الخميس 26-05-2022 20:40:03 م : 25 - شوال - 1443 هـ
آخر الاخبار

الحوثيون والعنف.. دماء الضحايا ترسم ملامح ثورة قادمة

الأحد 31 أكتوبر-تشرين الأول 2021 الساعة 05 مساءً / الاصلاح نت-خاص-عبد السلام الحاتمي
 

 

تفوقت مليشيا الحوثي الإرهابية على نظيراتها من الجماعات الإرهابية المختلفة في استخدام مختلف وسائل العنف والإرهاب لإخضاع المواطنين لسلطتها في أي منطقة تسيطر عليها، ولعل ما حدث في منطقة العبدية التابعة لمحافظة مأرب، بعد وصول الحوثيين إليها الأيام الأخيرة، أكبر دليل على ذلك، حيث مارست المليشيا كل أنواع التنكيل بحق المواطنين هناك، من حصار خانق وقصف بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وتفجير المنازل والاختطافات العشوائية وتحويل المدارس والمباني الحكومية إلى سجون يتم فيها تعذيب السجناء بوحشية وعنف.

وقبل ذلك، لم تغب عن أذهان المواطنين الصور التي نشرتها المليشيات لمدنيين من أبناء منطقة الحيمة بمحافظة تعز بعد قتلهم وصلب جثثهم على جذوع الأشجار، وتفجير المنازل وإحراق المزارع وقتل المواشي وتشريد السكان، وتعد هذه مجرد نماذج لحالات عنف كثيرة لم تصل وقائعها إلى وسائل الإعلام، بسبب ما تفرضه المليشيا الحوثية من تعتيم إعلامي وتهديد وإرهاب ضد أهالي الضحايا في حال تحدثوا عن تلك الممارسات سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو وسائل الإعلام.

- اغتصاب السلطة بسياط الإرهاب

تدرك مليشيا الحوثي أنها انقلابية ومغتصبة للسلطة، وأنها مجرد مظلة لعصابات كبيرة من اللصوص والقتلة والمجرمين الإرهابيين الذين لا يفقهون أبجديات الحكم وأبسط مسؤوليات الدولة أو سلطات الأمر الواقع حيال مواطنيها، ويتخذون من الحكم وسيلة للنهب والقمع وتصدير الذعر والخوف للمواطنين واستخدام كل وسائل الإرهاب والتنكيل والتعذيب، لمنع ظهور أي انتفاضة شعبية محتملة ضد تلك العصابات، وجعل العنف والإرهاب الوسيلة الوحيدة التي يستمدون منها سلطتهم الإرهابية ضد الشعب الذي لم يمنحهم شرعية لحكمه ولم يفوضهم لتمثيله أو التحدث باسمه ويرفض حكم العصابات واللصوص رفضا قاطعا.

ويعد العنف والإرهاب من أساسيات النهج الحوثي لإخضاع المواطنين لسلطتهم، ولذا فإن مبالغتهم في التنكيل بالمدنيين في أي منطقة يصلون إليها الهدف منه إرسال رسالة للمواطنين مفادها أن من سيعترض على حكم المليشيات الحوثية سيكون مصيره مثل مصير أولئك، قتل وصلب وتشويه بالجثث، أو سجن وتعذيب وتفجير للمنازل وإحراق للمزارع ونهب للممتلكات في أقل الأحوال، ثم إرسال وسطاء للتفاوض مع أبناء مناطق أخرى لتخييرهم بين الاستسلام وتجنيب مناطقهم القتل والدمار أو أن مصيرهم سيكون مثل مصير سابقيهم، وهو ما يجعل أبناء بعض المناطق الصغيرة يقبلون بذلك، كونهم لا يمتلكون من الذخائر والأسلحة والإمكانيات المختلفة ما يمكنهم من خوض معارك غير متكافئة مع المليشيا الحوثية التي تقاتل بأسلحة الدولة وإمكانياتها المنهوبة.

نجاح هذا الأسلوب الهمجي في مناطق محدودة، وصمت المجتمع الدولي إزاء الجرائم التي ترتكبها مليشيا الحوثي، سواء في مناطق سيطرتها أو المناطق التي سيطرت عليها حديثا أو في مناطق المواجهات العسكرية، كل ذلك يغري المليشيات بارتكاب المزيد من الانتهاكات والتنكيل بحق المدنيين، لأجل تحقيق مكاسب على الأرض على حساب دماء الأبرياء، دون مراعاة لأبسط حقوق الإنسان أو تجريم الدين الإسلامي لتلك الانتهاكات والممارسات الإرهابية، والتي تدينها أيضا كل الأعراف والقوانين الدولية، وتجعل تلك الانتهاكات مليشيا الحوثي تبدو أكثر عنفا وإرهابا من تنظيم "داعش" نفسه الذي فاق عنفه عنف كل الجماعات الإرهابية التي ظهرت قبله، لكن إرهاب وإجرام المليشيا الحوثية فاق إرهاب وعنف كل الجماعات الإرهابية في العالم وفي مقدمتها تنظيم "داعش".

- انتفاضات مبكرة

بدأت الانتفاضات الشعبية ضد مليشيا الحوثي منذ ما قبل الانقلاب، وكان ذلك في محافظة حجة، التي حاولت المليشيا الاستيلاء عليها بعد سيطرتها على محافظة صعدة، وشهد العام 2012 مواجهات عنيفة بين أبناء محافظة حجة ومليشيا الحوثي، التي كانت تحاول التقدم إلى ميناء ميدي غربي المحافظة لاستخدامه في تهريب السلاح من إيران. وفي محافظة عمران، التف المواطنون حول وحدات الجيش المرابطة هناك بعد محاولة مليشيا الحوثي السيطرة عليها والانطلاق منها صوب العاصمة صنعاء.

وبعد دخول المليشيا الحوثية العاصمة صنعاء، في سبتمبر 2014، حدثت انتفاضات شعبية ضد مليشيا الحوثي في محافظات الجوف ومأرب والبيضاء وإب وبعض أرياف محافظة صنعاء، وكانت تلك المقاومة غير مسنودة لا بقوات من الجيش ولم تكن حينها قد اندلعت عملية "عاصفة الحزم"، وحتى بعد اندلاع عملية "عاصفة الحزم"، ظهرت المقاومة الشعبية ضد الحوثيين في جميع المحافظات التي وصلت إليها المليشيات، وفي مقدمها محافظة تعز،

ومن رجال تلك المقاومة ووحدات الجيش التي بقيت على ولائها للحكومة الشرعية، تشكل الجيش الوطني، وتمثل المقاومة الشعبية اليوم الرافد الأساسي للجيش الوطني، وما زال المواطنون يلتفون حول الجيش في أي جبهة تندلع فيها المعارك.

كما ظهرت انتفاضات شعبية ضد مليشيا الحوثيين في مناطق يحاصرها الحوثيون من جميع الجهات، ولا توجد أي خطوط إمداد لدعمها من قبل السلطة الشرعية أو التحالف بقيادة السعودية، ومن أبرز تلك الانتفاضات: انتفاضة مناطق الشعاور والأهمول في مديرية حزم العدين بمحافظة إب التي اندلعت بعد الانقلاب بأشهر قليلة واستمرت أكثر من عام، وانتفاضة منطقة عتمة بمحافظة ذمار في أغسطس 2015، ثم انتفاضة منطقة حجور بمديرية كشر التابعة لمحافظة حجة في يناير 2019.

وإذا كانت مليشيا الحوثي قد أخمدت تلك الانتفاضات كونها اندلعت في مناطق تقع في قلب المحافظات التي تسيطر عليها المليشيات، ولا توجد خطوط إمداد أو إسناد لها، إلا أن الأحرار من أبناء تلك المناطق وغيرها التحقوا بجبهات الحرب المختلفة، وهم ضمن من يواجهون مليشيا الحوثي الآن في مأرب وغيرها.

- نماذج من انتهاكات وجرائم الحوثيين

في سبتمبر الماضي، أصدرت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات تقريرا وثقت فيه 64306 انتهاكات ارتكبتها مليشيات الحوثي بحق المدنيين خلال الفترة من 1 يناير 2018 وحتى 1 يونيو 2021.

وذكرت الشبكة أنها وثقت 7316 حالة قتل، طالت مدنيين بينهم 523 امرأة، و357 طفلا.

وتصدرت محافظة تعز المرتبة الأولى بمعدل 1509 حالات قتل، تليها محافظة الحديدة بواقع 1206 حالات قتل، ثم مأرب بعدد 1173 قتيلا، بالإضافة إلى لحج بـ819 قتيلا.

كما تم رصد 646 حالة قتل نتيجة الألغام التي زرعتها مليشيا الحوثي، بينهم 123 طفلا و157 امرأة.

كما أشار التقرير إلى تسجيل 12636 عملية اختطاف للمدنيين في 20 محافظة.

وسجلت الشبكة 619 حالة تعذيب، و48 حالة تصفية داخل السجون، و41 وفاة بسبب الإهمال في السجون، و23 وفاة لمعتقلين بنوبات قلبية، لافتة إلى أنه تم أخذ 21 شخصا كدروع بشرية أيضا.

وبخصوص جرائم الاغتيالات التي طالت مشايخ قبائل، فقد اتهمت مصادر قبلية في العاصمة صنعاء، في مايو الماضي، المليشيات الحوثية باغتيال 25 شيخا قبليا في مناطق سيطرة الجماعة في سياق موجة استهداف تقودها في أوساط الموالين لها من غير المنتمين إلى محافظة صعدة، حيث مسقط رأس زعيمها عبد الملك الحوثي.

كما أن مليشيا الحوثي لم تتورع عن ارتكاب الجرائم بحق النساء، في مخالفة فجة للتعاليم الدينية والأعراف القبلية التي تجرم المساس بالنساء، وهناك عدد كبير من النساء في سجون المليشيا يتعرضن لصنوف التعذيب والابتزاز وتلفيق تهم لهن تمس بالشرف وغير ذلك من الاتهامات.

في فبراير الماضي، أصدرت ثلاث منظمات حقوقية تقريرا وثق 1181 حالة اعتقال ضد النساء في اليمن ارتكبتها مليشيا الحوثي خلال الفترة من ديسمبر 2017 وحتى ديسمبر 2020.

وأشار التقرير، الصادر عن "تحالف نساء من أجل السلام في اليمن" و"تكتل 8 مارس من أجل نساء اليمن" و"المنظمة اليمنية لمكافحة الإتجار بالبشر"، إلى أنه تم توثيق 274 حالة إخفاء قسري، و292 حالة اعتقال بحق الناشطات والحقوقيات ونساء من قطاع التربية والتعليم، و246 حالة اعتقال لعاملات في المجال الإغاثي والإنساني، و71 حالة اغتصاب، و4 حالات انتحار.

ولفت التقرير إلى توثيق عشرات الحالات لأطفال من الذكور والإناث تم احتجازهم مع أمهاتهم المعتقلات. وأكد التقرير أنه، وحتى صدور التقرير، تم الإفراج عن 321 معتقلة فقط، مضيفا أن عدد المعتقلات تحت سن 18 بلغ أكثر من 293 حالة.

وذكر التقرير أن الانتهاكات بحق النساء تفاوتت بين القتل والتشويه والاحتجاز والاعتقال والاختطاف والتعذيب والعنف الجنسي.

وفي أحدث تقرير للشبكة اليمنية للحقوق والحريات، صدور أواخر سبتمبر الماضي، أفادت بأنها وثقت 6 آلاف و476 انتهاكا ارتكبتها الميليشيات الحوثية بحق النساء اليمنيات منذ 1 يناير 2015 حتى 1 يونيو 2021، موزعة على 19 محافظة.

وفي حين أكدت الشبكة الحقوقية تصدر محافظة تعز لهذه الانتهاكات، قالت إن الانتهاكات تنوعت بين 1691 حالة قتل و3741 حالة إصابة جراء القصف المدفعي وانفجار الألغام والعبوات الناسفة، وكذلك أعمال القنص والإطلاق العشوائي للرصاص الحي، بالإضافة إلى 770 حالة اعتقال و195 حالة إخفاء قسري، و70 حالة تعذيب للنساء.

وبحسب التقرير، فإن الانتهاكات الحوثية شهدتها محافظات الحديدة، والضالع، وتعز، وحجة، وذمار، ولحج، ومأرب، وريمة، وشبوة، وإب، وأبين، والعاصمة، والبيضاء، والجوف، وصعدة، وصنعاء، وعدن، وعمران، والمحويت. في حين تصدرتها كلها محافظة تعز بتسجيل 347 حالة قتل، ثم محافظة الحديدة بـ301 حالة قتل، تليها محافظة عدن بـ158 حالة قتل، ثم محافظة لحج بـ92 حالة قتل، ومحافظة مأرب التي سجلت 79 حالة قتل، ومثلها سجلته محافظة الجوف.

وأوضحت الشبكة أن فرق الرصد التابعة لها تحققت من مقتل 422 امرأة جراء انفجار الألغام التي زرعتها ميليشيا الحوثي في الشوارع والطرقات العامة وداخل الأحياء السكنية والمزارع وأماكن الرعي والأسواق، بينهن 123 امرأة قتلن بألغام وعبوات ناسفة تابعة للحوثي في محافظة تعز، و53 في محافظة الجوف، و32 في محافظة الحديدة، و25 امرأة في محافظة الضالع، بينما تتوزع بقية الأرقام على باقي المحافظات.

وقالت إنها وثّقت حالة وفاة تحت التعذيب في محافظة حجة ذهبت ضحيتها فتاة من تعز تدعى ريماس سليمان داود (25 عاماً) كانت تعمل ميسرة للمريضات في المستشفى السعودي بمدينة حجة، حيث اختطفتها ميليشيات الحوثي أواخر نوفمبر 2016 من داخل المستشفى وأودعتها السجن المركزي بتهمة العمالة.

واتهم التقرير الحقوقي المليشيات الحوثية باختطاف واحتجاز حرية 770 امرأة في 14 محافظة يمنية خلال الفترة التي يغطيها التقرير، بينهن امرأتان من جنسيات أجنبية، حيث تصدرت العاصمة صنعاء هذه الحالات بـ241 حالة اختطاف واحتجاز، وهو ما نسبته 58 في المائة من إجمالي الحالات.

وأكد تقرير الشبكة ارتكاب مليشيا الحوثي كل أشكال التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة مع 70 امرأة من المختطفات في سجونها السرية والمعلنة، والتي وصلت حدّ توجيه تهم ملفقة تمس شرفهن، فضلا عن المتاجرة بأعراضهن. وبحسب ما ورد في إفادات بعض المفرج عنهن، فقد تعرض المختطفات للتحرش والاغتصاب، ما دفع بعضهن إلى الانتحار كما حدث في السجن المركزي بصنعاء، ناهيك عن أن بعضهن تعرضن للتصفية الجسدية من قبل أهاليهن وذويهن فور إطلاق سراحهن من سجون الحوثي تحت ما يسمى في العرف القبلي اليمني بـ"غسل العار".

- ارتدادات عكسية

تعتقد مليشيا الحوثي أنه بارتكابها لكل تلك الجرائم ستتمكن من تعزيز شرعيتها كسلطة أمر واقع، وأنها ستتمكن من توسيع نفوذها وإخضاع جميع المواطنين لسطوتها وسلطتها المتوحشة، وأن العنف والإرهاب والتوحش سيحصن سلطتها الإرهابية ضد أي انتفاضة شعبية، لكن الحقيقة هي عكس ذلك، لأن تلك الممارسات الإرهابية ستراكم الرصيد الإجرامي للمليشيا من ناحية، وستراكم الغضب الشعبي إزاءها من ناحية أخرى، وسيظل تراكم الغضب يغلي كالبركان حتى ينفجر بقوة في وجه المليشيات.

أيضا، لا يمكن إغفال تمرد مليشيا الحوثي على الوفاق السياسي ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وانقلابها على السلطة الشرعية، ونهجها الإقصائي للجميع، فمثل هذا النهج الإقصائي يعني أن المليشيات قطعت كل منافذ تعايشها مع المجتمع اليمني، لذلك يستحيل على جميع المكونات السياسية والاجتماعية في اليمن أن تقبل بذلك كأمر واقع، وأن يسلم اليمنيون جميعا رقابهم لمليشيا عنصرية قادمة من وراء الحدود، وينقسمون بين مشرد خارج الوطن، وخانع ذليل داخله، ومسجون ينتظر جلسات التحقيق والتعذيب والتي قد تقوده إلى ساحة الإعدام ظلما أو الخروج وهو مشلول الجسد ومعطل الحواس.

كما أن دروس التاريخ تؤكد أن جميع الثورات قديما وحديثا لم تندلع إلا في وجه الظلم والطغيان والجبروت والاستبداد مهما كانت سطوة الحاكم الذي يتخذ من العنف والإرهاب ضد المواطنين وسيلة لترسيخ وتحصين سلطته بسبب افتقاره للشرعية الشعبية عبر الاستفتاء أو الانتخابات أو غير ذلك من الوسائل التي تقرها الدساتير والتشريعات، وتكون الثورة الشعبية ضد الحاكم المستبد أعنف كلما كانت سلطته قائمة على القهر والإرهاب أكثر.

ولذا، فإن السجل الإجرامي الذي تراكمه مليشيا الحوثي في رصيدها الملطخ بالدماء وجثث الضحايا، ستدفع ثمنه حين يبلغ الغضب الشعبي ذروته، وتصل المليشيا ذروة انتفاشتها وتوسعها، خصوصا أن ممارساتها الإرهابية وعنصريتها السلالية المنغلقة، وتحولها إلى مظلة للمجرمين واللصوص من كل حدب وصوب، ستخلق حالات ثأر لن يعدم معها المظلومون معرفة غرمائهم، وبالتالي، ستكون نهاية مليشيا الحوثي وخيمة، ومصيرها هو مزبلة التاريخ، كونها لا تملك مقومات الاستمرار والبقاء، مثلها مثل غيرها من جماعات العنف والإرهاب التي يكون مصيرها المحتوم مزبلة التاريخ.

 

كلمات دالّة

#اليمن