السبت 28-05-2022 14:05:44 م : 27 - شوال - 1443 هـ
آخر الاخبار

خطر يتزايد.. ما تأثير الانقلاب والحرب الحوثية على الصحة النفسية لليمنيين؟

الثلاثاء 18 يناير-كانون الثاني 2022 الساعة 05 مساءً / الإصلاح نت-خاص-زهور اليمني

 

منذ الانقلاب الحوثي، شهد الوضع في اليمن بشكل عام تردياً كبيراً وصل إلى ذروته، إذ لم يكن ضحايا الانقلاب والحرب من المدنيين قتلى أو جرحى فقط، بل كان للحرب ضحايا آخرون لم يعرفهم المجتمع على حقيقتهم، كما لم تتطرق لهم ولمعاناتهم وسائل الإعلام، حيث جلبت السنوات السبع العجاف بآثارها السلبية البالغة، مختلف أنواع المآسي والآلام والدمار والأمراض النفسية لليمنيين على حد سواء.

وتؤكد إحصائيات محلية وجود أكثر من 5 ملايين يمني مصاب حاليا باضطرابات نفسية، يتوزع معظمهم في المدن الأكثر كثافة سكانية والأشد فقراً، كالعاصمة صنعاء ومحافظات تعز والحديدة وإب وذمار، ويفترش عدد كبير منهم أرصفة الشوارع في صنعاء ومدن يمنية أخرى، في حين يلجأ بعضهم للتسول ويقتات البعض الآخر من القمامات.

بحسب معلومات رسمية، يوجد في اليمن ثلاث مصحات نفسية، إلى جانب مستشفى واحد متخصص بالطب والعلاج النفسي في صنعاء، بينما يوجد أقل من 50 طبيباً فقط موزعين على عموم مناطق اليمن، ناهيك عن غياب الأقسام المتخصصة بالطب النفسي في المنشآت الصحية، والتي قضت المليشيات على البعض منها واقتحمت البعض الآخر، كما حصل للمصحات النفسية في كل من إب وتعز، وتحويلها إلى سجون خاصة بها.

ووفق آخر مسح نفذته منظمة الصحة العالمية، فإن من بين 3507 منشآت صحية في اليمن تغيب فيها الخدمات المتعلقة بالأمراض النفسية ولا تتوافر إلا بنسب ضئيلة، مما ضاعف من أعداد المرضى النفسيين، إضافة إلى الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي عصفت باليمنيين جراء الانقلاب الحوثي.

وكشفت دراسة محلية حديثة، أعدتها مؤسسة "التنمية والإرشاد الأسري"، عن أن عدد المتضررين نفسياً بسبب الحرب التي أشعلتها المليشيات يقدر بـ5 ملايين و455 ألفاً و347 شخصاً من الجنسين، ومن مختلف الفئات العمرية.

وتؤكد الدراسة أن 195 شخصاً من كل ألف يمني يعانون من ضغوط واضطرابات نفسية حادة.

وتقول المؤسسة في دراستها إن السبب الرئيسي في ازدياد أعداد المرضى النفسيين يعود إلى دخول اليمن بدوامة الحرب، باعتبارها المتغير الوحيد الذي طرأ على البلاد، مما أدى إلى نزوح أكثر من 3 ملايين شخص من منازلهم، أي ما يقارب 11% من مجموع السكان، إضافة إلى تدهور الحالة المعيشية للسكان بعد انقطاع الرواتب وانعدام فرص العمل، وارتفاع نسب البطالة ومعدلات الفقر إلى 80%.



لقد حاولت إضرام النار في جسدي:

في زيارة لي إلى أحد المنشآت الصحية بصنعاء، التقيت بعدد من المرضى النفسيين الذين أتوا لتلقي العلاج، أغلبهم -كما أخبروني- ظهرت لديهم أعراض المرض النفسي نتيجة الضغوط المادية التي حدثت لهم يعد الانقلاب وانقطاع الرواتب.

الكثير يحتاجون إلى خدمات الصحة النفسية التي لا تتوفر في أغلب الأحيان، وإذا توفرت في العيادات الخاصة فغالبا لا يستطيع الأهل تحمل تكاليفها، حيث يعاني معظم هؤلاء الأشخاص من الفقر، ولا يستطيعون دفع 3 آلاف ريال لاستشارة مدتها ساعة واحدة.

لم يحتمل عبد الله ظروف الحرب التي حاصرته من كل مكان، وحين فقد مصدر دخله الوحيد بدأ يشعر بأعراض نفسية لم يكن يتوقعها من قبل، حيث يقول: "بعد أن فقدت مصدر دخلي اتجهت نحو العزلة، وقضاء أوقات طويلة بعيدا عن أفراد عائلتي ومنزلي، وبت أعاني من الهلوسات وأسمع أصواتا وأتكلم مع نفسي، وبدأت أشعر بأن الجميع يتآمر ضدي ويحاول أذيتي. بت أرى كائنات خيالية وأسمعهم وهم يملون علي الأوامر، حيث كانوا يطلبون مني أن أموت حتى إنني سكبت الوقود على نفسي، محاولا أن أضرم النار في جسدي".

وأضاف: "فبعد أن كانت تنعم عائلتي باستقرار مالي، باتت تواجه مشاكل مادية شديدة، وأمست تكافح لتدبير أمورها المعيشية. كافحت عائلتي لتوفر لي تكاليف العلاج والجلسات حتى إنها باعت أرضا كانت تدر عليهم مصدر دخل يغنيهم عن ذل السؤال، والحمد لله بعد مرور عام على علاجي في هذه المنشأة بدأت أتعافى، وهذه الزيار للدكتور ما هي إلا لأخذ بعض الأدوية التي لا زلت بحاجة لها، كما ذكر لي الطبيب".



الدعم النفسي يؤدي إلى إضعاف الروح الجهادية:

أجبرت مليشيا الحوثي المنظمات الدولية على إغلاق مشاريع الدعم والتأهيل النفسي في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بذريعة "إضعاف الروح الجهادية".

حيث أغلقت منظمة "هانديكاب" الدولية مشروع التأهيل النفسي في صنعاء، جراء الضغوط التي مارستها مليشيا الحوثي على العاملين في المنظمة، ومنع الفريق الخاص بالمشروع من ممارسة عمله.

وكانت منظمة "هانديكاب إنترناشيونال" المتخصصة في مجال الإعاقة قد أصدرت مع المنظمة الدولية للمعوقين تقريراً مشتركاً، حول الأضرار النفسية الناجمة عن الحرب التي تسببت بها مليشيا الحوثي.

حيث ذكر التقرير أن الحرب خلفت آثاراً نفسية مرهقة للغاية، وأنّه لا يزال الدعم النفسي والاجتماعي يمثل تحدياً في منطقة لا تحظى فيها فكرة الضائقة النفسية إلا بمصداقية قليلة.

وأشار التقرير إلى أن فريق المنظمتين قدم الدعم النفسي لأكثر من 16 ألف شخص، بينما كان يتم التخطيط لتدريب أكثر من 400 عامل صحي لعلاج الأشخاص الذين يعانون من صدمة جسدية ونفسية شديدة، مع ازدياد المحتاجين للدعم النفسي في صنعاء.

بدورها، بررت المليشيات موقفها بأن الدعم النفسي يضعف الروح الجهادية لدى المتضررين نفسياً من الحرب، ويجعلهم يحبون الحياة متخاذلين عن الانضمام إلى جبهات القتال.

 

الخوف من انتكاسة كبيرة لكيان المجتمع بأكمله:

منذ انقلاب المليشيات الحوثية على الشرعية، ارتفعت معدلات الفقر وتعرض العامل النفسي لكثير من اليمنيين لانتكاسة كبيرة، وأصيب جراء ذلك غالبية السكان بأمراض نفسية تكاد تكون مستعصية، كما أخبرنا الطبيب النفسي (م. ق) الذي أكمل حديثه قائلا: "أعداد كبيرة لا يُستهان بها من المواطنين تعاني اليوم من التبعات السلبية النفسية والاجتماعية والعاطفية، التي خلّفها الانقلاب على مدى 7 سنوات. يومياً نسجل ما بين 20 إلى 40 حالة جديدة، من غير المرضى الموجودين لدينا بالمنشأة الذين يتلقون العلاج النفسي بشكل مستمر".

وأضاف: "هناك أسباب كثيرة لتزايد أعداد المرضى النفسيين الذين يتوافدون يومياً إلى عيادتي، لعل أبرزها يتمثل بعدم قدرتهم على توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة المعيشية لأسرهم، بعد فقدانهم لرواتبهم وأعمالهم وعدم الحصول على فرص عمل أخرى بديلة، ثم يأتي سبب آخر وهو عدم قدرة البعض من الشباب على الزواج وتحقيق الاستقرار، بالإضافة إلى أسباب أخرى، كالخوف وعدم الأمن والاستقرار، ومشكلات وخلافات أسرية".

وتابع: "الظروف المادية الصعبة التي تعيشها أسر المرضى، وعدم قدرتهم على دفع تكاليف العلاج، شكل سببا آخر أدى إلى تنامي هذا الظاهرة في أوساط المجتمع، أضف إلى ذلك توقف المنشآت الخاصة بالطب النفسي، وخروج أجهزتها ومعداتها الطبية عن الخدمة بنسبة 95%، حيث يوجد سرير واحد فقط لكل 250 ألف مريض نفسي، علاوة على البيئة الصعبة التي يعيش فيها المرضى، حيث يوجد كثير منهم في أقسام سجون مركزية ومصحات تفتقر إلى أبسط التجهيزات والأدوية اللازمة، كل هذا يعد من بين الأسباب الرئيسية التي عملت على تزايد أعداد المرضى النفسيين في اليمن".

ووأضح أنه "برغم إمكانية المنشأة البسيطة إلا أنها تواجه بشكل يومي ازدحاماً شديداً في أعداد المرضى النفسيين، وبرغم ما نعانيه من ضغوط وإهمال ولامبالاة من وزارة الصحة التابعة للمليشيا الانقلابية في صنعاء، إلا أننا نقوم ولو بالحد الأدنى من دورنا في علاج المرضى الذين قد يتحولون في يوم ما -إذا لم تقدم لهم الرعاية الطبية والنفسية الكاملة- إما إلى مجرمين أو ضحايا إجرام أو يقدموا على عملية الانتحار، مما قد يسبب انتكاسة كبيرة لكيان المجتمع اليمني بأكمله".

 

45% من المرضى يعانون من حالات خطرة:

في تقرير لها كشفت منظمة "أطباء بلا حدود" عن ارتفاع هائل في عدد الحالات النفسية الشديدة في اليمن، جراء الحرب التي تشهدها البلاد منذ سبع سنوات.

وقالت "أنتونيلا بوتزي" مديرة أنشطة الصحة النفسية للمنظمة بالمستشفى الجمهوري في حجة: "إن نطاق الحالات التي نعالجها كبير، فهناك أشخاص يعانون من القلق والأرق، ومرضى يعانون من أمراض خطيرة مثل الذهان والاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب، واضطراب ما بعد الصدمة".

وأشارت إلى أن "النزاع المسلح في اليمن لم يؤثر على الصحة البدنية للناس فحسب، بل قلل من وصولهم إلى الرعاية الصحية والتعليم والغذاء، كما أنه قيّد حريتهم في التنقل وحرمهم من حرية التعبير عن أنفسهم، وهذا يخلق اضطرابات صحية عقلية خطيرة".

وأضافت "بوتزي" أن "المرضى الذين يعانون من مشاكل نفسية في اليمن، لا يختلفون عن غيرهم ممن يعانون من الصراع في جميع أنحاء العالم، لكن 45% من المرضى الذين نراهم في عيادة الصحة العقلية التابعة لأطباء بلا حدود في اليمن، يعانون من حالات خطيرة".

وكشفت عن أن عدد الحالات الشديدة "مرتفع بشكل مذهل، لا سيما مع الأخذ في الاعتبار أنه في جميع أنحاء العالم وحتى في حالات النزاع، يجب ألا يتجاوز عدد المرضى الذين يعانون من حالات صحية نفسية حادة 5.1% من إجمالي الحالات، على النحو الذي حددته منظمة الصحة العالمية في عام 2019".



تبعات الحرب ستؤثر على الأجيال اللاحقة:

تحت عنوان "أثر الحرب على الصحة النفسية في اليمن"، نفذ مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية دراسة طويلة حول هذا الموضوع نلخصها في هذه السطور:

الآثار الخطيرة والعديدة للانقلاب ونشوب الحرب، تبدأ من التعرض المتكرر للعنف وانعدام الأمن على نطاق واسع، وتشمل نقص الأغذية والأمراض والفقر المتفشي والمتسارع، وصولاً إلى تحطم الروابط الاجتماعية وانعدام الخدمات الاجتماعية الأساسية، التي شكلت بمجملها ضغوطاً هائلة على اليمنيين، فاقم بشدة من تدهور الصحة النفسية على أوسع نطاق.

تفيد الأدلة المتراكمة التي خرجت بها الدراسة أن 15-20% من السكان الذين يعيشون في مناطق سيطرة الحوثيين، يمرون باضطرابات نفسية بين الخفيفة والمعتدلة، كالاكتئاب والقلق.

كما يعاني 3-4% من اضطرابات نفسية شديدة، مثل الذهان والاكتئاب المرهق والقلق، مما يؤثر على قدرتهم على العمل.

وبما أن الأطفال دون سن الرابعة عشرة يمثلون نحو 44% من مجموع السكان في اليمن، فإن سلامتهم شكلت مصدر قلق بوجه خاص، ولا سيما بالنظر إلى هشاشتهم الشديدة حيال آثار الحرب.

فهناك حالياً مليوني طفل في سن الدراسة خارج المدرسة، ويعاني 462.000 طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد الشديد، في حين تم تجنيد حوالي 1.500 طفل قسرياً للقتال.

وأظهرت الدراسة أن أطفال صنعاء وعدن وتعز وأبين أبانوا عن ارتفاع مهول في مشاعر الخوف، وانعدام الأمن والقلق والغضب، حيث عانى 31% من الأطفال في الدراسة أعراضاً جسدية، بما في ذلك الصداع وآلام الصدر والبطن والإرهاق، والتي اعتبرها الباحثون مؤشرات على وجود ضائقة نفسية.

وقد لاحظت الدراسة تمايزاً واضحاً في شدة الأعراض النفسية بين المحافظات، يعادل تقريباً كثافة النزاع في مختلف المناطق.

فوفقاً للدراسة، عند تقييم حالة أطفالهم أفاد الآباء بأن 5% من الأطفال يعانون من التبول اللاإرادي، و2% عادوا إلى التأتأة، و47% يعانون من اضطرابات النوم، و24% لديهم صعوبة في التركيز، و17% يعانون من نوبات هلع.

وذكرت الدراسة أنه وبالنظر إلى البحوث المتاحة التي تربط النزاع مع نتائج مقلقة على مستوى الصحة النفسية، وبالنظر إلى شدة وطول أمد النزاع في اليمن، لعل من المؤكد أن شرائح واسعة من سكان اليمن يعانون من آثار سلبية طالت صحتهم النفسية، ومع بقاء هذا الأمر من دون علاج سيؤثر ذلك بشكل خطير على احتمالات التعافي بعد انتهاء النزاع، وكذلك على الأجيال اللاحقة من اليمنيين.

كلمات دالّة

#اليمن