إعادة هيكلة قوات المجلس الانتقالي، وضمّها في قوام وزارتي الدفاع والداخلية، وتشكيل حكومة جديدة، ناهيك عن بعض الاجراءات الهادفة إلى الحد من بقاء التشكيلات المسلحة خارج إطار الدولة، لما لذلك من مخاطر على الدولة وثوابتها الوطنية.

ولعلّ الملاحظ، أنه ورغم مضي نحو ثلاثة أعوام على إبرام اتفاق الرياض، إلا أنه -وبحسب مراقبين- قد فشل، خصوصا مع عرقلة تنفيذ أهم بنوده المتعلقة بهيكلة القوات وضمها إلى قوام وزارتي الدفاع والداخلية، الأمر الذي أخّر إعلان الحكومة قرابة عام، حيث كان تشكيل حكومة جديدة واحدًا من بنود الاتفاق المبرم بين الشرعية والمجلس الانتقالي، وذلك مع رفض بعض القوى إخراج القوات من عدن تنفيذا للاتفاق، والضغط في اتجاه تشكيل الحكومة قبل تنفيذ الشق العسكري والأمني من الاتفاق، وهو ما حصل حين إعلان الحكومة في ديسمبر 2020م، دون تنفيذ الشق العسكري والأمني من الاتفاق ذاته.

 

إعلان نقل السلطة

جاء إعلان نقل السلطة من قبل الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي، إلى مجلس القيادة مطلع نيسان/أبريل المنصرم، متضمنًا ذات البند الذي نصّ عليه اتفاق الرياض، المتعلق بتشكيل لجنة عسكرية وأمنية مشتركة لإعادة هيكلة التشكيلات المسلحة ودمجها في إطار وزارتي الدفاع والداخلية.

وتنفيذا لهذا الأمر، أقر مجلس القيادة الرئاسي، أواخر مايو الماضي، تشكيل اللجنة الأمنية والعسكرية المشتركة لتحقيق الأمن والاستقرار، وإعادة هيكلة القوات المسلحة والأمن، مكونة من 59 عضوًا برئاسة اللواء الركن هيثم قاسم طاهر، واللواء الركن طاهر علي العقيلي نائبًا، والعميد ركن حسين الهيال عضوا مقررًا.

وشكلت اللجنة العسكرية والأمنية بموجب المادة (5) من إعلان نقل السلطة، الذي نصّ على تحقيق تكامل القوات تحت هيكل قيادة وطنية موحدة في إطار سيادة القانون، وإنهاء الانقسام وجميع النزاعات المسلحة، ووضع عقيدة وطنية لمنتسبي الجيش، والأجهزة الأمنية.

ورغم تأكيد قيادة اللجنة في تصريحاتها على أنها قد قطعت أشواطًا كبيرة في سبيل تحقيق هدفها المعلن، والذي يقضي بتوحيد الفصائل المسلحة مع قوات الجيش، إلا أن الأحداث الأخيرة التي شهدتها شبوة، كشفت عن صعوبة المهمة، خصوصا بعد سيطرة المليشيات المسلحة، وقيامها بالتعدي على الجيش والثوابت الوطنية، وأهمها العلم الجمهوري، الذي يمثل هويّة اليمن الجامعة، والذي لا يمكن الانتقاص منه أو التقليل من شأنه بأي حال من الأحوال.

 

المسؤولية الوطنية

وهكذا تمثل المليشيات المسلحة الخارجة عن القانون تهديداً وجوديا للدولة الوطنية، ما يتطلب ضرورة التحرك لاحتوائها، وممارسة ضغوط حقيقية على الأطراف والقوى الخارجية التي تدعمها وتقف وراءها؛ وعدم التساهل في هذا الأمر، لما لذلك من مخاطر كبيرة؛ ليس على الدول الوطنية وحدها بل لما تمثله من مخاطر على الأمن والسلم الدوليين، ولعلّ ما تقوم به المليشيات الانقلابية من تهديدات للملاحة الدولية، ومخاطرها على التجارة العالمية، خير شاهد على ذلك.

ومع تنامي هذا الخطر الذي تشكّله هذه المليشيات على الدول الوطنية، الأمر الذي يستدعي ويتطلّب سرعة التحرك لاحتواء هذه المليشيا، على المستويين الوطني والدولي. أما فيما يخص المليشيات الحوثية فقد بات لزاما على المجتمع الدولي تحمّل مسؤوليته في مواجهة مخاطرها وممارساتها التي تمثل انتهاكًا للقانون الدولي، ومبادئ السيادة الوطنية، وتمثل تهديدًا للأمن والسلم الإقليمي والدولي.

ومن المهم التذكير بأن هذه المليشيات الممولة خارجيًا في مختلف دول المنطقة ومنها اليمن، تسعى إلى خلق الأزمات ومن ثم توظيفها لخدمة الأجندة الإيرانية، بحيث تغدوا تلك المليشيات إحدى الأوراق التي تتفاوض بها إيران مع الدول الكبرى فيما يتعلق بمصالحها، للحصول على تنازلات غربية تتجاوز حتى مصالح المليشيات التي تموّلها.

وأخيرًا، فإن التساهل اليوم مع المليشيات المسلحة الخارجة عن القانون، يمثل تهديدا حقيقيًا يواجه اليمن، أرضًا وإنسانًا، خصوصًا وأن لنا تجارب سابقة مع هذه المليشيات، التي كان يتم دعمها والتسهيل لأنشطتها المعادية، لتنفيذ مشروعها الإيراني في اليمن، وباتت تمثل خطرًا حقيقياً على اليمن، والأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجي، وكذا الأمن والسلم الدوليين، الأمر الذي يستدعي مواجهة ذلك بحزم، حتى يمكن استعادة الدولة وإعادة بناء الوطن.

كلمات دالّة

#اليمن