الثلاثاء 04-10-2022 20:34:04 م : 8 - ربيع الأول - 1444 هـ
آخر الاخبار

محافظة البيضاء.. سيرة صمود وتضحيات أرهقت مليشيا الحوثيين

الثلاثاء 09 أغسطس-آب 2022 الساعة 06 مساءً / الإصلاح نت - خاص | صادق عبد المعين

  

لم تكن محافظة البيضاء اليمنية بمناطقها ومديرياتها المترامية بمنأى عن الصراع الدائر بين الحكومة اليمنية الشرعية ومليشيا الحوثي الإرهابية منذ ثمانية أعوام تقريبا هي عمر الحرب المشتعلة في اليمن، أو ترتضي الصمت في ظل ما يحدث من جرائم مستمرة بحق أبناء المحافظة والشعب عموما، بل كانت ضمن المحافظات الأكثر صمودا ومواجهة لجرائم الحوثيين ومشروعهم الانقلابي.

ومنذ اندلاع شرارة الحرب في اليمن، وتحديدا في العام 2014، كانت المحافظة سباقة في التصدي لزحف المليشيا الحوثية لالتهام المحافظات اليمنية وتوسيع نفوذها في مناطق واسعة من اليمن، واشتعلت جبهاتها المختلفة، وهب أبناؤها للدفاع عنها بمختلف انتماءاتهم، وقدموا في سبيل ذلك تضحيات جسيمة، من ممتلكاتهم وخيرة أبنائهم.

كابوس مرعب

وعلى الرغم من سيطرة المليشيا الحوثية على محافظة البيضاء في العام 2015، إلا أن ذلك التوغل تحول إلى كابوس مرعب للمليشيا الانقلابية، في ظل الاستنزاف المستمر الذي تتعرض له فيها، إذ تعد من أكبر محافظات البلاد استنزافا للحوثيين، وفق ما أكدته إحصائيات وتسريبات من مراسلات بين قادة في المليشيا المسلحة.

وقد اعتمدت المقاومة الشعبية في محافظة البيضاء على سياسة النفَس الطويل في حربها ضد المليشيا الحوثية، واتخذت أشكالا متعددة من المواجهة تنوعت ما بين أسلوب الاستدراج والاستنزاف، باستخدام الكمائن والاقتحامات المفاجئة، وكذلك المواجهات المباشرة في جبهات عدة بالمحافظة، مما أدى إلى ارتفاع عدد القتلى في صفوف المليشيا بشكل كبير، الأمر الذي من شأنه أن يقضي على الحوثيين بصمت، ويبعث الرعب فيهم.

وتؤكد مصادر أن ثمة استنزافا مستمرا للحوثيين في القوى البشرية والعتاد في جميع جبهات القتال في البيضاء، الأمر الذي يجعل الحصيلة لضحاياهم تتصدر ضمن المحافظات الأكثر سخونة كمحافظتي تعز ومأرب، إذ يعتبر هذا الاستنزاف دلالة واضحة على صلابة المقاومة في مواجهة ذلك العدوان الغاشم، كما يدل على رفض أبناء المحافظة لهذا الفكر الدخيل على ثقافتهم الدينية والاجتماعية.

شماعة الإرهاب

وقد دشنت محافظة البيضاء أولى مواجهاتها ضد مليشيا الإرهاب منذ بداية الانقلاب، بعد دخول المليشيا محافظة البيضاء في أكتوبر من العام 2014، وبعد أن شنت مليشيا الحوثي أربعة حروب على قبيلة "الزُّوَب" في مديرية القريشية، إذ لا يزال أبناؤها آخذين لأمتهم لم يضعوها بعد، ولم تضع الحرب أوزارها، وعلى مدى السنوات الماضية لم تغير الميلشيا الحوثية نظرتها تجاه أبناء المحافظة، ولم تختلف شماعتها لمهاجمة المنطقة (الإرهاب، داعش، القاعدة)، على الرغم من واقع أبناء تلك المنطقة البعيد عن كل تلك التهم.

تلت تلك المواجهات جولة أخرى، ففي العام 2015 استأنف أبناء المحافظة تصديهم ومواجهتهم للمليشيا المتمردة، بعد استئنافها لاجتياح المحافظة، حيث اندلعت المواجهات إثر توغل مليشيا الحوثي في عدد من مناطق المحافظة بغية إحكام السيطرة على الطرق الرئيسية فيها والوصول إلى مديرية "الزاهر" التي تعتبر بوابة المحافظة إلى المناطق الجنوبية، خلّفت تلك المواجهات أربعة قتلى من القبائل وعشرة من الحوثيين.

نَفَس ثوري

وتقوم سياسة مليشيا الحوثي في التعامل مع قبائل البيضاء على ركيزتين: الأولى تحشيد أنصارها من القبائل، لا سيما الأسر الهاشمية، والتي يدين معظمها بالولاء للمليشيا، التي تحظى بالمساندة والدعم من هذه الأسر، والثاني العمل على تحييد القبائل غير الموالية لها، من أجل ضمان وضع هذه الكتل القبلية غير الموالية لها في وضع غير معادٍ ويحرم الحكومة من دعمها، كما يمنح الحوثيين حرية الحركة داخل المحافظة والسيطرة عليها.

غير أن تلك السياسة التي اتبعها الحوثيون لم تُجدِ نفعا ولم تجعلهم في مأمن على أرواح عناصر المليشيا وعتادها، إذ تشكل محافظة البيضاء أحد خطوط التماس التاريخية في اليمن، ويتسم تاريخ قبائلها ومكوناتها الاجتماعية بالنفس الثوري والتمرد على القمع والإذلال الذي مورس على الشعب إبان حقبة الإمامة التي حكمت اليمن، كما يتسم بشعور قوي بالهوية الدينية التي تشكل جزءا منها نتيجة غزوات الأئمة لمحافظة البيضاء، وخُلدت نتائج هذه الغزوات المريرة في ذاكرتها الجمعية، إذ تعتبر المحافظة بيئة معادية للحوثيين أكثر من غيرها، باعتبارهم في نظر أبنائها امتدادا لفكر الأئمة، وباستثناء بعض التجمعات السكانية ذات الهوية الهاشمية مثل ريام في محيط رداع وآل السقاف في السوادية، فإن معظم السكان ليس لديهم أي شيء مشترك مع الحوثيين، وعلى العكس هناك تاريخ من العداء تجاه الأئمة وسياسة الإخضاع القسري للقبائل المصاحب لحكمهم.

تنسيق وتلفيق

وقد استطاع الحوثيون إدارة علاقة مثيرة للاهتمام مع تنظيم "داعش" الإرهابي الذي يتواجد في المحافظة، والذي يتمركز في مواقع فيها، إذ يبدو الأمر بين الجانبين أشبه باتفاق ضمني بعدم الاعتداء على بعضهما البعض. وعلى الرغم من تعامل كل طرف بحذر مع الآخر، ظل الوضع مستقراً إذ ليس هناك أي معلومات أو تقارير تفيد باستهداف داعش لمقاتلين حوثيين أو العكس، في الوقت الذي استهدف فيه تنظيم داعش الجيش الوطني، من خلال تنفيذ عمليات مباغتة ضد الجيش، وتنفيذ عمليات اختطاف طالت بعض أفراده، احتجز التنظيم أربعة أفراد في منطقة يكلا، تحت ذريعة التوجه للانضمام للجيش الوطني، وبث حينها تسجيلا لإعدامهم في 11 سبتمبر 2018.

وفي الوقت الذي يسود فيه الانسجام بين الجماعات الإرهابية ومليشيا الحوثي، تحاول المليشيا تصوير حربها ضد الشرعية في البيضاء بأنها عمليات ضد تنظيمي القاعدة وداعش، بينما تنشط التنظيمات الإرهابية في مناطق البيضاء منذ 6 سنوات، وهناك تنسيق واضح بينها وبين مليشيا الحوثي التي تسيطر على معظم المحافظة منذ بداية الانقلاب.

موقع إستراتيجي

وتحتل محافظة البيضاء موقعا جغرافيا إستراتيجيا بالغ الأهمية، حيث تشترك حدودها مع ثماني محافظات، هي شبوة والضالع وأبين ولحج من محافظات الجنوب اليمني، ومأرب وصنعاء وذمار وإِب من محافظات الشمال، ويؤهلها هذا الموقع الإستراتيجي للعب دور حاسم في تطورات الصراع المستمر بين المتمردين الحوثيين والحكومة اليمنية، وتعتبر بوابة على المحافظات الحيوية والغنية بالنفط والموارد كمحافظتي شبوة ومأرب.

ولما تمثله المحافظة من أهمية إستراتيجية لدى المليشيا الانقلابية، فقد أصدرت المليشيا الحوثية تعليماتها لمقاتليها في وقت مبكر من الانقلاب وإسقاط العاصمة صنعاء للزحف نحو محافظة البيضاء للسيطرة عليها قبل التوجه إلى عدن أو تعز أو الحديدة أو أي محافظة أخرى، الأمر الذي يعكس تركيز المليشيا على هذه المحافظة تحديدا. ووضع الحوثيين لمحافظة البيضاء كأولوية عسكرية لا يفصح فقط عن أهمية المحافظة الإستراتيجية، بل يشير أيضاً -وفقا لمراقبين- إلى إدراك الحوثيين لتاريخ البيضاء الموسوم بالعداء المستمر المستمر تجاههم، وبالتالي فإخضاع محافظة البيضاء أولوية قصوى بالنسبة لمليشيا الحوثيين.

معاناة مستمرة

ونتيجة لحالة العزلة التي فرضها الحوثيون على بعض مناطق المحافظة، يعيش آلاف المواطنين أوضاعا إنسانية صعبة بسبب العزلة المفروضة على تلك المناطق، في الوقت الذي تغض فيه المنظمات الإنسانية والإغاثية الطرف عما يحدث في الكثير من مناطق محافظة البيضاء من معاناة مستمرة منذ فترة طويلة، ولم يسلط عليها الإعلام الضوء كما ينبغي، ولم تيمم المنظمات الإنسانية والحقوقية وجهها نحوها.

وتُعد مديريتا "ناطع" و"نعمان" مثالا حيا لما يدور في الكثير من مناطق المحافظة من جرائم على أيدي المليشيا الحوثية، إذ لم تكتفِ مليشيا الحوثي بفرض حصارها فقط، بل قامت بقطع الاتصالات والإنترنت عن تلك المناطق، حيث يقبع السكان معظم أوقاتهم في عزلة تامة، لا أحد يعلم ما يحدث في مناطقهم، ولا تصلهم أخبار ما يحدث خارجها، إلا ما يأتيهم عبر المسافرين القادمين مشياً على الأقدام أو على ظهور الحمير، خاصة بعد قيام المليشيا بتفجير الكثير من الجسور والطرق خوفا من تقدم القوات الحكومية، مما دفع السكان للبحث عن طرق بديلة صعبة ووعرة للتنقل، وهذا الأمر يكلفهم جهداً ووقتاً ومعاناة، فضلاً عن حالة العزلة المفروضة جراء رفض الحوثي السماح بإصلاح شبكات الاتصالات المتضررة جراء القصف والمعارك التي شهدتها مناطقهم.

تعتيم رغم الجحيم

ووفقا لمصادر رسمية في إدارة مديريتي نعمان وناطع، فإن قرابة 800 أسرة نزحت من المديريتين منذ انتقال المعارك إليهما مطلع العام الجاري 2022، خصوصا بعد سيطرة المليشيا الحوثية على أغلب مساحة المديريتين.

ويقول "سيف العواضي"، مدير مديرية نعمان، إن قرابة 300 أسرة نزحت إلى بيحان وعتق، بينما البقية لم تتمكن من النزوح بسبب صعوبة التنقل نتيجة لانتشار الألغام وزراعتها على نطاق واسع، لافتاً إلى غياب الجهات المعنية لتقديم العون للنازحين بسبب قلة الإمكانيات.

ويقول ناشطون إن الوضع في الكثير من مناطق محافظة البيضاء أكثر سوءا ومعاناة، ولا تصل أخبار تلك المعاناة إلا عبر المسافرين أو النازحين من تلك المناطق.

ووفقا لتلك المصادر فإن "حملات الاعتقال والتعسفات والمداهمات من قبل الحوثيين لا تتوقف، ولا يمر يوم إلا وهناك اقتحامات للمنازل والقرى".

وتضيف المصادر: "هناك أناس عادوا إلى بيوتهم في مناطق سيطرة المليشيا وقاموا بملء استمارة العائدين (ورقة تعهد اعتمدتها المليشيا لمن يريد العودة إلى مناطق سيطرتها)، وبعد أن منحوهم الأمان قاموا باقتحام منازلهم، بل وأطلقوا الرصاص عليهم، وهناك مصابون تم نقلهم للعلاج بعد تهريبهم مشياً على الأقدام من نعمان إلى بيحان بمحافظة شبوة".

إرادة لم تنكسر

وقد خاض أبناء المحافظة معارك شرسة ضد المليشيا الانقلابية، مثلت أحد أبرز العوامل التي أفشلت المشروع الانقلابي، وصخرة صماء تحطمت عليها أحلام المليشيا بالتوسع، حيث بقيت جبهاتها مشتعلة ولم يستطع الحوثيون إخمادها حتى هذه اللحظة.

وعلى الرغم من سيطرة الحوثيين على المحافظة بشكل شبه كامل إلا أن المقاومة الشعبية ورجال القبائل استطاعوا فتح جبهات عدة على امتداد تراب المحافظة التي أبت الذل والانكسار لسياسة المليشيا وإرهابها، إذ توجد فيها جبهات محلية في عدة مديريات والكثير منها ما تزال تقارع الحوثيين منذ العام 2014.

وتُعد جبهة الزاهر من أكثر الجبهات التي استنزفت المليشيا الحوثية وكبدتها خسائر فادحة.

وفي منتصف العام 2021، تمكنت المقاومة في مديرية الزاهر -بعد سلسلة من المعارك داخل مركز المديرية إثر تسلل عناصر من المليشيا وتحصنهم داخل منازل المواطنين- تمكنت من حصد نحو 100 من عناصر المليشيا بين قتيل وجريح في جبهة الحازمية.

كما أوضحت مصادر عسكرية أن قرابة 60 قتيلا سقطوا إثر تصدي مقاومة الحازمية لأحد أعنف الهجمات الحوثية.

كلمات دالّة

#اليمن