الإثنين 27-06-2022 14:53:46 م : 28 - ذو القعدة - 1443 هـ
آخر الاخبار

المواطنة الرقمية.. مفهومها، أهميتها، ثمارها (الحلقة 1) تحرير العقل من زنزانة الصنمية

السبت 28 مايو 2022 الساعة 04 صباحاً / الإصلاح نت-خاص | عبد العزيز العسالي

 

مدخل: لماذا المواطنة الرقمية؟

1- قطرة من المحيط: قبل عقد ونصف العقد تقريبا نشرت إحدى الهيئات العالمية المهتمة برصد بعض الظواهر الثقافية، وذلك من خلال الرسيفر المركزي العالمي لاتصالات الهاتف المحمول خلال 28 يوما فقط، وفي دولة عربية نفطية فقط، حيث حصد مجال المعاكسات 83 مليون مكالمة.

2- زوار المكتبات ومراكز البحوث العلمية بلغ عددهم خلال 5 أشهر في ذلك العام 19% في أكثر الدول العربية، و20% في أقل الدول العربية.

3- زوار قنوات يوتيوب -مواقع ومقابلات- مع فلاسفة التاريخ، خلال 6 سنوات مضت، بلغ عدد الزيارات في الوطن العربي 400 زيارة في الحد الأدنى، و1000 زيارة في الحد المتوسط، و14 ألف زيارة في الحد الأعلى.

ما يثير الدهشة هو أن علم فلسفة التاريخ يحتل الصدارة بين علوم الفلسفة نظرا لاتصاله بحركة الاجتماع - سنن نهوض الأمم وسنن انحطاطها إنسانيا وحضاريا.

تلك هي منزلة هذا العلم الخطير في عقول شبابنا المتعلم.

بعض علماء الاجتماع يرون أن هذه النسبة التي حصل عليها علم فلسفة التاريخ تعتبر مؤشرا خطيرا على انحطاط العقل العربي إلى حد مخيف إن لم تقم مؤسسات العلم والثقافة بواجبها العلمي تجاه الجيل.

من جهة أخرى، يعزو بعض المفكرين تدني تلك النسبة إلى عوامل أبرزها أن غالبية العقل العربي يعيش في زنزانة الجهل المركب، ثم قدموا تفكيكا تقريبيا لمخرجات الجهل المركب في الأبعاد التالية:

- بُعد علمي لا يقدم حلولا.
- بُعد وهم المعرفة - حشو أذهان، أخطر ما فيه غياب المبادئ.
- بُعد تصنيم الأشخاص.
- بُعد التدين المعادي للقيم العقلية والسنن الكونية.
- بُعد ثقافة الاستهلاك للسفاسف والموضات... إلخ.

يؤكد المفكرون أن تلك الأبعاد القاتلة مصدرها هزالة مدخلات التعليم، علما بأن واحدا من تلك الأبعاد كفيل بتدمير الشعوب وقذفها في أخطر وهاد العجز المكتسب، أي العجز الذي صنعته مدخلات التعليم، وهذا النوع أخطر أنواع العجز كونه قادم من ميدان التعليم.

والدليل هو: الغش أم الكوارث: صرخ العقلاء ممن سماهم القرآن "أولو بقية" لكنها شريحة قليلة، فقد كتبوا وصرخوا، فجاء الرد من حراس الفوضى وإنتاج التخلف مدعوما بفذلكات رجال دين فذلكات قميئة، تضحك الثكالى وتثير الغثيان.. إليكم بعضها:
- لغات الكفار كلها يجوز الغش فيها.
- لا خوف من الغش أبدا لأن الذي يغش لم ولن يرتقي إلى مراتب العلم الذي يضر بمصالح الأمة، إذن، لا خوف من الغش.
- التعليم كذب، والغش كذب، وإذا ضربنا هذه المعادلة فستكون: كذب في كذب يساوي كذب.

منظومة الوعظ الفاشل:

طال أمد لعنة الغش فبردت أعصاب أكثر العقلاء، وخيم الصمت، غير أن بقية العقلاء سرّحوا النظر تجاه السبب وراء الصمت، فاكتشفوا أن الصمت بمثابة رأس جبل الجليد الذي يظهر في منتهى الصغر، لكنه يرتكز على قاعدة واسعة في أعماق المجتمع، عمقها ورسخها الوعظ الديني الذي ظل عاجزا عن ترسيخ القيم الخلقية في المجتمع، وبالتالي فالمجتمع هو ضحية الوعظ الفاشل، فهو يعيش حالة إرباك خطيرة جدا، فالمجتمع يتساءل بمرارة وذهول:
- أليس الدين هو الناظم للقيم البانية للمجتمع؟
- أليس الدين هو الملح الصانع للذوق الخلقي؟
- أليس الدين هو الإكسير الكيميائي النفسي العقلي الوجداني الكفيل بضبط النفوس والقادر على تهذيبها وتوجيهها بقوة الوازع الداخلي؟ لماذا سكت الوعظ الديني إزاء الغش في التعليم؟
- لماذا الوعظ الديني يدعو إلى الالتزام بالقيم والأخلاق في بقية جوانب الحياة؟
- ما الفرق بين غش وغش؟
- الوعظ الديني خلال عقود طويلة لم يحدثنا عن مقاصد التزكية الخلقية والحكمة الشرعية ولا الدور الوظيفي الهام للقيم الخلقية تجاه بناء المجتمع واستقامة الحياة وصناعة الاستقرار والسلام والتنمية.

إذن، لا غرابة أن يستيقظ شعبنا الحبيب فيجد ذاته غارقا في وهدة سقوط قيمي تدميري شامل، طالت محنته فطحنت بكلكلها وطننا الحبيب وأفسدت الحرث والنسل، فهل انكشف السبب؟

تعليم يصنع القيم:

هذا نموذج عملي للتعليم الذي يصنع القيم ويرسخها في آن، جدير بالعقلاء أن يقفوا إزاءه وصولا إلى نتائجه الحضارية، وكيف أن أولئك الأمم تحققت فيها قيمة الاستخلاف في الأرض.

هذا نموذج: أستاذة فلسفة اجتماع في دولة غربية لديها 20 طالبا فخاطبتهم: غدا اختبار نهاية الفصل الجامعي لكن قبل ذلك لدي سؤال أرجو إجابتي بصراحة، من فيكم يرغب في الغش؟ والعكس؟ جاءت الإجابة:
- 15 طالبا قالوا: الغش حق مشروع لنا ولا مانع منه.
- ثلاثة طلاب أجابوا: لا مانع من الغش إذا وجدنا سؤالا صعبا.
- اثنان من الطلاب أجابا: مستحيل نغش.

شكرت الأستاذة الجميع، وحضرت في اليوم التالي مصطحبة أوراق الأسئلة وفقا لأعداد الطلاب.

كتبت في النموذج الأول: يا من قلتم إن الغش حق مشروع لكم، كيف ستواجهون المجتمع إذا رفضكم؟ وما موقفكم إذا عاملكم المجتمع بالغش؟

وكتبت في النموذج الثاني: يا من قلتم إن الغش حق مشروع في حالة صعوبة الأسئلة كيف ستواجهون المجتمع؟ وكيف ستقنعونه بما ترون؟ وما موقفكم من المجتمع إذا عاملكم بالغش؟

وكتبت في النموذج الثالث: يا من رفضتم الغش مطلقا كيف ستواجهون المجتمع إذا عاملكم بالغش؟

سلمت الأوراق للجميع قائلة لهم: اكتبوا إجاباتكم كما تحبون؟ إلى لقاء.. ثم تركتهم في القاعة يكتبون ومضت إلى حالها.

أخي القارئ: ألا ترى أن هذه الأستاذة قد حققت أعلى أهداف التعليم، وهي أهداف شاملة صانعة للحياة بل ورسخت منظومة القيم الكونية والخلقية والعقلية والسننية والإنسانية والحضارية خلال دقائق قليلة؟

ثانيا، المواطنة الرقمية.. المفهوم والأهمية:

1- مفهوم المواطنة الرقمية يعني: الالتزامات المتبادلة بين أشخاص كأفراد، وبين الأشخاص والمجتمع عموما، وبين الفرد والدولة، وبين المجتمع والدول.. التزامات تضمن لكل الأطراف حقوقا وواجبات في آن.

2- في الموسوعة الإنجليزية نجد مفهوم المواطنة الرقمية يعني غرس السلوك الاجتماعي المرغوب حسب قيم المجتمع من أجل إيجاد المواطن الصالح.

3- مفكرون عرب يقولون إن مفهوم المواطنة الرقمية هو مجموعة الحقوق والواجبات والضوابط والمعايير والأعراف التي يتمتع بها كل المواطنين صغارا وكبارا أثناء استخدامهم للتكنولوجيا وتشجيع السلوك المرغوب ومحاربة السلوك غير المرغوب كتابة وتصويرا وعناوين.

أهمية المواطنة الرقمية:

1- الضرورة قائمة تجاه معرفة أهم السبل والوسائل والسنن في مواجهة تحديات القرن الـ21.

2- ضرورة إكساب المواطن، كبيرا وصغيرا، قيم المواطنة الرقمية كونها أصبحت ركيزة أساسية للمشاركة الإيجابية.

3- تحفيز الجيل على المشاركة الإيجابية وتحصين عموم القيم لديهم عقديا وخلقيا واجتماعيا بأسلوب يتناسب مع لغة العصر مواكبة للمتغيرات والهموم.

4- من أهم قيم المواطنة الرقمية: علم، عمل، انضباط، مواظبة، أمانة، عفة، إنجاز، عمل جماعي، قيام بالقسط، فهم حقيقة الحرية، غرس المبادئ، تعلم فن الحوار، رفض الظلم والتنديد به، طلب مناصرة المظلوم سلميا، ترسيخ مفهوم المساواة، معرفة أسس بناء المجتمع، احترام قيم المجتمع، الولاء للأمة ومبادئها، الاهتمام بالشأن العام، تقديس المبادئ، والوعي بوسائل إصلاح المجتمع.

وهناك معلومات كثيرة ومفيدة تحت عناوين مختلفة، لكنها ذات صلة بمفهوم المواطنة الرقمية.

وليس أخيرا، يقول علماء الاجتماع إن المجتمع القوي في تضامنه هو مجتمع غني بالمواطنة الواعية بمخاطر تآكل المعاني المشتركة، كالمعتقدات العامة وقيم الإنجاز، وحماية المبادئ من التلاشي، وإذابة الشخصانية والفردية، ونبذ اللهاث وراء المادة، مؤكدين أن الاستهلاك سببه غياب ثقافة قيم المواطنة والجهل بها الأمر الذي يحتم على المجتمع التفكير السليم تجاه مفاهيم المواطنة ولوازمها عبر وسائط التكنولوجيا، وهنا يكون المجتمع قد صعد على أكتاف التكنولوجيا واتجه خطوة لتحقيق ما ضيعه التعليم.

نلتقي بعونه سبحانه مع "عناصر ومكونات ولوازم المواطنة".

كلمات دالّة

#اليمن