السبت 28-05-2022 14:32:56 م : 27 - شوال - 1443 هـ
آخر الاخبار

معارك شبوة ومأرب.. لماذا انهارت المليشيا الحوثية وما دلالات ذلك؟

الأحد 16 يناير-كانون الثاني 2022 الساعة 08 مساءً / الإصلاح نت - خاص | عبد السلام الحاتمي

 

بعد أن تكبدت خسائر فادحة في الأرواح والمعدات طوال العام الماضي على أطراف محافظة مأرب، بدأت مليشيا الحوثيين تتراجع على الأرض، حيث استعادت ألوية العمالقة السيطرة على ثلاث مديريات بمحافظة شبوة، هي بيحان وعسيلان وعين، التي كانت المليشيا الحوثية قد سيطرت عليها في سبتمبر الماضي. كما استعادت قوات الجيش الوطني والمقاومة الشعبية السيطرة على عدد من المناطق في جنوبي محافظة مأرب، والتحمت قوات الجيش الوطني وقوات العمالقة في مديرية حريب، وكان للطيران الحربي لتحالف دعم الشرعية دور فعال في الانتصارات التي تحققت في المحافظتين المذكورتين.

في المقابل، تعيش مليشيا الحوثيين حالة استنفار واسعة، وسط خلافات حادة بين قياداتها وأجنحتها المختلفة، بسبب فشلها في حشد مزيد من المقاتلين من مناطق سيطرتها إلى الجبهات المشتعلة مؤخرا، وتعويض النقص الحاد في عدد مقاتليها الذين خسرتهم طوال العام الماضي بسبب محاولاتها الفاشلة للسيطرة على مدينة مأرب ومناطق النفط والغاز في المحافظة ذاتها. ونظرا لحاجة المليشيا الماسة لمزيد من المقاتلين، فإنها قد تضطر للدفع بقاداتها الذين تسميهم "مشرفين" للقتال في ساحة المعركة، بعد أن كانوا مكلفين بمهام محددة، مثل التواصل مع مشايخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لحشد المقاتلين والتجنيد وجمع الإتاوات والنهب وغير ذلك، وهذا سيتسبب بخلافات إضافية في أوساط المليشيا، فالقيادات التي اعتادت على حشد المقاتلين إلى الجبهات لتتفرغ هي للنهب وجمع الإتاوات والثراء غير المشروع ورفاهية العيش، لا تريد أن تغادر الرفاهية ونمط العيش الذي اعتادت عليه.

 

- ما أسباب تراجع المليشيات؟

مع بداية العام الماضي 2021، كانت مليشيا الحوثيين قد استكلمت التجهيزات لشن معركة على محافظة مأرب بهدف السيطرة عليها، كونها مركز الثقل للسلطة الشرعية، وتتمتع بثروات النفط والغاز، وتلك التجهيزات كانت بإشراف الحاكم العسكري الإيراني لمليشيا الحوثيين في صنعاء، حسن إيرلو، الذي جمعت خطته لاقتحام مدينة مأرب ومنابع النفط والغاز في المحافظة، بين فكرة الإمام الخميني في ثورته ضد شاه إيران وبين فنون القتال الحديثة، ففكرة الخميني في ثورته ضد شاه إيران بدت واضحة في معركة مأرب من خلال اعتماد الحوثيين على الكثافة البشرية الهائلة وأرتال المقاتلين غير النظاميين المتجهين صوب مأرب، أو ما يطلق عليه محليا "الأنساق البشرية"، وكان مبرر الخميني لاعتماد هذه الفكرة في ثورته ضد شاه إيران، عام 1979، أن أرتال المقاتلين من الشباب والمراهقين الثائرين والفقراء المتحمسين تحقق نصرا سريعا ضد الطرف الآخر أفضل مما تحققه الجيوش النظامية، مفسرا ذلك بأن الجيوش قد تتراجع وتستسلم إذا أحست بقرب الهزيمة، أما الأرتال البشرية المتحمسة فإنها لا تتراجع حتى وإن فنيت جميعا.

وبخصوص حضور الفنون القتالية الحديثة في خطة إيرلو، فتتمثل في أن توجه مليشيا الحوثيين كل قدراتها التسليحية والبشرية عبر أقصر الطرق وبخط مستقيم نحو مدينة مأرب مباشرة وصولا إلى منابع النفط والغاز، باعتبار أن المدينة وما حولها تمثل مركز الثقل الرئيسي للحكومة الشرعية، والإرادة القتالية ضد الحوثيين هناك هي الأقوى، وكانت المليشيا الحوثية تعتقد أنه في حال السيطرة على مأرب فإن السيطرة على المدن والمحافظات الأخرى ستكون أهون وأقل كلفة مادية وبشرية.

لكن الجيش الوطني في مأرب أدرك طبيعة خطة حسن إيرلو والحوثيين للسيطرة على مدينة مأرب، المتمثلة في التقدم نحو المدينة من أقصر مسافة، وتركيز الهجوم على المواقع الرئيسية للجيش، مع التحرك السريع يمينا وشمالا بغرض إرباكه، لكي تتحقق اختراقات بسهولة، وقد واجه الجيش تلك الخطة بخطة دفاع مناسبة تتمثل في التمركز القوي حول مدينة مأرب ومنابع النفط والغاز في المحافظة، وتوظيف التضاريس المحيطة بالمدينة لصالحه والتحكم بها، وعدم الالتفات للتنقل السريع للحوثيين يمينا وشمالا والإعلان عن تقدمهم في مساحات صغيرة وصحراوية تبعد عن أماكن تموضعه بهدف استدراجه من مواقعه الرئيسية إلى أماكن بعيدة لإحداث ثغرات يسهل النفاذ منها، وبالتالي إحداث اختراقات خطيرة تمكن المليشيات من قطع أشواط لتحقيق هدفها بالسيطرة الكاملة على المحافظة.

 

- لماذا انهارت المليشيا الحوثية؟

كان مفاجئا خلال الأيام الماضية انهيار مليشيا الحوثيين في محافظتي شبوة ومأرب، وتعود أسباب ذلك الانهيار إلى الخسائر الكبيرة التي تكبدتها المليشيا في الأرواح والمعدات العسكرية منذ فبراير من العام الماضي، وكانت محاولاتها المستميتة للسيطرة على محافظة مأرب بمثابة انتحار عسكري ساقت نفسها إليه بإشراف الإيراني حسن إيرلو الذي هلك مؤخرا في ظروف غامضة، وذكر تحالف دعم الشرعية أن قتلى مليشيا الحوثيين منذ بدء عمليتها العسكرية في مأرب وحتى قبيل نهاية العام الماضي بلغ نحو 30 ألف قتيل.

يضاف إلى ذلك أن المليشيا خسرت كميات كبيرة من آلياتها العسكرية جراء الغارات الجوية لتحالف دعم الشرعية ونيران مدفعية الجيش الوطني، ويزيد من حجم خسائر المليشيات أنها ساقت عناصرها إلى مناطق صحراوية مكشوفة، وبأعداد ضخمة، ولم يتلقوا تدريبا جيدا، حيث تكتفي المليشيات بالتحريض المناطقي والتعبئة الطائفية، مع إجراء تدريبات محدودة على كيفية استخدام السلاح، ومن ثم إرسالهم إلى جبهات القتال، كونها في سباق مع الزمن لتحقيق مكاسب على الأرض، وتعتقد أن كثرة عدد المقاتلين والتعبئة كفيلان بحسم المعركة، ولا تبالي بحجم الخسائر البشرية، لاستهتارها بأرواح البسطاء والمغرر بهم ومن تجندهم تحت سياط الترغيب والترهيب.

 

- دلالات انتصارات الجيش والمقاومة

هناك دلالات عدة للانتصارات الأخيرة التي حققها الجيش الوطني وقوات العمالقة والمقاومة الشعبية في محافظتي مأرب وشبوة وأطراف محافظة البيضاء، ومن أهم تلك الدلالات: أن هزيمة مليشيا الحوثيين والمشروع الإيراني في اليمن ممكنة وبسرعة في حال تم تحريك جبهات عدة بشكل متزامن، لأن ذلك يربك مليشيا الحوثيين التي اعتادت على الاستفراد بالجبهات وتركيز كل قوتها في جبهة واحدة، كما أن وحدة الصف الجمهوري ضد مليشيا الحوثيين تصيبها بالإحباط والهزيمة النفسية، وبمجرد تحريك جبهات محدودة وتوجيه ضربات قوية للمليشيا، فإنها تنهار بسرعة غير متوقعة.

ومن الدلالات أيضا، أنه بالتحام قوات العمالقة والجيش الوطني والمقاومة الشعبية في مديرية حريب جنوبي محافظة مأرب، وحالة الانسجام في المعركة، تؤكد أن الخلافات بين فرقاء الصف الجمهوري هي خلافات بين بعض النخب السياسية فقط، ولا وجود لها في أوساط قوات الجيش التابعة للحكومة، ولا وجود لها أيضا في أوساط الشعب، ومثلما أن قوات العمالقة يوجد فيها جنود من شمال الوطن ومن جنوبه، فإن قوات الجيش الوطني يوجد فيها أيضا جنود من شمال الوطن ومن جنوبه، وهذا ينفي عن كل تلك القوات أي صفات مناطقية تصبغها عليها بعض وسائل الإعلام.

وفي المحصلة، إن الاستمرار في المعركة الأخيرة بشبوة ومأرب والبيضاء على نفس الوتيرة، مع ضرورة تحريك مختلف الجبهات الأخرى الجامدة، من شأنه تحقيق المزيد من الانتصارات، وستتوالى الانهيارات في صفوف المليشيا الحوثية، وسيترك المقاتلون المغرر بهم السلاح وسيعودون إلى أهاليهم أذلة يتملكهم الخوف، وسيبدأ قادة المليشيا في الهروب والتخفي عن الأنظار والبحث عن سبل النجاة، وفي كل مديرية أو محافظة تتحرر سيلتف فيها المواطنون حول القوات الحكومية، وستكون الفرحة مضاعفة عندما تلتقي القوات الحكومية من كل المحاور في العاصمة صنعاء، وسيعود اليمن إلى محيطه العربي، وستتلقى إيران ومليشياتها صفعة مدوية. أما إذا توقفت تلك المعارك في خطوط تماس محددة، فإن ذلك ليس سوى منح مليشيا الحوثيين فرصة ثمينة ومجانية لاستعادة أنفاسها وحشد المجندين بالقوة والعنف، لتغرق البلاد في مآسٍ وكوارث إضافية لا تحتمل.

كلمات دالّة

#اليمن