الأحد 13-06-2021 02:34:17 ص : 3 - ذو القعدة - 1442 هـ
آخر الاخبار

الحنين إلى الأيام الخضر

رمضان والإصلاح..تكافل الزمن وتكامل الروح

الإثنين 12 يونيو-حزيران 2017 الساعة 03 صباحاً / الاصلاح نت/ خاص

      

رمضان في اليمن له سماته الخاصة وإيقاعه المتميز في الجوانب الروحية والتراثية، وكل جيل يتذكر العادات التراثية والروحية الخاصة برمضان التي لا تتواجد في غيره من الشهور.

لم تأت الفترة المتأخرة إلا وأحيا التجمع اليمني للإصلاح الكثير من ذلك البريق الروحي والثقافي والتراثي في اليمن وخاصة منذ العام 1990 وحتى اجتياح الكوليرا الحوثية لليمن وقضت على تلك الإشراقة الروحية المنبعثة لليمن.

 

إفطار الصائم

لم تكن قبل العام 1990 وما بعده تتواجد في اليمن مشاريع إفطار الصائم وخاصة في المدن اليمنية التي يهاجر إليها اليمنيون من الأرياف بحثاً عن العمل، وما يعني ذلك من تكدس الناس في المدن وتنقطع بهم الحياة الأسرية التي تعمل على تقديم وجبات الإفطار في رمضان، فكان كثير من أولئك اليمنيين يضطرون لهجرة معاكسة في رمضان من المدن للأرياف، لقضاء شهر رمضان وسط أسرهم.

أحيا التجمع اليمني للإصلاح تلك المدن وخاصة الرئيسة منها بتنظيم وجبات إفطار الصائم، وحث الخيرين عليها في المنابر المتعددة، حتى ازدهرت تلك العادة، فقام الإصلاح بتوفير وجبات إفطار الصائم ابتداءً في باحة جمعية الإصلاح الإجتماعي الخيرية جوار جامعة صنعاء، ثم انتقل منها إلى باحات المساجد في العاصمة، ثم أقبل الناس الخيرون والتجار على التسابق لتنظيم مثل تلك الموائد في كل مكان، وحتى داخل البيوت الخاصة.

 

إحياء الشعائر الدينية

حتى العام 1990 لم تكن صلاة التراويح في العاصمة صنعاء معهودة لدى المواطنين، وكان من النادر أن تجد مسجداً تقام فيه صلاة التراويح في العاصمة ناهيك عن صلاة القيام التي لم تأت إلا بعد 1995 تقريباً.

عمل التجمع اليمني للإصلاح على إحياء هذه العبادة من خلال إقامة التراويح في بعض مساجد صنعاء التي كان يؤمها فأقبل الناس عليها بكل جوارحهم، وهنا بدا لرمضان في صنعاء نكهته الخاصة، ولتضفي روحانية إضافية لروحانية الصيام. بعد ذلك انتشرت التراويح في معظم مساجد اليمن وصنعاء على وجه الخصوص، وزاد ذلك أيضاً بظهور الصحن اللاقط (الدش) حينما بدأت الفضائيات نقل شعائر صلاة التراويح والقيام من المسجد الحرام بمكة المكرمة.

امتلأت مساجد اليمن بالمصلين، وحتى الشوارع بجوارع الجوامع امتلأت بمرتادي التراويح والقيام في رمضان، لكن اليوم وكما ترون في الصورة أعلاه خلت المساجد من مرتاديها، وتكاد المساجد لو سمح لها بالكلام أن تنطق وتنتحب من الهجران ومضايقات المليشيات.

 

كفالة الأسر الفقيرة والأيتام

ضرب التجمع اليمني للإصلاح أروع الأمثلة في التكافل فقام إحياء هذه الشعيرة الأخلاقية والإنسانية الإسلامية، فأنشأ الجمعيات الخيرية، وجعل من نفسه حلقة وصل بين تلك الأسر الفقيرة وأسر الأيتام وبين المحسنين والخيرين في اليمن وخارج اليمن ووصل مشروع كفالة الأيتام والأسر في كل أحياء ومناطق المختلفة.

لم يأتِ رمضان إلا وقد استعدت الجمعيات الخيرية التي أسسها ورعاها الإصلاح بكل مؤونة الشهر الكريم لهذه الأسر، مما ساعد كثيراً وخفف من عبء الحالة المجتمعية الفقيرة، وانتشال الأسر الفقيرة من الشوارع، دون منٍ أو أذى ودون تمييز أو استغلال. ولم يكن ذلك للتخفيف على المجتمع من حالة الفقر وحسب، بل خفف من أعباء الدولة والحمل الثقيل عليها، بما تنفقه من نفقات الضمان الاجتماعي، بل لا نكون مبالغين إن قلنا إن الإصلاح هو الذي دفع بالدولة لتبني كثيراً من الصناديق الخاصة بحالات الضمان الاجتماعي للتخفيف من حالة الفقر للأسر الفقيرة.

جاءت المليشيات الحوثية والانقلابية عموماً فتسابقت ليس لتوفير حاجات الناس والتخفيف عنهم بل للاستحواذ على أموال الضمان الاجتماعي ونهب كل الجمعيات والصناديق، وحتى منع الناس من التبرع أو مساعدة الفقراء.

عمدت المليشيات الانقلابية إلى خطف وتغييب كل من عمل على مساعدة الناس الفقراء والشواهد على ذلك كثيرة، منها تغييب إمام جامع في الحوبان بتعز لأنه قدم لحوم الأضاحي لعدد من الفقراء، وسجن بعض مواطني المحويت الذين تبرعوا لبعض الفقراء.

علاوة على ذلك زادت المليشيات الانقلابية من أعباء الفقراء بنهب صناديق الضمان وفرض جرعات متعددة على الشعب وقطع الرواتب عن الموظفين، وانعدام فرص العمل، وفرض الإتاوات المختلفة، فتصاعدت عدد الأسر الفقيرة بشكل منقطع النظير.

 

المسابقات القرآنية والأناشيد

في رمضان من كل عام كان الناس ينتظرون برامج قناة اليمن الفضائية وما تنقله من برامج تثقيفية دينية وخاصة مسابقات القرآن الكريم والأناشيد الرمضانية التي لا يسمعها الناس إلا من رمضان إلى رمضان، ناهيك عن بعض البرامج الأخرى التي حفزت على تدين الناس وإحياء فيهم روح التدين والتثقيفات المختلفة، والتي كان نماذجها وأشخاصها هم طلاب المعاهد العلمية.

كانت تلك الأناشيد لها إيقاعها الخاص في رمضان وفي غير رمضان، وعرف المواطنون فرق الإنشاد المختلفة على اختلاف الانتماءات الفكرية وبالأخص منها اللون الصنعاني الذي كان يمثله أصحاب الفكر الزيدي، أو فرق الإنشاد التعزية ومحافظة إب المنخرطة في صفوف المعاهد العلمية.

 

الديوانيات والسمر

لم تقتصر أنشطة رمضان فقط على النماذج المذكورة آنفاً، بل عمل التجمع اليمني للإصلاح على إنشاء وتنظيم وترتيب المحاضن الاجتماعية التثقيفية المختلفة ومنها الديوانيات والسمر، وحتى بعض الأماكن العامة ومقراته الحزبية، لاستضافات رمضانية مثل المسرحيات والاستكشات والمحاضرات والمسابقات العامة وتبادل الشعر، وكذلك الأناشيد غيرها من الأنشطة العامة التوعوية.

هذه الأنشطة فتحت مدارك الناس وعملت على التوعية المجتمعية والتثقيفية المختلفة، زاد جوها بهاءً ورونقاً خاصاً أنها كانت منتشرة كثيراً في شهر رمضان الفضيل، بأجوائه الروحانية المبهجة، حتى زادت من الروابط الاجتماعية والتكافلية، وكسرت الكثير من الحواجز النفسية بين المجتمعات، وحتى بين المكونات الحزبية والسياسية، وعملت على تقارب الآراء والأفكار، وخففت من حدة التجاذبات السياسية والفكرية والثقافية وحتى الاجتماعية التي شهدتها الفترة الأولى من إعلان التعددية السياسية عام 1990 خاصة مع اندماج مجتمعين بثقافتين مختلفتين بين الشمال والجنوب.

 

كسوة العيد

ما إن ينتهي التجمع اليمني للإصلاح من توفير المواد العينية الرمضانية للأسر الفقيرة والأيتام، حتى ينتقل إلى مرحلة أخرى من مراحل مساعدة المحتاجين، وهي مرحلة توفير كسوة العيد للمحتاجين والأسر الفقيرة، فتجد أفراد الإصلاح وجمعياته الخيرية تعمل بجهد منقطع النظير لإسعاد أسرة وإدخال البسمة والبهجة إليها، حتى لا يأتي نهاية رمضان إلا والكثير من الأسر الفقيرة منتظرة للكسوة المعتادة التي توفرها تلك الجمعيات الخيرية، حتى لا تجد فرقاً بين ميسوري الحال والمحتاجين في عيد الفطر، وما يأتي اليوم الثامن والعشرين من رمضان إلا وقد وصلت كل حاجات العيد لتلك الأسر دون من أو أذى أو حتى استعراض الطوابير المذلة للفقراء، بل يتم إيصال تلك الحاجيات إلى البيوت مباشرة، خاصة وهناك الكثير من الأسر المتعففة التي لا تسأل الناس إلحافا، فيعمل الخيرون والقائمون من تلك الجمعيات وحتى غير الجمعيات على حفظ ماء وجهها وسترها بما لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه.

 

التكافل الاجتماعي وتوثيق الروابط الاجتماعية

كل تلك المناشط الاجتماعية والثقافية والروحية عملت على تقوية الروابط الاجتماعية بين المواطنين وكسرت لكثير من الحواجز النفسية بينهم، وعملت على لملمة الكثير من الاختلالات المجتمعية، وخففت الأعباء المختلفة على المواطنين وعلى الدولة بحد سواء، وعمق الأواصر المختلفة. وتوجت هذه الأواصر بمناشط أخرى وهي حفلات الزواج الجماعي، وخاصة شريحة الأيتام التي رابطت بين العديد من الأسر دون الالتفات إلى الفوارق الطبقية التي قلصتها تلك المناشط السابقة، وعزز الإصلاح في المجتمع ثقافة أن لا فرق بين المواطنين إلا بالتقوى.

كسر الإصلاح ثقافة التفاضل بين الناس في عدم التزويج من طبقات معينة لطبقات أخرى وبدأ تطبيق تلك الشعارات بين أعضائه ومنتسبيه الذين صاهروا طبقات الناس المختلفة بالزواج منهم أو تزويج الآخرين، وعملت على تقارب الكثير من الأسر ورسم الألفة والمحبة بين الناس.

 

الانقلابيون يهدمون المنجزات

بعد الانقلاب الحوثي العفاشي ظهرت الكثير من الأمراض الاجتماعية التي قضت عليها الثقافة الإصلاحية، فظهرت الطبقية، والمفاضلة بين الناس بالتمييز العنصري العرقي، ومنعت الشعائر الروحانية الرمضانية التي ألفها الناس لعقود التي كان قد تم إحياؤها مجدداً بعد اندثارها بفعل ثقافة الإمامة في تكريس الجهل ومحو التراث اليمني الأصيل.

كما عمل الانقلابيون على تدمير كل المحاضن التي ساعدت المواطنين وخففت من الفقر؛ فضاعف الانقلابيون من فقر المجتمع وإذلاله بشتى السبل وفي كافة المجالات.

اليوم الانقلابيون محوا تلك البهجة، فطوابير النساء والفقراء في كل الأحياء؛ فلا جمعيات أبقوا ولا كرامة حفظوا، ولا وفروا للناس متطلباتهم، كما لم يتركوا متنفسا للمواطنين للتعبير عن آهاتهم وأوجاعهم.

أبت المليشيات الاحوثية الانقلابية إلا أن تفسد على اليمنيين ما تبقى من فرحة وروحانية رمضان، من خلال المضايقات والتعسفات التي لا تتوقف، والمتمثلة في عمليات الاختطاف، واقتحام المساجد، ومنع المصلين من صلاة التراويح، والمضايقات المستمرة للتجار، وأصحاب البسطات في الأسواق، إضافة إلى سرقة الهبات والمعونات الإغاثية وبيعها في الأسواق من قبل مشرفي الحوثي، وغير ذلك من الانتهاكات والممارسات الحوثية الإجرامية.

 

يتذكر المواطنون تلك الأيام الخوالي بكثير من الحسرة والألم والندم، ويقولون بملء أفواههم: "سلام الله على الإصلاح وأيام الإصلاح"، فيحنون شوقاً إلى كل شيء جميل في اليمن في الوقت الذي لم يعودون يرون إلا قبح الإمامة وكلح وجه عفاش هما كل ما بقي أمام اليمنيين.