الأربعاء 23-06-2021 09:45:17 ص : 13 - ذو القعدة - 1442 هـ
آخر الاخبار

تدمير الحوثيين آثار اليمن.. حتى لا يحاكم التاريخ لقطاء الجغرافيا

الأحد 21 فبراير-شباط 2021 الساعة 05 مساءً / الإصلاح نت-خاص / عبد الرحمن أمين

ضاربة جذورها في أعماق التاريخ، موغلة في القدم، حافلة بالأسرار، مفعمة بالتفاصيل، كواحدة من أسفار التاريخ الذي دون في طياته أخبار الأمم الغابرة وضم في حناياه معالمها التي بقيت راسخة رسوخ الجبال، صامدة أمام عوامل التعرية ومناخاتها المتعددة، وتقلبات الماضي بأحداثه السياسية والعسكرية ودوله المتعاقبة، تلك هي حضارة اليمن وتاريخها التليد بمعالمه وآثاره.

غير أن تلك المعالم والآثار التي بقيت منذ آلاف السنين عجزت عن الصمود لخمسة أعوام فقط أمام جماعة بربرية ومليشيا متوحشة، لا تنتمي لهذه الأرض وليست من أهلها، وتتفاخر بنسبها الهاشمي الدخيل على اليمن واللقيط على جغرافيته، وماذا ننتظر من أحفاد رموز الاستبداد ومخلفات الإمامة غير طمس معالم الحضارة وحكايا التاريخ التي دونها وسجلها ليروي لنا قصصا لعصور تركت بصماتها وآثارها للأجيال المتعاقبة على مر الزمان، إذ شرعت المليشيا في تغيير تلك المعالم والآثار لا سيما المتعلقة بالحقبة المظلمة التي حكمها أجدادهم.

طمس الآثار، وتفجير وهدم المواقع الحضارية، وسرقة ونهب وبيع القطع الأثرية، والعبث بالمعالم التاريخية، وإخفاء المخطوطات الهامة والنادرة التي تزخر بها المتاحف والمكتبات الحساسة والتي بقيت فيها ككنوز أثرية وتاريخية نادرة، ذلك ما طاله إعصار الدمار والخراب والفساد الحوثي الهمجي بأسلوب متوحش وطريقة ممنهجة.

يؤكد تقرير حقوقي صدر قبل عامين عن «مركز السلم الاجتماعي اليمني» ومنظمة «سام» الدولية، أن أيدي الخراب الحوثية طالت أكثر من 120 موقعاً أثرياً خلال الفترة من 2015 إلى 2018.

وتقول وسائل إعلام نقلا عن مسؤول سابق في "الهيئة العامة للحفاظ على المدن التاريخية" إن المليشيا الحوثية استهدفت أكثر من 150 مَعْلَماً وموقعاً أثرياً وتاريخياً، بالتدمير والنهب والقصف والتحويل لثكنات عسكرية، منذ انقلابها على السلطة أواخر عام 2014.

ويكشف المسؤول اختفاء 60% من مكنوزات المتحف الوطني بصنعاء، لافتا إلى أن نحو 30 ألف قطعة أثرية ووثيقة اختفت من المتحف الحربي بصنعاء ومتحف ذمار.

ويؤكد أحد العاملين في المتحف الحربي بصنعاء لصحيفة "الشرق الأوسط" أن المليشيات الحوثية وفي إطار حملتها الممنهجة، نزعت مقتنيات وصور رؤساء ورموز الثورات اليمنية ضد الإمامة على مدى مئة عام من داخل المتحف الوطني، ونهبت وثائق تاريخية وعسكرية نادرة ونقوشاً وقطعاً ومقتنيات وأسلحة قديمة، ويشير الموظف إلى نقل قيادات حوثية لعدد كبير من القطع الأثرية من المتاحف إلى أماكن تقيم فيها، وبعلم وإشراف ومتابعة من مسؤولين في هيئة الآثار والمتاحف، ويقدر المسؤول الذي فضل عدم ذكر اسمه وجود أكثر من 120 ألف قطعة أثرية مختلفة الأشكال والأحجام في «المتحف الوطني بصنعاء»، قبل انقلاب الحوثيين، ويعود تاريخها إلى عصور يمنية سحيقة، ويكشف أن نحو 60% من تلك القطع لم تعد اليوم موجودة في باحات أروقة وحجرات المتحف الذي كان يُسمى في السابق «البنك المركزي اليمني للآثار».

كما طال النهب والتدمير "متحف تعز الوطني" و"متحف عدن الوطني" و"المتحف الوطني في زنجبار" و"مكتبة زبيد التاريخية"، وغيرها من المتاحف والمواقع التاريخية اليمنية.

ويرى أكاديميون مهتمون بهذا المجال أن هدف الجماعة من تكثيف جهودها في مجال الآثار والمخطوطات هو الاستيلاء عليها وتهريبها إلى جهات إيرانية، إلى جانب سعي الجماعة إلى إخفاء كافة المخطوطات التي تتعارض مع أفكارها الطائفية أو تلك التي تدل على الإرث الحضاري والثقافي لليمن.

وتكشف مصادر عاملة في مجال الآثار والمخطوطات اليمنية لـ«الشرق الأوسط» عن قيام المليشيات الانقلابية بالتنقيب في الجوامع التاريخية والأثرية بصنعاء، وفي شبام كوكبان بالمحويت، وفي كل من مساجد صعدة وذمار وزبيد وصنعاء القديمة وجبلة والجند، حيث تحتوي الجوامع على كميات ضخمة من المخطوطات وتمثل ذاكرة اليمن عبر القرون الماضية.

الحكومة اليمنية اتهمت في بيان لها العام الماضي الجماعة الحوثية بالاستمرار في العبث بالمخطوطات اليمنية القديمة والاستيلاء على قواعد البيانات في دور المخطوطات وإقصاء الموظفين المؤهلين للحفاظ على الآثار وإحلال أشخاص مكانهم من غير ذوي الاختصاص ومن الموالين للجماعة.

وتضمن البيان تحذيرا من محاولات العبث بمحتويات دار المخطوطات، ومخطوطات الجامع الكبير في صنعاء، كما دعت "اليونسكو" للتدخل من أجل وضع حد للسلوك الحوثي الممنهج.

ويعمد الحوثيون عادة إلى التمركز في القلاع والحصون التاريخية والتحصن فيها، وتكديس الأسلحة والذخائر في المواقع الأثرية، ويهدفون من وراء ذلك إلى جعل تلك المواقع هدفا للغارات التي تشنها قوات التحالف، وإلقاء اللائمة في حال طال القصف تلك المواقع على الطرف المهاجم وتحميله المسؤولية عن تبعات تلك الخطوة، وكذلك الانتقام من تلك الآثار والرموز التاريخية عبر خصومهم، والنأي بأنفسهم عن المساءلة وتحمل المسؤولية.

وقد شهد العام 2016 جريمة نكراء بحق اليمن وتراثه القديم، جريمة شكلت صدمة وفاجعة للعلماء والمفكرين والباحثين والأكاديميين بختلف توجهاتهم، إذ سمحت سلطات الانقلاب في صنعاء بتهريب أكبر وأقدم مخطوطة من التوراة لا تقدر بثمن ويعود تاريخها إلى أكثر من ثمانية قرون.

نسخة التوراة تلك كتبت على جلد حيوان، والتي تضمن محتواها بشارة برسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، وكان الرئيس الأسبق عبد الرحمن الإرياني قد رفض في سبعينيات القرن الماضي طلبا أمريكيا بتسليمها رغم الإغراءات والمصالح الاقتصادية التي كان سيجنيها، إلى أن جاء الحوثيون ليجسدوا عداءهم المزعوم لليهود بتمكينهم من ذلك الكنز التليد.

طمس المعالم الحضارية وإخفاء الآثار القديمة وهدم وتدمير المواقع الأثرية ومسحها من ذاكرة التاريخ، واحدة من مهام المليشيا الحوثية التي مضت لتنفيذ أجندات المد الصفوي الرافضي والذي ما زال محتفظا وكعقيدة بعدائه وحقده للشعب اليمني وحضارته وتاريخه وتراثه وهويته.

فقبل أقل من أسبوع أقدمت مليشيا الحوثي الانقلابية على هدم "مسجد النهرين" والذي يعتبر واحدا من أقدم المساجد الأثرية والتاريخية في مدينة صنعاء القديمة المدرجة عام 1986 ضمن قائمة التراث العالمي من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم "اليونسكو".

ويعد مسجد النهرين من الجوامع الأثرية القديمة، حيث بُني في القرن الأول الهجري من قبل أحد الصحابة الذي سكن في النهرين والذي يرقد بجوار المسجد الذي بناه.

وقبل ذلك بأيام دمرت مليشيا الحوثي الإرهابية قصر “السخنة” التاريخي، أحد أهم المعالم التاريخية والأثرية الواقعة إلى الجهة الشرقية في الحديدة، والتي تضم مبانٍ مدرجة على قائمة التراث العالمي.

وفي العام الماضي، فجرت مليشيا الحوثي قلعة “القوباء” الأثرية في مدينة حجة، والتي تعد أحد الشواهد على الحضارة اليمنية العريقة.

وفي محافظة الجوف، سجل تقرير رسمي مطلع العام الجاري تدمير مليشيا الحوثي بشكل جزئي وكلي لأكثر من 63 معلماً أثرياً ومدناً تاريخية بعد نهبها وبيعها، أهمها مدن "نشأن"، و"كمنة"، و"هرم"، و"إنبا"، و"نشق"، و"براقش"، و"الخربة" و"قرناو".

كلمات دالّة

#اليمن