الإثنين 27-06-2022 14:50:04 م : 28 - ذو القعدة - 1443 هـ
آخر الاخبار

فاعلية المجتمع.. الأساس، الشروط، الوسائل، المعوقات (الحلقة 1-2) تنمية الفاعلية الفردية

الإثنين 20 يونيو-حزيران 2022 الساعة 08 مساءً / الإصلاح نت-خاص | عبد العزيز العسالي

 

أولا، تعريف الفاعلية علميا: الفاعلية مفهوم معاصر فكريا وثقافيا ودلالة، ولأن الفاعلية هي مفهوم جديد نجد أن علماء الاجتماع وعلماء الاقتصاد والإدارة والتنمية قد اختلفت تعريفاتهم لها إلى حد كبير.

غير أن علماء النفس الاجتماعي - تقريبا خلال منتصف العقد الحالي، قدموا تعريفا علميا، عميق الدلالة، والأبعاد، وذلك عبر سياق نقاشي تحليلي طويل، وتوصلنا إليه بعد عناء.

تعريف الفاعلية: الفاعلية هي وعي المرء بذاته، اعتقادا وثقة بقدرته على تحريك الإمكانات المعرفية، والدافعية، والضرورية، والسلوكية، لتنفيذ النجاح، في إمكانات معينة، في ظرف محدد.

مفهوم التعريف: مفهوم التعريف لم ولن يتجاوز دلالة محورية واحدة، لا يختلف حولها اثنان، كما لا ينتطح حولها عنزان.

إذن، ما هي هذه الدلالة المحورية؟ توضيح الدلالة سيكون تحت المحور التالي.

ثانيا، ينبوع العلم النافع:
العلم النافع، هو ينبوع الفاعلية، وأساسها، ومحورها المركزي، ويتفرع عنه بقية الأسس والوسائل... إلخ.

العلم النافع هو النهر الحيوي وهو القوة المحركة للدافعية في تنمية فاعلية الفرد، كما ينمي فاعلية المجتمع والأمة على السواء، لسنا بحاجة للحديث عن مكانة العلم، فالقرآن العظيم هو العلم، وأيضا صحيح سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس أخيرا الازدهار الحضاري المشهود في الشرق والغرب.

العلم النافع.. كيف، ولماذا؟ قد يقال: أليست الدول الإسلامية بما فيها الدول العربية مليئة بالمدارس والجامعات؟ ألستم أشبه بمن يغطي على الشمس بغربال؟
فما قولكم بتلك الإحصائية التي كشفت عن إلقاء مليون و600 ألف خطبة جمعة في الأسبوع الواحد في مساجد المسلمين؟

والجواب: هل تلكم المدارس، والمعاهد التقنية، والجامعات، والمساجد، تقوم بتنفيذ دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم القائل: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع".. أين العلم النافع؟ أليس نجاح كل برنامج أو قضية أو مشروع يقاس بمخرجاته وثماره؟
إذن، لا شك أن العلم النافع له شروط، أو خصائص، وبالتالي فإن أمة الإسلام تعاني فقرا حادا في مجال، أو شروط، أو خصائص العلم النافع.. شروط وخصائص العلم النافع سنوضحها في المحور التالي.

ثالثا، شروط العلم النافع:

يمكننا القول بإيجاز شديد إننا إزاء معادلة منطقية - مقدمات تنتج تحولات، أو أسباب تؤدي نتائج.

أي أن تنمية الفاعلية عند المسلم المعاصر ينبوعها المحوري والمركزي هو العلم، ونفعية العلم لن تتحقق إلا بالخصائص التالية:

1- إرساء وترسيخ كرامة الإنسان، وإعادة ربطها بمنظومة أركان الإيمان بالله واليوم الآخر - أعني تجذير هيبة كرامة الإنسان وحقوقه على أساس إيماني، تشريعي، قانوني، حتى تترسخ ثقافة مجتمع.

2- إعادة الاعتبار للعقل.. أعني إرساء وترسيخ القيم العقلية التي تضمنها القرآن العظيم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وشروط أهلية التكليف في الفقه الإسلامي وأصوله.

أكرر إعادة الاعتبار للعقل وهيبته كأعظم نعمة تميز بها الإنسان عن سائر المخلوقات، ذلك أن هيبة العقل مستلبة استلابا مفزعا في ثقافتنا الإسلامية.. استلابا مصدره ثقافة الآبائية الظالمة للدين والإنسان في آن.

3- دعم متلازمة العقل: تتمثل متلازمة الكرامة الإنسانية المتمثلة في حرية التفكير والتعبير، وحق النقد، والمساءلة، ومحاربة الظلم، وكل أشكال الفساد السياسي والمالي والإداري والاجتماعي والحزبي، وتجفيف منابع الاستبداد السياسي والديني والاجتماعي، وهدم جذور الاستبداد أيا كان مصدرها، ومكافحة السلالية العنصرية والتسيد والطبقية.

4- ربط العلم بالحكمة والثمرة المترتبة عليه، وتشجيع الطالب على طرح الأسئلة حول الحكمة، أو الفائدة، أو الثمرة المترتبة.

5- تشجيع النقد للتقليد للغير - الوافد والموروث، وتمكين عقل الطالب من امتلاك آليات النقد العلمي حتى يتمكن الطالب من عملية الأخذ الواعي المفيد من الموروث أو الوافد، والحيلولة دون الذوبان السخيف والتيه المنغمس في الثقافة المائعة الحدود والمعالم.

6- تشجيع البحث العلمي: البحث العلمي هو معراج النهوض الحضاري بتلك الشعوب التي قامت بحقيقة الاستخلاف الإنساني في كل ميادين الحياة.

7- تشجيع التجديد: تشجيع التجديد الفكري والثقافي والفقهي وهذا يعني القبول بالرأي الآخر، وتنمية ملكة الحوار وأسسه.

رابعا، بما أن عنوان هذه الحلقة متعلق بتنمية الفاعلية عند الفرد، فإننا سنركز الحديث -بإيجاز بالغ- حول أهم المدخلات وأهم الوسائل مستدلين بما أثبتته البحوث العلمية قديما وحديثا.

لكن، ولاعتبارات تربوية هامة استدعى المقام أن نبدأ الحديث حول أبرز وأعظم مؤسسة كانت، ولا زالت، وستظل، عبر العصور، هي الوسيلة المثلى، تلكم هي مؤسسة الأسرة، فهي النواة الأولى لقيام المجتمع، ولا شك أنها آخر الحصون الإسلامية صامدة في وجه الفساد المنهمر والمتفجر من كل الاتجاهات.

الجدير ذكره أنه وفي العقدين الأخيرين ازدادت مخاوف علماء النفس الاجتماعي والتربويين وغيرهم إزاء صمود مؤسسة الأسرة، نظرا للمتغير التقني بيد الأطفال من جهة، وكذا المتغيرات الثقافية المعقدة، الأمر الذي يستدعي ارتقاء ثقافة الأسرة - الأبوين، أولا، ثم سائر مؤسسات التربية لتكون على مستوى التحدي.

باختصار، نقول:
1- مؤسسة الأسرة والمشروع الخاص: جملتان متداخلتان متكاملتان، الأسرة والمشروع، والمقصود بالمشروع الاستثماري الخاص هو "الولد"، هكذا حدده المدرب العالمي الحاصد للجوائز الدولية د. إدريس هلال صاحب الحقائب التدريبية الإبداعية العالمية، بل وصاحب مؤلفات فائقة التركيز.

الخلاصة، ولدك هو مشروعك الخاص.

2- جودة الحضور: هذا هو الحل الإبداعي في تنمية فاعلية الفرد - ولدك، مشروعك. بعد ما استعرض د. إدريس، شبكة التعقيدات الثقافية والتقنية المعاصرة، والتي يقابلها تسيب أسري وخواء ثقافي إلى جانب انشغال الأب وغياب الرؤية الأسرية المواكبة للتحدي.

الحقيقة أن ما استعرضه د. هلال سكب صهاريج الهلع في وجدان ونفوس وعقول السامعين، ولكنه في ذات الوقت قدم الحل العلمي التجريبي الناجح المتفق عليه عند ذوي الاختصاص.. تمثل الحل في جملة واحدة هي "جودة الحضور".

3- جودة الحضور، جملة عميقة المعنى، لكن وسيلة تنفيذها قدمها في غاية السلاسة، قائلا للأبوين: لا يهم غيابك الطويل في عملك أو أسفارك، فقط نفذ برنامج جودة الحضور، وهو برنامج قد يأخذ ساعتين، أكثر، أقل، حسب إمكاناتك، ثم إياك أن تفكر أنك تحتاج برنامج مدخلات معقد ينتظرك.

كل ما في الأمر هو أن تجلس مع مشروعك (ولدك) أثناء الغداء أو العشاء وأنت منبسط الخاطر مبتسم تتعامل مع مشروعك (ولدك) أنه صديقك العزيز الذي طال غيابه.

فتقدم لهذا الصديق كل البشر والحرص على إمتاعه وإسعاده، وبتلقائية سهلة ستجد نفسك أنك تمتلك أعظم المؤهلات التربوية، وأنك تمتلك أقوى برامج المدخلات - ثقافة، وسائل، والتقبل النفسي، والوجداني، والعقلي، وهذه أهم أسس بناء الشخصية.

برنامج المدخلات:
1- التقدير الذاتي.. نعم، أنت الآن أمام صديقك الغائب عنك، فما بالك بمشروعك الخاص.

إذن، أول مدخلات برنامجك مفهوم تربوي في غاية الأهمية باتفاق المتخصصين، بل وأثبتها الواقع ثمارا مذهلة.

هذا المفهوم هو "التقدير الذاتي لولدك".

2- متلازمة التقدير الذاتي -الحرية- تفكيرا وتعبيرا، هنا يترسخ التقدير الذاتي عمليا، دع مشروعك الخاص يفكر، ثم دعه يعبّر بما يجول في خاطره وأنت تبادله البسمة والبشاشة مقابل تعبيره بحرية - نقد، تساؤل، نكتة، قصة قصيرة، بل قد يرمي الكرة تجاهك طالبا منك قصة، موقفا، هنا عليك إظهار سعادتك أكثر، وفي ذات اللحظة، تبتسم، وتبدي استعدادك، وتعرب عن أملك أن تسمع منه تعليقا أو تحليلا، وفور انتهائك، اقبل منه، ثم تقدم وجهة نظرك أو إضافتك بصيغة أسئلة سهلة، ينتهي الموقف بالتشجيع والثناء عليه، وأنك في غاية السعادة لما سمعته منه.

3- تأسيس وترسيخ مفهوم العدل: لن تحتاج أيها الأب أكثر من تنفيذ إصغائك لكل أولادك بالسوية، وإذا كان واحدا فاستمع، ثم تقول وأنت مبتسم: هل أنهيت حديثك؟

4- تقديس الحقوق: كان مشروعك فردا، فتحدث معه حول قدسية الحقوق وضرورة احترامها.. إذا تعدد مشروعك، فاعلم أنها الفرصة التي حباك الله بها، إنها فرصة التربية العملية، فاجعل لكل واحد منهم خزنته الخاصة بأدواته أولا، ثم لا تسمح لأحد بأخذ أدوات الآخر أبدا إلا بإذنه، ويعيدها خلال زمن محدد، ومن ينفذ ذلك شجعه بجائزة، واثنِ عليه أمام أصدقائك.

5- الكرم، المبادرة.. احذر الكبت، شجعه على قول الحقيقة، ادعم ذلك، ويا حبذا تطلب منه اختيار وسيلة التشجيع في حدود إمكاناتك.

6- ادعمه يتذوق النجاح: ضع له مشروعا صغيرا يتناسب وعمره وقدراته، وقدم له رأيك حول خيارات ووسائل نجاح المشروع، فهذا النجاح يولّد دافعية نحو نجاح أعلى.

7- الاستقلالية: استنكر بشدة الاعتماد على الغير وقدم البديل الأفضل، وهو تبادل الخبرات مع الغير.

8- إرسِ لديه شعار "أربحُ أنا ويربح الآخرون"، وهنا تكون قد رسخت لديه قيمتين هما: الاستقلالية والتعاون في آن.

9- دع التأنيب والتوبيخ: هاتان الطريقتان تقتلان الدافعية، والأسوأ أن تكون أمام الغير.

إذا تكرر الخطأ وأنت تنبه، ورأيت أن المقام يحتاج عقابا، فاكتف بالإعراض لفترة محددة، هنا يشعر أنه قد خسر أعظم قيمة، وهي التقدير الذاتي.

10- اشركه في القرار.. تناديه: اليوم اقترح نوع الغداء في حدود إمكاناتك النقدية، والأمثلة كثيرة.

الخلاصة:
- ولدك مشروعك الخاص.

- أعظم برامج تنمية الفاعلية لدى الفرد تبدأ من مؤسسة الأسرة.

- جودة الحضور هي الوسيلة ذات التأثير العجيب حد الخرافة.

- التقدير الذاتي، مفهوم له تأثير سحري نفسي وجداني عقلي، يثمر أهم وأبرز قيمة وهي قوة الشخصية، ويثمر "بناء الإرادة"، ولنعلم أن بناء الإرادة هي القيمة الغائبة لدى أمة المسلمين منذ 200 عام.

- يتفرع عن مفهوم التقدير الذاتي فروع هامة ذكرناها تباعا، وجميعها لا تحتاج كتبا ولا مراجع وغيرها.

- وإجازة القول: كلنا لا نملك الكثير من المتطلبات الأساسية لكننا بلا شك نمتلك قيمتين: جودة الحضور والتقدير الذاتي.

كلمات دالّة

#اليمن