السبت 20-08-2022 02:26:13 ص : 22 - محرم - 1444 هـ
آخر الاخبار

مخيمات النازحين بمأرب.. وضع مأساوي وإرهاب حوثي وعجز أممي

السبت 26 فبراير-شباط 2022 الساعة 10 مساءً / الإصلاح نت-خاص| عبد الرحمن أمين
  

 

مأساة النزوح في اليمن وتداعياتها الخطيرة هي واحدة من الكوارث التي خلفها التمرد الحوثي على الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا، وواحدة من القضايا الأكثر تعقيدا والتي تسببت بها المليشيا الحوثية جراء الحرب التي تشنها على نطاق واسع منذ سبتمبر من العام 2014.

وقد تسببت المليشيا الحوثية بموجات نزوح متتالية من محافظات مختلفة صوب محافظة مأرب نتيجة الاجتياح الواسع والمواجهات المسلحة في جبهات عدة والاستهداف المباشر وملاحقة المعارضين للمشروع الإمامي الذي تسعى المليشيا الحوثية إلى فرضه بالقوة في مناطق سيطرتهم، مما دفع بمئات الآلاف من الأسر إلى ترك منازلهم والفرار خوفا من جحيم الحرب واتساع رقعتها ورحاها الدائرة منذ ثماني سنوات.

أفواج النزوح

وتعتبر محافظة مأرب أكثر محافظة استقبالا للنازحين من بين المحافظات الـ14 التي تستقبل النازحين والمهجرين الهاربين من الحرب وجحيمها، إذ تحتضن محافظة مأرب أكثر من 60% من إجمالي عدد النازحين في اليمن الهاربين من بطش الميليشيا الحوثية، حيث يتجاوز عدد النازحين 4 ملايين و200 ألف نازح وفق تقارير حقوقية، تضم محافظة مأرب أكثر من نصف العدد، يعيشون أوضاعا بالغة السوء في ظل شح الدعم والمعونات الإغاثية من قبل الجهات المعنية.

وبالإضافة إلى هذا العدد الهائل من النازحين فإن أفواجا أخرى منهم لا زالت تتدفق بين الفينة والأخرى صوب المحافظة نفسها نتيجة التصعيد العسكري المستمر.

ففي نوفمبر من العام الماضي 2021، وجهت السلطات المحلية في محافظة مأرب باستحداث مخيمات جديدة لاستيعاب أعداد كبيرة من النازحين الذين نزحوا من بعض مديريات جنوبي المحافظة.

مخيمات جديدة

ووجه محافظ مأرب "سلطان العرادة" الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين بتجهيز 16 مخيماً جديداً في مديريتي المدينة والوادي، لاستيعاب الأعداد الكبيرة من النازحين الذين فروا من المديريات الجنوبية لمحافظة مأرب كـ"رحبة" و"ماهلية" و"حريب" و"العبدية" و"الجوبة"، وفتح مخيمات إضافية بتمويل من السلطة المحلية لإيواء آلاف النازحين، الذين تدفقوا على المدينة خلال نوفمبر من العام الماضي 2021 من مديريات جنوبي المحافظة هرباً من تصعيد مليشيا الحوثي واتساع دائرة الحرب والتهجير القسري المستمر بشكل يومي، حيث بلغ عددهم أكثر من 13 ألفاً و500 أسرة تضم نحو 93 ألفاً و387 نازحا معظمهم يعيشون في العراء، دون توفر أبسط مقومات الحياة.

وتتركز مخيمات النازحين والتي يصل عددها إلى قرابة 182 مخيما في مناطق كثيرة من محافظة مأرب أبرزها "الجفينة" و"الوادي" و"بدبدة" و"جبل مراد" و"الجوبة" و"حريب" و"رحبة" و"العبدية" و"صرواح"، وتفتقر معظم تلك المخيمات -وفق مسؤولين محليين- لأبسط الاحتياجات الإنسانية الأساسية، وافتقارها لأدنى متطلبات العيش، وغياب أهم الخدمات الضرورية، في ظل ضعف تدخل المنظمات الدولية وانعدام مشاريعها الإنسانية الإغاثية والإيوائية الطارئة في تلك المخيمات التي يتوافد إليها آلاف النازحين بشكل مستمر.

عجز أممي

وقد أقرت الأمم المتحدة في وقت سابق عبر بيان لها بعدم امتلاكها أي مخزون إستراتيجي من المواد الغذائية في محافظة مأرب لمواجهة الحالات الطارئة وتوفير احتياجات النازحين، مما دفع ممثل الأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية لدى اليمن ديفيد جريسلي إلى طلب تخصيص ثلاثة ملايين دولار لهذا الغرض.

وحذرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين نهاية العام المنصرم -في بيان نشرته عبر موقعها الإلكتروني- من مستويات مقلقة لاحتياجات النازحين في محافظة مأرب.

وتقول المفوضية الأممية إنه "في وقت يجبر فيه القتال بمأرب المزيد من الأشخاص على الفرار، نحذر من مستويات مثيرة للقلق من حيث الاحتياجات الإنسانية بين مجتمعات النازحين، بما في ذلك المأوى".

وأكد البيان أن الأوضاع في تلك المخيمات يرثى لها، وأنها تجاوزت طاقتها الاستيعابية.

أخطار تهدد النازحين

الكوارث الطبيعية وتقلبات الطقس وانعدام سبل المواجهة ووسائل الوقاية بعض مما يهدد حياة سكان المخيمات في مأرب ويعرضهم للمخاطر خاصة مع ما تتمع به المحافظة من شدة البرودة شتاء وشدة الحرارة صيفا.

وقد بات الموت برداً في مخيمات النازحين بمحافظة مأرب أمرا معتاد وواقعاً وحقيقة مأساوية، نتيجة دخول فصل الشتاء وموجات البرد القارس، في ظل الأوضاع المعيشية المتردية والصعبة في مخيمات النزوح بالمحافظة، حيث فاقمت هذه الكارثة معاناة النازحين، وأدت إلى وفاة أطفال لم تحتمل أجسادهم الصغيرة معاناة النزوح وزمهرير الشتاء القاتل.

ووفقاً لتقرير أصدرته الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في محافظة مأرب، فقد أعلنت في أواخر العام الماضي 2021 عن وفاة ثلاثة أطفال في مخيمات النزوح بمأرب خلال ديسمبر، نتيجة تدني درجات الحرارة ودخول فصل الشتاء وسوء الأحوال المعيشية التي يواجهها نازحو المحافظة.

وبحسب التقرير فقد تم رصد 12602 إصابة وآثار صحية كان البرد سبباً في زيادة انتشارها خلال نوفمبر والنصف الأول من ديسمبر الماضيين بمخيمات النزوح بمحافظة مأرب.

أضرار وأسباب

ويذكر التقرير عددا من الأسباب لظاهرة الموت برداً في مخيمات النزوح في مقدمتها "التشريد والنزوح القسري والمفاجئ للأسر المهجرة، حيث تنزح هذه الأسر المهجرة إلى العراء أو في خيام بدائية ورديئة الجودة، فضلا عن عدم توفر ملابس أو مواد تدفئة لهم".

ويشير التقرير إلى أن "المخيمات المستحدثة هي الأكثر عرضة لمثل هذه الكوارث الطبيعية التي تزيد من معاناة النازحين يوماً بعد آخر".

ويضيف أن "المحافظة تعاني من ضعف التدخلات الطارئة لمواجهة الكوارث والحوادث والتي تفاقم من معاناة النازحين، حيث إن الدور الذي يقدمه شركاء العمل الإنساني من منظمات محلية ودولية بالمحافظة ضعيف جداً في هذا المجال".

ولفت إلى أن مخيمات النزوح بالمحافظة والبالغ عددها 182 مخيما "أكثر عرضة لموجات البرد والكوارث الطبيعية كالسيول والأمطار والأعاصير، كونها لا تضم خياماً عازلة للمياه، كما أن الخيام رديئة الجودة في ظل غياب وسائل تدفئة ضرورية مثل البطانيات والملابس الشتوية".

ويذكر التقرير أن النازحين "يعانون ظروفا مادية صعبة جراء تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد، بالتزامن مع انتشار رقعة الأمراض التي يسببها البرد في أوساطهم خصوصاً بين الأطفال وكبار السن".

أزمة وأخواتها

ما يزيد الأمر تعقيدا هو تحول محافظة مأرب إلى وجهة للهجرة واللجوء من جنسيات مختلفة وبأعداد كبيرة، الأمر الذي ساهم في تفاقم الأزمة أكثر، فقد أظهرت بيانات "مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين" أن مناطق سيطرة الحكومة الشرعية تستضيف 60‎ في المئة‎ من طالبي اللجوء من القرن الأفريقي والذين يزيد عددهم على 140 ألف شخص، حيث انتقل معظم هؤلاء إلى مناطق سيطرة الشرعية بعد تعرضهم للمضايقات والتجنيد القسري في مناطق سيطرة الحوثيين، بالإضافة إلى ترحيل الآلاف منهم من تلك المناطق بعد أن قُتل العشرات في أحد مراكز الاحتجاز وسط العاصمة صنعاء.

ويقول تقرير صدر في وقت سابق عن "الوحدة التنفيذية لإدارة شؤون النازحين بمحافظة مأرب" -تناول الوضع الإنساني في مديريات جنوبي المحافظة- إن نسبة الفجوة في الاحتياجات الضرورية بنسب متفاوتة، حيث بلغت نسبة الاحتياج للمواد الإيوائية 96%، يليها المياه والإصحاح البيئي 92%، ويليها العجز في الأمن الغذائي وغيرها من المواد الأخرى 75%.

وبحسب مدير الوحدة التنفيذية لشؤون النازحين بمحافظة مأرب "سيف ناصر مثنى" فإن المنظمات الأممية والهيئات الإغاثية "لم تقدم شيئا لإغاثة أبناء مديرية العبدية والنازحين الجدد منذ مطلع سبتمبر 2021، مما زاد من تفاقم الوضع الإنساني للنازحين".

ويضيف أن "معظم تلك المنظمات تنفق ما يتم تمويله باسم النازحين في مناطق سيطرة الحوثيين، ولا يصل إلى نازحي مأرب إلا النزر اليسير".

سوء التغذية وانعدام العملة

ومع الارتفاع الحاد لأسعار المواد الغذائية إلى أكثر من الضعف في المناطق التي تخضع لإدارة الحكومة الشرعية، وانعدام الدخل لدى الكثير من النازحين وانخفاض قيمة العملة المحلية والتضخم المفرط، خاصة في ظل تأخر المنظمات الأممية والمعنية بتوفير احتياجات النازحين وعجزها عن القيام بدورها، يصبح وضع النازحين أكثر صعوبة، وهذا ما عكسه تحذير المديرة الإقليمية لبرنامج الأغذية العالمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا "كورين فلايشر" بالقول إن الشعب اليمني "بات الآن أكثر ضعفا من أي وقت مضى، ويعاني من صراع مستمر والأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي دفعت بالملايين إلى الفقر".

وأضافت أن "مخزون برنامج الأغذية العالمي في اليمن ينضب بشكل خطير، في وقت تستنفد فيه ميزانيات الأزمات الإنسانية حول العالم إلى أقصى طاقاتها..
نحن بحاجة ماسة إلى المتبرعين، الذين كانوا كرماء للغاية في الماضي، للعمل معنا في سبيل تجنب كارثة جوع تلوح في الأفق".

وتكشف تقارير حقوقية عن تزايد حالات الإصابة بسوء التغذية بين الأطفال في مخيمات محافظة مأرب، حيث تم اكتشاف 3700 طفل يعانون من سوء تغذية حاد تم إخضاعهم للعلاج التغذوي العاجل، وبإشراف مباشر من قبل منظمة اليونيسيف للطفولة.

وتشير إلى أن محافظة مأرب تشهد ارتفارعًا متزايدًا في حالات الإصابة بسوء التغذية بين الأطفال في مخيمات النزوح بسبب عوامل مرتبطة بغذاء الأمهات الحوامل والوضع المعيشي الصعب الذي يعانيه النازحون، وارتفاع أسعار الغذاء والدواء بالإضافة لعامل الهجرة والنزوح.

إرهاب لا يستثني النازحين

ومع ما تمثله محافظة مأرب من أهمية لدى المليشيا الحوثية وما تبديه من تعنت وإصرار في ظل خسائر كبيرة تتعرض لها المليشيا ومحاولات متكررة للسيطرة على المحافظة، إضافة إلى حالة العداء والحقد الذي تبديه تجاه مأرب وسكانها، فإن مخيمات النازحين تصبح أكثر عرضة للقصف وتحت طائلة خطر مستمر لهجمات الحوثيين على المخيمات والمناطق الآهلة بالسكان، وهو ما تمادت به المليشيا الحوثية من خلال الاستهداف المتكرر لمخيمات النازحين والمناطق الآهلة بالسكان.

وبحسب تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية باليمن، مطلع فبراير الجاري، فقد تعرض 12 مخيما للنازحين لسلسلة هجمات بواسطة صواريخ باليستية من قبل مليشيات الحوثي في محافظة مأرب.

وأوضح التقرير أنه بين 9 و10 ديسمبر الماضي، هاجمت مليشيات الحوثي 12 موقعا للنازحين في مأرب تقع على بعد 20-30 كيلومترا من الخطوط الملتهبة، بأربعة صواريخ باليستية.

وقد تعرضت مدينة مأرب وأحياؤها المكتظة بالسكان والنازحين لقصف صاروخي عنيف خلال الساعات الأولى من يوم الأحد 20 فبراير الجاري، وأعلن موقع محافظة مأرب إطلاق ميليشيا الحوثي سبعة صواريخ باليستية خلال ساعتين، استهدفت الأحياء السكنية وتجمعات النزوح بمحافظة مأرب، وأفاد الموقع بسقوط قتلى وجرحى من المدنيين، بالإضافة إلى إحداث حالة من الهلع جراء القصف العنيف.

اليمن رابع دولة من حيث النزوح

حالة من النزوح وحياة التشرد باتت سمة بارزة ومشهدا معتادا لا يفارق حياة اليمنيين، إذ بات النزوح والهجرة حلا لا مناص منه لدى الكثير منهم حفاظا على حياتهم وخوفا من مصير مشؤوم.

وتقول "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين" في تقرير سابق إنه تم ترحيل ما يقرب من 172 ألف فرد قسريًا في اليمن عام 2020 فقط، مما ضاعف أعداد النازحين في اليمن، الأمر الذي ساهم في تصنيف اليمن كرابع أكبر دولة على مستوى العالم من حيث أعداد النازحين داخليًّا، بعد سوريا وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

كلمات دالّة

#اليمن