السبت 20-08-2022 03:25:58 ص : 22 - محرم - 1444 هـ
آخر الاخبار

الامتداد التاريخي للحركة الإصلاحية اليمنية (1-2) حركة الإصلاح الفكري

الأحد 13 مارس - آذار 2022 الساعة 05 مساءً / الإصلاح نت-خاص | عبدالعزيز العسالي

 


إطلالة تاريخية

المفهوم الفلسفي القائل "حيث يكثر الداء يكثر الأطباء"، ينطبق على اليمن أرضا وإنسانا إلى حد كبير جدا، وذلك لأسباب عدة أبرزها:
- أن اليمن ظلت بعيدة عن مركز الدولة الإسلامية أمويا وعباسيا وعثمانيا.
- تضاريس الأرض اليمنية في أغلب مخاليفها.
- النظام الأبوي القبلي اليمني المتماسك حد التماهي في داعي القبيلة الصادر عن سيد القبيلة المسمى الشيخ أو السلطان.
- التخطيط السلالي الفارسي ذو الأطماع التسلطية والذي استغل العواطف دينيا فتربع على الرقاب واستغل الأموال وأهلك الحرث والنسل ودمر الآبار والسدود والآثار ومزق شبكة العلاقات الاجتماعية حتى أصبحت مخاليف الشمال اليمني في عزلة عن العالم من جهة وتحويل المخاليف إلى دويلات عدة من جهة ثانية، بلغت أحيانا 15 دويلة، في القرن الـ10 والـ11 الهجريين نموذج صارخ، حسب كتاب "تاريخ بهجة الزمن" للحسني.

الجدير ذكره أن الكثير من المخاليف اليمنية زجت بها سياسات السلالية العنصرية خلف ستار حديدي مرعب جغرافيا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا، ولكن باسم الدين الذي وظفته السلالية لخدمة أطماعها التسلطية السفاكة للدماء ونهب الممتلكات وهتك الأعراض وهدم المنازل وردم الآبار وتدمير السدود وإفساد الآثار ونهبها.

يزداد القارئ ذهولا، وهو يقرأ تراجم حكام السلالة (السير الذاتية) الإمام فلان الذي حكم في تاريخ كذا، هو العلامة البحر المجتهد الشاعر الأديب الفقيه الزاهد الذي يقرّب العلماء ويمتلك مكتبة تحتوي على آلاف الكتب، وبعد أسطر قليلة يقول إن هذا الإمام الشجاع أفتى بإهدار دم المخالفين للسلالية واستباح دماءهم وأعراضهم، وقد قتل كذا، ودمر كذا، وأفسد كذا... إلخ

جرائم التسيد الإبليسي.

الحقيقة أن أقلام مؤرخي البلاط السلالي شريكة 100% في الطغيان السلالي المتقدم والمتأخر لأنها تفتح شهية الطغيان عبر التاريخ.

حالات الاستثناء:
1- عهد الصليحيين 45 عاما تقريبا.
2- عهد الرسوليين 228 عاما تقريبا.
3- فترات متقطعة إبّان الدولة اليعفرية.

كانت فترات استقرار وتنمية ووحدة أرضا وإنسانا، ومع ذلك فقد سجل التاريخ صورا للحقد السلالي الغارق في إفساده المتعطش للدماء مثيرا للحروب في المخاليف الواقعة في الأطراف.

الخلاصة:
- الفساد والإفساد بنسبة 90% مصدره الحكام السلاليون وإخوانهم وأبناء عمومتهم الطامعون في التسلط.

- النسبة الباقية مصدرها القبيلة، قطعا للطرق وحصارا لمركز الدولة، والسبب -حسب المؤرخ د. حسين العمري- الذي حدد سبب فوضى القبائل بطغيان الحاكم السلالي الذي كان يضرب قبيلة بأخرى، ويعد القبيلة المعتدية بالعطايا ثم يخلف، وذكر سببا آخر حدده في فتاوى قضاة عنس الذين انضموا إلى قبائل برط - فتاوى تبيح للقبيلة التقطع والنهب.

- ويزداد القارئ حيرة وذهولا، وهو يقرأ فتوى للمتوكل إسماعيل، في القرن الـ11 الهجري، أن اليمن كلها أرض خراج، أي أن شعب اليمن فاسق لأن اليمنيين ينكرون الحق السياسي السلالي. إذن اليمن كلها مباحة للمتوكل إسماعيل.

لا تقل كفارا:
ذكر المؤرخ الحسني صاحب تاريخ "بهجة الزمن" أن الحاكم السلالي صاحب مدينة المواهب، ذمار، 1128 هـ تقريبا، هاجم يافع واستمرت الحرب شهورا عدة ففشل، فلجأ لوثيقة صلح، فكان أول شرط لقبائل يافع ضد الحاكم "لا تقل كفارا".
ما سبق ذكره يمثل رأس جبل الجليد.

وعليه، ومن خلال رأس جبل الجليد يستطيع القارئ التعرف على كمية حنادس الجهل والظلام والتخلف التي كرسها فكر الطغيان السلالي.

جذور الإصلاح الفكري:

عرفنا آنفا أن مصدر الفساد والطغيان والظلم والتخلف هو الفكر السلالي المتعصب باسم الدين والدين براء.
إذن، لقد كان من البداهة أن تنطلق الحركة الإصلاحية صوب معالجة الفكر السلالي المتعصب وذلك على النحو التالي:

1- محمد بن إبراهيم الوزير، المشهور بابن المرتضى، المتوفى 840 هـ. لقد تحسس أساس الوجع اليمني فوجده في التعصب للحق السياسي السلالي والذي جعلته السلالة من أصول العقيدة، كيف لا، وأنت تجد المهدي، صاحب "البحر الزخار"، والذي عد نفسه مجتهدا مطلقا وهو من جيل ابن الوزير المجدد الآنف الذكر.

باختصار، المهدي ألّف كتابا ضمن كتابه "البحر الزخار" بعنوان "القلائد في إصلاح العقائد"، وتعصب بصورة عجيبة للقول بأن إمامة البطنين عقيدة إيمانية.

2- هنا بادر المصلح ابن الوزير وبأسلوب هادئ جدا فأخرج كتابه الفذ المعنون بـ"إيثار الحق على الخلق في رد جميع المذاهب إلى الحق"، فهذا العنوان يعتذر بهدوء أن الصراع حول قضية الاعتقاد هو اجتهاد له سياقه التاريخي وليس عقيدة، ولكل مجتهد نصيب من الأجر وإن لم يكن قد وصل إلى الحق.

3- "ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان".. هذا الكتاب خصصه لمناقشة الاستدلال بالمنطق اليوناني إثباتا للحق السياسي السلالي.

4- هذا المصلح العظيم ذاق الأمرين لسببين: أن ابن الوزير يعتبر من السلالة، وهذه جريمة الجرائم، وأن ابن الوزير خالف شجرة الهادي الرسي والشيعة... إلخ.

انتهى الموقف باعتزال الفقيه المنصف في جبل النبي شعيب، وبعد سنين عاد ولم يلتفت إليه أحد سوى بنت أخيه قامت على رعايته حتى توفي رحمه الله.

5- صالح مهدي المَقبلي:
هذا الفقيه، في القرن العاشر، ولم يكن من السلالة، تميز بالشجاعة وأخرج كتابا بعنوان "العلَم الشامخ في النهي عن تقليد الآباء والمشايخ"، وكان حاد العبارة داعيا إلى الإصلاح الفكري،
وقدم شرحا على جوانب من كتاب "البحر الزخار"، ولأن التعصب كان في عصره قد بلغ الزبى، حيث قال المقبلي رحمه الله: إنه مر قرابة 100 عام على مدارس صنعاء ومجالسها العلمية ولم تفتح كتاب البخاري ولا مسلم ولا بقية الأمهات الست المعروفة بكتب أهل السنة.

- لم يهاجم أشخاص السلالة، بل مدحهم اتقاء لبطشهم ومع ذلك حورب حتى خرج مهاجرا إلى مكة وتوفي هناك.

6- شخصية مغمورة:
إبراهيم يحيى الشامي: زمن هذا الفقيه بين عامي 1081 -1147 هـ. تتلمذ على يد المصلح المقبلي.

هذا الفقيه ينتسب إلى السلالة لكنه عرف بالتوازن ودرس على يديه طلاب كثير أبرزهم الفقيه المصلح ابن الأمير الصنعاني.

7- إبراهيم الشامي قدم اجتهادات مشرقة حاربت الخرافات والتمسح بالقبور الذي كرسته السلالية تقديسا للتسيد، كما حارب التعصب والتقليد وصرح بوضوح ببطلان دعوى الوصية بالحق الإلهي مستخدما أدلة الأصوليين - منطق التلازم الاصولي، قائلا بالحرف: يا قومنا هذه الروايات كيف خفيت على الخلفاء الراشدين والصحابة وعلي بن أبي طالب والحسن والحسين؟ ثم لماذا الطعن في الصحابة؟ مشيرا بفحوى العبارة أن الطعن في الصحابة يعني طعن بعدالة علي وآل البيت.

لم يكتب هذا الفقيه كتابا خاصا وإنما اكتفى بفتح عقول الطلاب فكريا، وقيل إنه شرح كتاب "القلائد" للمهدي وناقش القول بأن السياسة من أصول العقيدة.

8- المصلح محمد إسماعيل الأمير الصنعاني:
هذا الفقيه ينتسب إلى السلالة لكنه تتلمذ على إبراهيم الشامي وتزوج ابنته، وعاش بين عامي 1111-1182هـ.
وقف ضد التعصب، وتدخل مصلحا بين أولاد العم المتقاتلين على الحكم: حاكم تعز وحاكم صنعاء، وحاكم صنعاء وحاكم صعدة، وحاكم صنعاء وولده الذي خرج بجيش من صعدة والقائمة تطول.

كانت المتعصبة تدعي أن عصر الاجتهاد قد أغلق، وفي ذات الوقت يفاخرون بالمذهب الزيدي أنه فاتح باب الاجتهاد.
اعتقل ابن الأمير وطال اعتقاله، ومنعوه من الخطابة في الجامع الكبير، لكنه كافح بقوة وألّف كتابا صغيرا بعنوان "إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد"، وأثبت يسر الاجتهاد نظرا لتوفير الكتب في شتى المجالات.

حارب الخرافات وحارب التعصب، وألّف كتبا فقهية اقتصر فيها على الاستدلال من الكتاب والسنة، وكانت هذه خطوة تجديدية مشجعة للطلاب والفقهاء على رفض التقليد، ومارس إصلاحات عملية، وقد تناولته ألسن المتعصبين بالقول: "إن الأمير صاحب سنة"، والسبب أنه شرح كتاب "بلوغ المرام" لابن حجر الشافعي و"عمدة الأحكام" لابن قدامة الحنبلي.

9- الفقيه الشوكاني:
قدم الفقيه الشوكاني نوعين من الإصلاح، النوع الأول الإصلاح الفكري والفقهي والثقافي، حيث حارب الخرافات وصب جام غضبه على التقليد وبأسلوب حاد في معظم كتاباته، وربما يعود ذلك النقد الحاد لأنه كان في موقع قاضي القضاة، وألف كتيبا صغيرا بعنوان "القول السديد في الاجتهاد والتقليد"، ويكاد هذا الكتاب أن يتطابق مع كتاب "إرشاد النقاد" للأمير الصنعاني.

10- نقلة نوعية متميزة:
هذا هو النوع الثاني من الإصلاح الذي قدمه الشوكاني حركة هي أقرب إلى الإصلاح الاجتماعي، وحسب د. حسين العمري أن تلك القفزة الإصلاحية الشوكانية النوعية هي عين الفكرة التربوية عالميا إلى اللحظة.

11- "الدواء العاجل في دفع العدو الصائل":
هذه هي القفزة الشوكانية النوعية نحو الإصلاح الاجتماعي.. اتجه الشوكاني لتحليل المجتمع ثقافيا ودينيا... إلخ، فقسمه إلى أربع طبقات:
- طبقة الأمراء.
- طبقة التجار.
- طبقة الرعية والجند في صنعاء.
- طبقة القبائل والبدو.

وعلى الرغم من صغر حجم الكتاب، لكنه لامس حقيقة المرض وهو الجهل، ولا فرق بين الأمراء والفقهاء كونهم متعصبين، شأن سائر العوام. أما التجار والجند وبقية سكان المدينة يظهر عليهم التدين، ولكن يغلب عليهم الطابع الثقافي التعصبي.
القبائل والبدو فقد قال إنهم قطاع طرق، قتلة قاطعي الرحم لا يعرفون إلًا ولا ذمة، لا يصلون ولا يصومون، فإذا قلت له: هذا لا يجوز، يرد عليك: أنا مسلم.

12- العلاج الشوكاني:
توصل الشوكاني -بحكم موقعه في الدولة- توصل مع الملك إلى:
- إلزام العمال في كل المناطق بفتح المدارس للتعليم العام، وفتح المساجد وتعليم الناس الدين الصحيح، وإعطاء رواتب للمعلمين، وإعطاء جوائز للطلاب والمعلمين والعمال الذين نفذوا القرار، وطلب من الملك تخصيص موازنة مالية للتنفيذ، والمتابعة والتوجيه.

13- إصلاح القضاة، واستبدال غير المؤهلين، وكان الشوكاني يدرس بنفسه كتب السنة بين المغرب والعشاء في مسجد صلاح الدين بصنعاء.
نجحت الفكرة الشوكانية الإصلاحية إلى حد كبير، حسب د. العمري.

14- بعد وفاة الشوكاني عام 1250 هـ، دخلت اليمن نفقا مظلما جدا.

15- تسلم العماد يحيى حميد الدين الحكم من الأتراك وأعاد فكرة الشوكاني التعليمية ولكن حصرها بأبناء المشايخ فقط، يدرسون إلى سورة البروج فقط، ويتعلمون الأرقام العددية إلى حد 100 فقط، لأن أعلى رقم مالي يجمعه الشيخ من الزكاة لا يتعدى 100 ريال "فرانص" (ضربة ماريا تيريزا أو الريال النمساوي).

نلتقي بعون الله مع "حركة الإصلاح الاجتماعي السياسي المعاصرة" في الحلقة الثانية.

كلمات دالّة

#اليمن