الإثنين 12-04-2021 06:18:52 ص : 30 - شعبان - 1442 هـ
آخر الاخبار

ثورة 11 فبراير.. دوافع، أهداف، ملهمات.. الحلقة (4): خارطة الملهمات

الأربعاء 24 فبراير-شباط 2021 الساعة 05 مساءً / الإصلاح نت - خاص / عبد العزيز العسالي

 
  
1- "من لم يعتبر بماضيه سيلفظه التاريخ". (الفيلسوف الإيطالي شيشرون).

2- الثورات الخضر: 

واستفتحي عالما أنقى يرفُّ صِباً
ويثمر الثورات الخْضْر أبكارا
يا كلّ شوطٍ تطاول لن نقول متى
سنأتي أو قطعنا منك أمتارا؟
من هجسنا يبدأ التاريخ نبدأُه
نؤسطر السفح والبستان والغارا
نصوغ للعدم المنفوخ خاتمة
نأتي من الغائب المنشود إصرارا
لأننا ما ولدنا كي نموت سدىً
بل كي نجمّلَ بعد العمر أعمارا
نصفر كالخوخ كي نندى جنىً وشذى
كالبذر نُدفن كي نمتدَّ إثمارا 
لكي نعي أننا نحيا نموت كما
تفنى الأهلّة كي تنسابَ أقمارا
من البكارات نأتي رافعين على
جباهنا الشعب أعلاماً وأقدارا
(البردوني رحمه الله، من قصيدة "ثوّار.. والذين كانوا").

أولا، يهدف الكاتب من إيراد أبيات البردوني اقتباس "عنوانٍ مُلهِمٍ" لقيادة ثورة 11 فبراير الشبابية الشعبية السلمية، عنوانً مكثّف أدبيّاٍ ومْلهِمٌ دلاليا، أي أن ثورات الشعب ممثلة بالشباب مستمرة، لكنها ثورات خضراء.

ثانيا، مفهوم الثورات الخضر: 
هذا المفهوم البردوني يعكس أخلاقيات ثورة 11 فبراير من زاويتين: الأولى، أنّ قيام ثورة 11 فبراير صادر عن سلطة أخلاقية مسؤولة تحمل هموم الشعب وتطلعاته التي اصطدمت بسلطة متخلفة عن الشعب، والثورة هدفها إصلاح ما أفسدته السياسات الشاذة للسلطة المتخلفة. 

الزاوية الثانية، أن المسؤولية الأخلاقية تعني ثورات خضراء كانت سلمية وستبقى سلمية. بجملة واحدة، هي ثورات "إصلاح وقائي" مستمر. 

ثالثا، بين يدي الخارطة: 
سيقول البعض: ما قيمة هذه الخارطة؟ أليس الوطن الحبيب غارقا ومثخنا بعشرات الجراحات الغائرة التي صنعتها الحرب الانقلابية الإرهابية، إلى جانب ما خلفته السياسة الشاذة خلال دورة فلكية كاملة من الدمار القيمي والفساد المنحط والمتسلط. 

أليس الوطن بحاجة ماسة إلى علاج سريع ينتشل الشعب من وهدة الدمار المتعددة جوانبه؟

الجواب: نعم، إن خارطة المُلهِمات لن تخرج عن ذلك، لكننا نزعم أنها أشمل وأكثر وأعمق.

أمّا اختيارنا مصطلح "ملهمات"، فقد اخترناه مراعاة لهدف واضح هو أن هذه الملهمات موجّهة لقيادة الثورة الشبابية، وليس إلى السلطات التنفيذية، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، أننا نقرر جازمين أن وطننا الحبيب يحتاج إلى ما يشبه مشروع مارشال، الذي تم إعلانه من قبل وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جورج مارشال، بهدف مساعدة الدول الأوروبية على إعادة إعمار ما دمرته الحرب العالمية الثانية، وبناء اقتصاداتها من جديد، من خلال تقديم هبات عينية ونقدية وحزمة من القروض طويلة الأمد.

ثم إن محاولتنا تحمل دلالة واضحة لكل المفكرين والمثقفين والكتاب والمتخصصين، أنها بمثابة لافتة تحمل مفاهيم عنقودية، وأن كل من يحمل سلطة أخلاقية تجاه الوطن يجب عليه الإسهام في هذا الصدد. 

رابعا، مبادئ أولية: 

1- التقاط الدروس والعبر من المرحلتين (السياسة الشاذة)، ومن جريمة الانقلاب الإرهابي المليشاوي والتي كانت بمثابة انفجار الجرح المتعفن خلال دورة فلكية كاملة.

إذن، كثيرة هي الدروس، لكنها تتمحور حول التجهيل المنظم المتعمد للإنسان اليمني جيشا، وأمنا، ومجتمعا، الأمر الذي يعطينا الدلالة القاطعة أن التجهيل قد أدّى ثماره المُرّة والتى تجرّع الشعب وما زال يتجرع كؤوسها حتى الثمالة. 

2- علاج القرآن العظيم: 
القرآن العظيم علمنا أن أول مقاصده المركزية الكبرى هي إصلاح التصورات والأفكار، أي إصلاح الإنسان. ومن البديهيات أن القرآن ظل 13 عاما، الفترة المكية، يرسخ هذا المقصد الإنساني الفكري الحضاري والذي انعكس قيما حضارية انداحت في مساحة واسعة من المعمورة.

مبدأ إجرائي: 
تضمنت سورة القصص في المقطع الأول حديثا واضحا عن العلو والطغيان والفساد السياسي الفرعوني الذي جعل أهل مصر شيعا وطبقات يستضعف طائفة بل ويذبح الأطفال ويستبقي الفتيات لخدمة طبقة جلاوزته المجرمين. 

وتضمن أيضا المقصد أو الهدف السماوي التحرري المتمثل في تحرير الضعفاء أولا، وتمكينهم ثانيا، "ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين".

أيضا تضمن المقطع طريق التحرر وهو العناية بتربية الإنسان وكانت كالتالي: 
 
المبدأ الأول: العناية بصناعة القيادة، وهذه أول خطوة ملهمة لقيادة الثورة. 
قال سبحانه: "وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه..." إلخ الآية.

خامسا، خارطة الملهمات: 

مطلوب من قيادة الثورة العناية التامة بالملهمات التالية:  

1- بناء قيم الاستخلاف:
قيم الاستخلاف ومسالك الاستخلاف وسلوكياته كثيرة سنشير إلى أبرزها، ولكن قضية ملحّة مبدئية وخلاصتها البدء بمسح الطاولة التي تلوثت بالسياسة الشاذة أولا، وتجريف الهوية الوطنية من قبل المليسيا الانقلابية ثانيا.

مسح الطاولة يعني إبراز الهوية اليمنية عبر تاريخ الإسلام ودور اليمنيين في الفتح الإسلامي وما بعده، وإعادة ذلك إلى الواجهة إسلاميا، وقيما عرفية سليمة، وتدينا، وتعايشا، وإخاء، وحرية داخليا ومع الجوار.
  
قيم الاستخلاف: 
هذه القيم المقدسة تستقي قدسيتها من صميم مقاصد الشريعة الإسلامية ذات الأصول المعصومة.

قيم الاستخلاف هي: 
- كرامة الإنسان. 
- حريته. 
- تمكين الشعب من حقه في الشرعية السياسية.

بصيغة أخرى: 
- الولاء للأمة واحترام إرادتها.  
- تربية المجتمع على القيام بالقسط. 
- ترسيخ العدل بكل صوره.
- الوسطية فكريا وفقهيا وثقافيا. 
- التعايش والقبول بالآخر.
- الإصلاح الوقائي، وهذا يعني استمرار الثورة الخضراء البكر، حسب البردوني رحمه الله. 

2- محددات أولية:
تلك قيم عامة كبرى لكننا سنقدم محددات هامة فيما يلي: 
- العناية بالبناء الفكري (المدخلات الفكرية).. أكرر أن المفكر إذا زل حتما سيقوده تفكيره في الغالب إلى جادة الصواب، وعليه يجب العناية ببناء الجيل فكريا. 

3- القضاء على وهم المعرفة: 
وهم المعرفة قتل العقول والأفكار والتدين والإبداع والحضارة.. القضاء على وهم المعرفة من أولويات البناء الفكري والثقافي. 

4- عدم الركون على السلطات في البناء الفكري وإنما يجب إسنادها في مجالات التربية والتعليم العالي والثقافة، فالمدرسة والجامعة فاشلتان بامتياز، والمثال واضح من المخرجات، ذلك أن أغلب الأكاديميين أشد كسلا بل وخنوعا للمتسلط، وقيادة الثورة هي المجال الوحيد المعوّل عليه في هذا المضمار لبناء الإنسان. 

والنموذج الإيجابي واضح، القبيلة في ذمار تدافع عن الجمهورية.. إنها بذور العزة زرعت في وقت مبكر وهذه ثمارها، الأيديولوجيات المقنعة بالديمقراطية الذاتوية فشلت.. إننا أمام نماذج هتكت غُلالتها المزورة والعلمانية الغاصبة. 

5- توظيف التكنولوجيا: 
قيادة الثورة قادرة من خلال توظيف كادرها المتفوق بجهوده الذاتية، قادرة على فتح عشرات القنوات الجادة في يوتيوب، وعبر الزوم تستطيع إخراج جيل مثقف متسلح وواعٍ بقيم الاستخلاف، فالجيل متعطش أن يجد نفسه صانعا مجد أمته. 

6- تحصين المجتمع: 
آليات تحصين المجتمع تبدأ من "صناعة مجتمع مدني"، فالمجتمع جريح بعد حروبه التي ما زالت وثوراته وصموده الذي ما زال في ساحة الحرية والجبهات القتالية، وعليه يجب تنظيم المعركة بذكاء حتى تتمكن الثورة من الإصلاح الوقائي بعيدا عن الشعبوية التي وظفتها أيدي الفساد ضد الثورة. 

7- ترسيخ المسؤولية الأخلاقية:
هذه أهم المحددات القيمية البانية للآليات والإصلاح الوقائي، ذلك أن المسؤولية الأخلاقية هي وظيفة الأنبياء والمصلحين عبر تاريخ البشرية.

أرجو القارئ العزيز يعود إلى الآية21 من آل عمران، وإلى سورة الأنبياء، وسيجد الهدف الرسالي، والمسؤولية شاخصة أمام ذي القلب ومن ألقى السمع وهو شهيد. 

8- تجذير وظيفة النبي: 
وظيفة الأنبياء عموما والرسول صلى الله عليه وسلم خصوصا هي تعليم الكتاب والحكمة من أجل القيام بالقسط، "هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة". "ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط".

إذن، قيادة الثورة مطلوب منها ترسيخ قيم السنن الحاكمة للاجتماع وصولا إلى إقامة حضارة الإنسان والعمران معا.

إنني أقول جازما إن الجيل ران عليه غبار العقود الأربعة، وبالتالي فإن المطلوب نفخ الغبار من على العقول والجيل سينطلق. 

9- تمكين المرأة من دورها الريادي فإن لديها إمكانات جبارة سيما إذا وجدت دعما من قيادة الثورة. 

10- الانفتاح المتفاعل: 
شتان بين الذوبان والتفاعل الحضاري الثقافي.. الخلاصة هنا أنه من الصعب الانغلاق والتقوقع على الذات، وبدون الانفتاح المتفاعل فهو الانغلاق والانبطاح، وعودة السلالية والمليشيات الانقلابية الإرهابية والقاعدة وأنصار الشريعة والدولة الإسلامية والخلافة والبغدادي... إلخ ألفاظ الغثيان المقرفة.

وهنا نصل إلى المقولة التي صدرنا بها مقالنا هذا وهي للمفكر الإيطالي شيشرون: "من لم يعتبر بماضيه سيلفظه التاريخ".. أليست اليمن كانت في طريقها إلى أن يدفنها التاريخ لولا عناية الله ثم كفاح المخلصين؟


تلك أبرز الملهمات..

كلمات دالّة

#اليمن