الثلاثاء 04-10-2022 18:53:49 م : 8 - ربيع الأول - 1444 هـ
آخر الاخبار

المنظمات في اليمن.. كيف تحولت إلى صندوق إيرادي لدعم الحوثيين؟

الخميس 11 أغسطس-آب 2022 الساعة 05 مساءً / إلاصلاح نت- خاص | مدين قاسم

 

منذ سيطرتها على العاصمة صنعاء، في سبتمبر 2014، سعت مليشيا الحوثي إلى وضع يدها على كافة مؤسسات الدولة، بما فيها منظمات المجتمع المدني المحلية، والمنظمات الدولية، حيث عملت المليشيا الإيرانية على ابتزاز المنظمات، ورفض تجديد تصاريحها للعمل إلا بعد تنفيذ شروطها التي تقضي بتسخير مشاريع المنظمات لصالح عملها المليشياوي سواء كانوا أفرادًا أم مؤسسات.

ومع طول مدة الحرب، وجدت المنظمات الدولية نفسها أمام كماشة المليشيا الحوثية، التي أجبرتها على تسخير الأموال والمشاريع لخدمة أجنداتها الطائفية والسلالية، عبر مسميات مختلفة، كلها تؤدي إلى الغرض ذاته، وهو تقوية أذرع المليشيا بمختلف توجهاتها العسكرية والمدنية والاجتماعية.

ورغم الممارسات والمضايقات التي تقوم بها مليشيا الحوثي ضد العاملين في المجال الإنساني وتحديدا المنظمات الدولية، إلا أن المنظمات لا تزال تمانع في نقل مكاتبها الرئيسية إلى العاصمة المؤقتة عدن، وعدم استجابة الدعوات المتكررة التي تطلقها قيادة الشرعية، رئاسة وحكومة، في محاولة لإخراج المنظمات من دائرة الضغوطات التي تمارسها قيادة المليشيا عليها، والتي أجبرتها على تنفيذ مشاريعها وفقا لأجنداتها، التي تتناقض مع العمل الإنساني، الذي يعد "الإنسانية والحياد" أحد أهم أركانه، حيث بات المتتبع لعمل كثير من المنظمات يجدها وكأنها قد تحولت إلى صندوق إيرادي، وخزينة مالية لدعم المليشيا الإيرانية.

المنظمات المحلية وكماشة الحوثي

قبل الحديث عن المنظمات الدولية، كان لمنظمات المجتمع المدني المحلية في اليمن حضورًا بارزًا في مختلف المجالات، وكانت تعمل كرديف مساند لعمل الحكومة، حتى جاء الانقلاب الذي نفذته مليشيا الحوثي في 2014، وأفرغت العمل المدني من محتواه، إما عبر استنساخ منظمات تابعة لها، وإجبار المانحين على تنفيذ المشاريع عبرها، أو من خلال إغلاق تلك المنظمات والمؤسسات واختطاف العاملين فيها.

كما عملت المليشيا الانقلابية على محاولة تحويل العمل المدني إلى ممحاة لكل جرائمها المرتكبة بحق الشعب اليمني، من خلال إجبارها على إصدار بيانات بين كل وقت وأخرى، تبرر ما تقوم به من جرائم، وتحمل التحالف والحكومة الشرعية مآلات جرائمها التي ارتكبتها في مختلف المحافظات.

واستطلع المحرر آراء بعض قيادات العمل المدني بصنعاء، والذين أكدوا أن دورهم في مناطق سيطرة الحوثي بات وكأنه محصور في إصدار بيانات التأييد أو التنديد أو المطالبة أو الاستغاثة وفقا للتوجيهات الحوثية التي تلزمهم بإصدارها، وكذا إجبارهم على تبني مواقف طائفية تتعارض كليًا مع قيم العمل المدني والإنساني.

وأكدوا أن المليشيا باتت تبتز المنظمات في كل مناسبة طائفية ودينية تقوم بإحيائها على مدار العام، وإجبار هذه المنظمات والمؤسسات على تمويلها، وحرمان المنظمات التي ترفض ذلك من الحصول على مشاريع من قبل المانحين تارة، وكذا رفض تجديد تصاريحها تارة أخرى، ناهيك عن اضطرار مئات المؤسسات المدنية للإغلاق نتيجة عدم وجود الدعم، ووحدها المؤسسات الحوثية التي تعمل وبتمويل من المنظمات الدولية.

ناهيك عن قيام المليشيا الانقلابية بإجبار التجار الذين كانوا يقومون بصرف جزء من زكاتهم مقدارها (25%) لصالح العمل الإنساني، وفقا لقانون الزكاة رقم (2) لسنة 1999، والذي نص على أنه "للمزكي شخصًا كان طبيعيًا أو اعتباريًا توزيع 25% من مجموع الزكاة على الفقراء والمساكين".

وعوضًا عن ذلك قامت المليشيا بإجبار التجار على تسليم الزكاة كاملة لهم، ولم تكتف بذلك، بل قامت بإغلاق المؤسسات الخيرية والمدنية التي كانت تعتمد على الدعم المقدم لها كموازنة تشغيلية من التجار وفاعلي الخير، ناهيك عن السجن أو التهديد بالسجن للتجار الذين كانوا يقومون بعملية توزيع السلال الغذائية أو المبالغ النقدية للمحتاجين، استمرارًا لما دأبوا على تنفيذه خلال السنوات الماضية، وفقا لما نصّ عليه القانون آنف الذكر.

دعم الحوثيين وحرمان اليمنيين

وبالعودة إلى المنظمات الدولية، فإن الملاحظ هو تنوع أساليب الابتزاز الحوثي للمنظمات الدولية، من خلال إجبارها على تبني المشاريع التي تصبّ في صالح دعم مقاتليهم ومليشياتهم في مختلف الأماكن، وفقا لما كشفته وثيقة صادرة من المدعو طه المتوكل، المعين من قبل المليشيا الحوثية وزيراً للصحة، عن تجييرها لأموال الدعم الذي تقدمه المنظمات الدولية، خصوصًا الطبية، لصالح حربها ضد اليمنيين.

وحسب الوثيقة، فقد وجّه المتوكل ما تسميها المليشيا "الهيئة العامة للزكاة"، بتوفير مستحقات 23 سائقاً من سائقي سيارات الإسعاف والمتوقفة منذ أكثر من سنة ونصف السنة، نتيجة توقف دعم المنظمة -لم يسمها- في إشارة إلى تجيير عمل المنظمات لصالح مقاتليهم في الجبهات، وإلزام المنظمات بدفع رواتب مالية لهم.

يأتي هذا في وقت أكدت فيه تقارير ذهاب مساعدات المنظمات الدولية لصالح مليشيا الحوثي، التي تعمل على الاستئثار بها لتزويد مقاتليها، بينما تحرم ملايين اليمنيين في مناطق سيطرتها من أي مساعدات، وإلزام المنظمات التي تقدم مساعدات إنسانية سواء في مجال الغذاء أو التعليم أو غيرها من المشاريع بفرض نسبة معينة عليهم من الموالين لها، حتى ولو كانوا من غير المستحقين لتلك المساعدات، مقابل حرمان اليمنيين الذين قد يكونون أكثر استحقاقا من عناصر المليشيا.

إضافة إلى ما سبق، تقوم المليشيا بمنع المنظمات العاملة في المجال الإنساني من تنفيذ بعض الدورات التدريبية، وإجبارها على إحضار موالين لهم في التدريب، وكذا اشتراطهم أن يكون المدرب تابعا لهم، أو من الموالين لهم، حتى يسخرون الدورات لصالح أفكارهم الطائفية، حتى ولو لم يكونوا من المؤهلين لذلك.

نفوذ حوثي واسع

مع تواجد غالبية مكاتب المنظمات الدولية ومقراتها الرئيسية في صنعاء، وعملها تحت سلطة مليشيا الحوثي الانقلابية، يرى مراقبون أن مليشيا الحوثي تمتلك نفوذا واسعا داخل أروقة المنظمات الدولية، وتتدخل في توجيه كافة الأنشطة الإنسانية وتدخلاتها في اليمن.

وحسب مراقبين فإن مليشيا الحوثي تفرض قيودًا واسعة على عمل المنظمات الدولية، وذلك ضمن مخطط السيطرة على القطاع الإنساني، وقطاع الإغاثة في اليمن بشكل مباشر، لكن المشكلة -بحسب المراقبين- هي التماهي الدولي مع تلك المخططات الحوثية، ورفض المنظمات نقل مكاتبها الرئيسية إلى عدن استجابة لدعوات الرئاسة والحكومة اليمنية.

يأتي هذا في الوقت الذي كثفت فيه المليشيا الحوثية من إجراءاتها التعسفية بحق المنظمات الإنسانية والإغاثية العاملة في العاصمة صنعاء، في خطوة منها لتقييد عملها والتحكم به أكثر، خصوصاً بعد تصنيف الإدارة الأمريكية لها كجماعة إرهابية.

وأظهرت وثيقة نشرها ناشطون على مواقع التواصل في وقت سابق، إلزام المليشيا الحوثية المنظمات الإنسانية بتعبئة استمارات تطلب فيها بيانات شاملة للموظفين، بما فيها الانتماء السياسي والديني، وذلك بالتزامن مع تحويلها عمل المنظمات الإنسانية إلى سوق للابتزاز، وتجيير العمل الإنساني لصالحها، في الوقت الذي تحرم فيه ملايين المواطنين من المساعدات التي تذهب إلى جيوب مشرفيها، أو إلى تغذية حربها المستمرة.

ورغم التنديد والاستنكار الأممي الواسع إزاء إجراءات مليشيات الحوثي، لكن ذلك غير كافٍ، حيث يتهم مراقبون المنظمات الدولية بالتماهي مع مليشيا الحوثي، ومساعدة المليشيا من خلال تنفيذ أنشطتها وفقا للأجندة الحوثية، وتحويل بعض مشاريعها إلى غطاء للدعم الحوثي في مختلف المجالات، رغم التدخلات الحوثية في العمل الإنساني عبر محاولة تأثيرها باختيار المستفيدين من تلك المساعدات والشركاء المنفذين.

تواطؤ أممي أم ابتزاز حوثي؟

يثير التماهي الأممي مع مليشيا الحوثي تساؤل الكثير من المراقبين في اليمن، حول آلية العلاقة بين المنظمات الدولية، ومليشيا الحوثي، وما سر التماهي الأممي مع المليشيا الانقلابية، رغم الممارسات والابتزازات التي تقوم بها المليشيا ضدها؟

يبدو هذه التساؤلات منطقية مقارنة بالتماهي الأممي مع كل تلك الابتزازات الحوثية، وكذا قبولها بتنفيذ أنشطة طائفية وسلالية تتنافى مطلقا مع العمل الإنساني، الذي جاءت للعمل في إطاره وتحت شعاره، فضلا عن صمتها إزاء قيام المليشيا بنهب المساعدات الإنسانية في اليمن، وتحويلها إلى أداة حرب ضد اليمنيين، وسط صمت المنظمات رغم معرفتها بعملية السلب والنهب الممنهجة التي تقوم بها المليشيا للمساعدات في مختلف مناطق سيطرتها.

ومن المهم التذكير في هذا السياق بالتقرير الذي نشرته صحيفة "الغارديان البريطانية" مطلع 2019، والذي كشف عن معرفة المنظمات الدولية بالنهب الذي تقوم به المليشيا للمساعدات الغذائية في اليمن، وحرمان مستحقيها من اليمنيين مقابل توزيعها على مقاتلي المليشيا في الجبهات، وباتت المساعدات الإنسانية أداة حوثية لابتزاز المواطنين للدفع بأبنائهم إلى الجبهات مقابل الحصول على هذه المساعدات.

وحسب الصحيفة، فإن موظفي الإغاثة كانوا على علم لعدة أشهر بتورط مليشيا الحوثي في نهب المساعدات الغذائية في العاصمة صنعاء وبقية المناطق التي تسيطر عليها والتلاعب ببيانات مسوحات سوء التغذية التابعة لمنظمات الأمم المتحدة.

وأقر موظفو الإغاثة بأن بيانات المسوحات الميدانية تعرضت للتزوير نتيجة اعتماد وكالات الإغاثة على مقربين من الحوثيين في جمع بيانات الفقراء، يأتي هذا في أعقاب إعلان برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة عن توثيق أدلة على تورط مليشيا الحوثي في الاستيلاء على المساعدات الإغاثية المقدمة لليمن، وقال البرنامج في بيان له إن "الحوثيين يسرقون الطعام من أفواه الجائعين".

استغلال المنظمات استخباراتيًا

وعوضا عن استغلال المليشيا لعمل المنظمات في تنفيذ أجنداتها الطائفية والسلالية، تعمل المليشيا على استغلال معلومات المنظمات استخباراتيًا، وتجييرها لصالح أجندتها، من خلال الحرص على أن تحصل على كل المعلومات أو ما يعرف "بالداتا"، من المنظمات الإغاثية والإنسانية العاملة في صنعاء ومختلف المحافظات.

وأكدت وثيقة -تداولها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي- استغلال المليشيا الحوثية الانقلابية عمل المنظمات استخباراتياً، عبر ما يسمى بـ"المجلس الأعلى لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية والتعاون الدولي"، والذي يستحوذ على كل المعلومات التي يحصل عليها من المنظمات الدولية العاملة في صنعاء وغيرها من المحافظات.

وحسب الوثيقة الحوثية المسربة من المجلس إياه إلى المنظمات المحلية والدولية تهدف إلى جمع البيانات واستغلالها لصالح أجهزة المليشيا لاستخباراتية القمعية، حيث جاء فيها تهديد المنظمات بالإغلاق والطرد حال قيامها بأي أنشطة افتراضية عبر شبكة النت دون أخذ الإذن منه وتزويده ببيانات تلك الأنشطة.

وتمنع الوثيقة المنظمات الإنسانية والإغاثية من تنفيذ أية أنشطة أو مشاريع عبر مواقعها في الإنترنت، أو استخدام موظفيها "في أعمال دراسة أو رصد أو ما شابه"، أو عقد أي اجتماعات افتراضية، إلا بعد موافقة المجلس الحوثي وتزويد أمانته العامة بالأدبيات، متوعدا المنظمات المخالفة بالإغلاق والطرد من مناطقها.

واعتبر عاملون في المجال الإنساني أن الإجراء الحوثي هو استمرار لانتهاكاتها، وأنه يأتي استباقاً لتحذيرات سابقة للمنظمات الدولية بإغلاق مكاتبها في صنعاء، رفضا لهذا التعميم، فأرادت التحكم بالمنظمات المحلية، لأن المعلومات والبيانات للنازحين والمحتاجين وغيرهم كانت تجدها من المنظمات الدولية.

وأكدوا أن تعميم المليشيا يهدف إلى استمرارها في الحصول على حصتها من الإغاثات ومصادرتها، إضافة إلى أنها فرخت المئات من المنظمات التي تعمل تحت يافطة الإنسانية، وهي تشتغل من أجل طائفية الحوثيين، حيث يصب عملها ضمن المجهود الحربي للمليشيا.

يأتي هذا في الوقت الذي تواجه فيه مليشيا الحوثيين الانقلابية -التي تتولى استلام وتوزيع أطنان من المساعدات الإنسانية التي تصل أسبوعيا عبر مطار صنعاء الدولي- اتهامات ببيع كميات كبيرة منها في الأسواق كواحدة من وسائل الإثراء، وتوزيع البقية وفق معيار الولاء لها.

اتهامات حكومية للمنظمات بالتواطؤ

في وقت سابق، اتهمت الحكومة اليمنية المنظمات الدولية بالتهاون مع جرائم مليشيا الحوثي، والصمت إزاء انتهاكاتها بحق اليمنيين والمختطفين تحديدا، في الوقت الذي اتهم رئيس الحكومة السابق أحمد عبيد بن دغر مليشيا الحوثيين بممارسة ضغوط على المنظمات الأممية العاملة في صنعاء.

تجلى ذلك من خلال البيانات المغلوطة التي تقدمها المليشيا للمنظمات الدولية بصنعاء، ومنها تقرير مفوضية حقوق الإنسان بشأن اليمن في وقت سابق، والذي قالت الحكومة اليمنية حينها إنه تضمّن "معلومات مضللة وكاذبة ومزيفة، وإن فقراته تفتقد إلى الحيادية والمهنية"، حيث اعتمد التقرير على المعلومات المضللة التي تقدمها المليشيا لمكاتب المنظمات في صنعاء، وتكتفي بها المنظمات لتقييم الوضع في اليمن.

ويرى مراقبون أن المنظمات الأممية العاملة بصنعاء تتعرض لضغوطات من مليشيات الحوثي، لنقل معلومات مضللة، داعين المنظمات لنقل مكاتبها إلى العاصمة المؤقتة عدن، والعمل بحيادية ومهنية، مشيرين إلى أن التقارير الأممية بعضها لم يتطرق إلى انقلاب مليشيا الحوثي المدعومة من إيران على السلطات والسيطرة على العاصمة صنعاء، ونهب مليارات الدولارات، وارتكاب المجازر بحق المدنيين.

ما سبق يكشف الممارسات التي تقوم بها مليشيا الحوثي في ابتزاز المنظمات الدولية، مقابل صمت المنظمات الأممية إزاء تلك الممارسات الحوثية، التي باتت تثير علامات الريبة حيال هذه المواقف المهادنة للممارسات الحوثية، ويبقى السؤال: هل الصمت عجز أممي في مواجهة تغول المليشيا أم تواطؤ معها؟

كلمات دالّة

#اليمن