السبت 25-09-2021 02:37:28 ص : 18 - صفر - 1443 هـ
آخر الاخبار

محركات التغيير.. بين الهروب من الفهم وثقافة الممانعة (الحلقة 3: محركات التغيير وثقافة الممانعة)

السبت 24 يوليو-تموز 2021 الساعة 06 مساءً / الإصلاح نت-خاص / عبد العزيز العسالي

 

أولا، تحدثنا في الحلقتين السابقتين حول الهروب من الفهم أسبابا ونتائج... إلخ، وفي هذه الحلقة سنتحدث عن محركات التغيير وثقافة الممانعة.

وقبل الحديث حول محركات التغيير، رأينا أن نبدأ الحديث بإيجاز حول ثقافة الممانعة، فنقول إن منهج التغيير الإسلامي اصطدم بمعوقين هما الهروب من الفهم وثقافة الممانعة.

غير أننا وبعد طول تأمل وجدنا أن ثقافة الممانعة هي: 
- وليد شرعي للهروب من الفهم.
- أن الممانعة الثقافية أكثر تعقيدا، مثل التّزمّت عند بعض حملة منهج التغيير الإسلامي.
- أن الممانعة الثقافية في الفضاء المجتمعي العام أقل تعقيدا وممانعة. 
- أن أبرز أسباب تكريس ثقافة الممانعة في الوسط المجتمعي صادرة عن أغلب دعاة التغيير الإسلامي لاعتبارات كثيرة ومختلفة، أبرزها:

1- أن منهج التغيير الإسلامي قام على أنقاض المناهج الوافدة دفاعا عن هوية الأمة وشخصيتها الحضارية، ورفض الذوبان أمام طوفان الثقافة الوافدة.

2- اعتبار الموروث التربوي والفقهي والثقافي بأنه منهج مقدس، وهنا القاصمة، ذلك أن أغلب الموروث كان إجابات على أسئلة عصور مضت، الأمر الذي جعل رواد التغيير المعاصر ملكيين أكثر من الملك كما يقال.

العامل الخطير جدا وراء هذا التقديس يوضحه السبب التالي وهو: 

3- الغياب التام للمنهج الفكري الأصولي المقاصدي لدى غالبية روّاد التغيير الإسلامي. 

غياب المنهج الفكري نتج عنه أسلوب خطابي غير منتج، تمثل في السبب التالي:  
 
4- شحن عاطفة المجتمع بلغة التقديس للموروث، غالبية مفرداته حادة وقاسية تكرس الممانعة الثقافية من جهة، ومحمّلة بمفردات الإهانة والتحقير لكل من يتحدث عن التجديد المنهجي الفكري من جهة أخرى، وصولا إلى الهروب من الفهم إنكارا للمنهج المقاصدي الإسلامي المتفق عليه عند فقهاء الأصول.

إنه خطاب يقف احيانا في مواجهة التجديد المنهجي الهادف إلى تكوين عقل فقهي يستند إلى أساس فكري مقاصدي. 

لن نكون مبالغين إذا قلنا إن أغلب الخطاب الإسلامي، السلفي خصوصا، يكرس -بطريقة أو بأخرى- الاستبداد الديني، الاستبداد السياسي، الاستبداد الاجتماعي، وهذا في أقل أحواله.

باختصار، كل الأسباب والعوامل السابقة يمكن إعادتها إلى سبب مركزي واحد هو "التكوين الناقص" لدى غالبية روّاد التغيير الإسلامي، إنهم يعانون فقرا مدقعا في ميدان منهجية التغيير الإسلامي.

ثانيا، محركات التغيير: 
 
يتفق فلاسفة الاجتماع وعلم النفس والتربية والسياسة والقانون أن أبرز محركات التغيير تتمثل في ما يلي:

1- العقيدة:
تعتبر العقيدة أقوى محركات التغيير بلا نزاع، وإذا تأملنا القرآن العظيم نجد أنه قد رسم هذا الطريق بوضوح، قال تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

تغيير المعتقد له فاعلية عجيبة، بشرط واحد هو وجود قيادة فكرية بكل ما تحمله كلمة قيادة من معنى، ذلك أن مفهوم القيادة يعني القدرة الإقناعية على تحريك الفرد أو المنظمة أو المجتمع نحو أهداف التغيير التي تضمنها البرنامج. (حركة حماس في فلسطين نموذج حي وسط قرن من الهزائم).

2- الهوية والتاريخ: 
الموروث الحضاري يمثل دينمو الشخصية المعنوية والثقة بالذات لدى الفرد أو المنظمة أو المجتمع، أي أنه أقوى صوت خفي يحفز رواد التغيير قائلا: ألسنا أصحاب أعظم وأقوى عقيدة؟ إذن نحن قادرون على التغيير، فليست هذه هي المرة الأولى، أليس تاريخنا زاخر بوقائع التغيير الجبارة؟ ومن هنا تنطلق الفاعلية. 

3- المصلحة: 
اتفق جميع العلماء والمفكرين أن شريعة الإسلام جاءت لمصلحة الإنسان دنيا وأخرى، والدليل أن شريعة الإسلام جمعت بين المثالية والواقعية. 

فالمثالية هي المعتقد الديني الغيبي ابتغاء مرضاة الله، والمصلحة هي الجنة ورضوان الله في الآخرة، أما الواقعية فهي المصلحة المادية الدنيوية.

والدليل على أن المنهج المقاصدي لا يفرق بين الدين والدنيا، أن مصالح الدنيا كلها وسيلة لخدمة المُثُل العليا: القيم، العقيدة، عمارة الأرض، حماية كرامة الإنسان وكل مصالحه في الدارين، وهذا كله يمثل مرضاة الله، إنه منهج متوازن يمزج بين الروح والجسد، الدنيا والآخرة، المثال والواقع.

4- القيادة الفكرية: 
من هنا نبدأ.. هذا المحرك يحتاج إلى وقفة طويلة، ذلك أن مشكلة رواد التغيير الإسلامي ليست في المحركات الثلاثة الأولى وإنما تكمن المشكلة في التكوين الفكري المنهجي الفقهي المقاصدي الناقص لقيادة التغيير، وها هي قيادة التغيير قطعت قرابة 9 عقود بذلت جهودا جبارة، غير أن النتائج متواضعة والغالب عليها التعثر والفشل.

المشكلة هي أن ذهنية قيادة التغيير فقيرة جدا إلى الفكر المنهجي الكفيل ببناء تصور تأصيلي رشيد وناضج يعيد محركات التغيير إلى موقعها التشريعي المقدس عقيدة وسلوكا.

نعم، قيادة التغيير تعاني ضبابية في تأصيل المنهجية الفكرية المقاصدية إلى حد التصريح حرفيا بإنكار وجود منهج مقاصدي، بل إن المنهج المقاصدي إن وجد فهو جزئية هامشية. 

إذن، عقلية قيادة التغيير هي القاتل لفاعلية محركات التغير عقيدة وتصورا ومنهجا وسلوكا، الأمر الذي عطّل فاعلية التغيير.

ثالثا، المعالم المنهجية: 
إعادة بناء التصور المنهجي لدى قيادة التغيير، بات ضرورة عقدية وتشريعية إنسانيا وحضاريا وذلك على النحو التالي: 
1- بناء التفكير.
2- بناء التعبير.
3- بناء التدبير.
 
المقصود ببناء التفكير هو تغيير زاوية الرؤية للواقع من خلال المحددات التالية: 

1- فهم واقعنا كما هو، وهذا يعني تشخيصا دقيقا لـ:
- أقوى مشاكلنا الداخلية.
- أقوى مشاكلنا الخارجية.

2- بناء المنهج الفكري.
3- بناء قيادة التغيير وفقا للمنهج وترسيخ القناعة لديها عقيدة وتزكية وتشريعا وثقافة وسلوكا، إنها: 
- تنطلق من منهج فكري يستند إلى صميم الوحي المعصوم.
- أن المصلحة الدنيوية الشخصية أو الجماعية هي من صميم الوحي.
- أن المصلحة والهوية أكبر محركات فاعلية التغيير بعد العقيدة.
- أن التعاطي مع سنن الله في الكون والنفس والاجتماع من أبرز عوامل فاعلية التغيير. 
- أن إعادة الاعتبار للعقل هو الشرط الرئيسي للتعاطي مع سنن الله الثابتة في الكون والنفس والاجتماع. 
- أن تحديد أولويات كل مرحلة من صميم الوحي المعصوم (القرآن المكي والمدني نموذجا).
- أن الضرورات الست المتمثلة في حماية الدين والنفس والعقل والعرض والمال والحرية هي محور التشريع المقدس منها ينطلق وإليها يعود. 
- أن كرامة الإنسان قضية محورية في الوحي المعصوم بغض النظر عن معتقده.
- أن الإنسان هو محور التكليف والمخاطب بالتشريع وعمارة الأرض، فهو مكرم مستخلف.
- أن الواجب الشرعي المقدس هو العناية بالإنسان أولا.
- ربط التكاليف الشرعية بحكمتها ومقاصدها وغاياتها وأهدافها.
- أن مقاصد الشريعة وأهدافها جاءت لمصلحة الإنسان فردا أو منظمة أو مجتمعا. 

4- أن أكبر معضلات الفكر والثقافة المعاصرة هي قضية بناء الدولة وبناء الاقتصاد من منظور منهج مقاصد الشريعة "جلب مصلحة أو دفع مفسدة".

5- المرونة وعدم التصادم مع المجتمع. 

6- أن السلام والسلم مقصد قرآني، وهذا يعني ترسيخ قيمة السلم والسلام والتعايش مع الآخر مسلما أو غير مسلم، في الداخل أو في المجتمع الإقليمي أو الدولي.

باختصار، بما أن الشريعة جاءت لمصلحة الإنسان دنيا وأخرى، وبما أن فاعلية التغيير لن يكتب لها النجاح إلا بمحرك العقيدة والمصلحة في آن، فإنه لا مانع من القول إنه يجب تحريك الإنسان من خلال مصلحتيه دنيا وأخرى، بالنسبة للمسلم، أو بإحداهما لغير المسلم.

يجب على قيادة التغيير أن تتشرب المنهج الفكري التغييري أنه من صميم العقيدة والأخلاق الإسلامية الرامية إلى الاستخلاف وعمارة الأرض، وأن كل ما سيأتي من مستجدات يجب ربطها بمصالحها أو مفاسدها.
 
غير أن كل ما سبق لن يتحرك، فضلا عن القول إنه سيلاقي النجاح، إلا أن يسبقه شرط، هذا الشرط هو التوبة المنهجية.

التوبة المنهجية هي موضوع الحلقة الرابعة.. نلتقي بعون الله.

كلمات دالّة

#اليمن