الأحد 13-06-2021 02:21:38 ص : 3 - ذو القعدة - 1442 هـ
آخر الاخبار

جهود الإصلاح في تكريس دولة المواطنة

الثلاثاء 06 يونيو-حزيران 2017 الساعة 12 صباحاً / الاصلاح نت - خاص/محمد عبدالكريم

 

يعد الإصلاح حزباً سياسياً مدنياً مرجعيته إسلامية؛ أي ليس جماعة أو حزباً دينياً، كما توصف أحزاب وجماعات أخرى, وفي الوقت نفسه ليس حزباً علمانياً. ومن ثم فإن طبيعة الدولة وهويتها تعنيه ومن صلب اهتماماته، وقد توقف اختياره على الدولة المدنية.
ظهر مصطلح "الدولة المدنية" بقوة مصاحباً للثورات العربية 2011، ولا يكاد يذكر في أدبيات الفكر السياسي الغربي. وبدا مصطلح الدولة المدنية هو الأنسب لتطلعات الشباب والثوار إجمالا, ويبدو معقولا ومقبولا ومخرجاً من الجدل بين الدولة العلمانية والدولة الدينية، وهما مصطلحان لا يتناسب أي منهما مع الدولة في البلاد العربية الإسلامية.

الدولة والهوية
إن مصطلح الدولة المدنية يتصل بهوية الدولة، وهناك هويتان مشهورتان: الدولة الدينية، والدولة العلمانية، وجاء وصف الدولة بالمدنية بديلاً عن الإثنين.

الدولة الدينية
تكون فيها السلطة للكنيسة سلطة رجال الدين {ثيوقراطية} أي حكم رجال الدين، وفيها يكون القائمون بالسلطة مقدسين ولا يسألون عما يفعلون؛ أي أن سلطتهم تعاليم دينية مقدسة، وهي سلطة لا تسمح بالمعارضة ولا تسمح بحرية علمية، ومن ثم كانت معادية للعلم بجميع فروعه، وأعدم في ظلها علماء ومكتشفون؛ لأن نتائج أبحاثهم تتعارض مع ما تؤمن به الكنيسة، لذلك كانت الثورة على السلطة الكنسية وفصل السلطة الزمنية عن السلطة الدينية، ثم فصل الدين عن الدولة وظهور العلمانية التي من معانيها الدنيوية أو اللا دينية.

الإمامة دولة دينية بالمفهوم الكنسي
تبدو الإمامة عند الشيعة سلطة دينية بالمفهوم الكنسي؛ فالإمام معين من الله وهو معصوم، مع ملاحظة أن الإمامة لم ترد في القرآن الكريم للدلالة على السياسة أو السلطة، ولم يوصف أي من الخلفاء الراشدين بالإمام، وإنما جاء وصف علي بن أبي طالب بالإمام في زمن لاحق، ثم جرى اختراع الإمامة من قبل الشيعة.

الإمام ومقامه
"إن للإمام مقاماً محموداً ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون، وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل". الخميني – الحكومة الإسلامية في إيران توصف بسلطة الروحانيين، ورجال الدين وتختزل في الإمام ثم نائب الإمام ولي الفقيه وتجسدها سلطة المرشد التي هي فوق الدولة وفوق الشريعة وفوق القانون سلطة مطلقة، أراد الشعب أم لم يرد ليس لرضاه أي دخالة.

ومن أصولهم في الإمامة وولاية الفقيه
(الأحكام الشرعية سواء الملزمة أو غير الملزمة لا يمكن وضعها أو تعيين تطبيقاتها بناءً على رأي الأكثرية أو رضا عامة الناس سواء أراد الشعب أم لم يرد فإنهم باعتبارهم مسلمين مكلفين بالإذعان لتلك الأحكام. الثابت من تلك الأحكام يستنبط من جانب الفقهاء جميعاً والمتغير منها المتعلق بإدارة البلاد يستنبط من جانب الفقيه الحاكم وهو الذي يأمر أجهزة الدولة بتنفيذها في كل الأحوال ليس للشعب دور في التشريع أو نظم الإدارة والعمل في المجال العام، وليس لرضا الشعب أو رأيه دخالة في تطبيق تلك القوانين والنظم).

رأي ولي الأمر هو المعيار
"رأي ولي الأمر هو المعيار في القضايا والقرارات المتعلقة بالمجال العام والجمهور المتدين مكلف شرعاً باتباع أمر الولي الفقيه وطاعته على نحو يرضيه ويعزز مكانته"، وأصدرت الحوثية وثيقة جاء فيها: أن الإمامة حصر في علي بن أبي طالب وولديه الحسن والحسين وذريتهما:
أولاً: في مسائل أصول الدين .. "وأن الإمام بعد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- هو أخوه ووصيه أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين ثم الأئمة من أولادهما كالإمام زيد والإمام القاسم بن إبراهيم والإمام الهادي والإمام القاسم العياني والإمام القاسم بن محمد ومن نهج نهجهم من الأئمة الهادين".. "الإمامة من أصول الدين وأولئك هم الأئمة الشرعيين عندهم أجدادهم فقط عترة رسول الله وهداة الأمة وقرناء الكتاب إلى يوم التناد"!
وهي وصاية على الإسلام وعلى الأمة، ومن أصول الدين وليس من أصول المذهب؛ فهي سلطة دينية بالمفهوم الكنسي حيث لا هداية للأمة بدون الإمام؛ إذ يجمع الإمام بين السلطة الدينية والسلطة الزمنية كما تصنف في المسيحية، وهم حجج الله في أرضه فمن يحاجج حجج الله؟!
سلطة مطلقة ومقدسة وغير قابلة للنقاش؛ فالأشخاص أوصياء وهم حجج وهم فوق الهداية هم الهداة مع ملاحظة أنه لا يوجد في الإسلام مستحفظين ولا أوصياء ولا أحبار ولا رهبان، ثم بيان كامل عن ما فعله أولئك من أهل الكتاب.
إنه فكر الشيعة في الإمامة اعتبارها هي الدين واختزال الإسلام في شخص أشخاص والتنظير للطغيان والفساد في الأرض.

الدولة العلمانية
العلمانية كانت ردة فعل من تسلط الكنيسة وإحاطة حياة الناس بالظلام من جميع الجهات، لذلك كانت ردة فعل مناهضة للدين ذاته وإقصاء لارتباطه بالسلطة الكنسية المطلقة؛ إذ وكما هو معروف أن مفهوم العلمانية من معانيه اللا دينية أو الدنيوية، والواقع أنها عودة لقاعدة فلسفية مسيحية هي عندهم مروية عن عيسى بن مريم أنه قال: دع مالله لله وما لقيصر لقيصر، وتلك قاعدة ليست في الإسلام، فقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أميراً وقائداً الى جانب كونه رسولاً مبلغاً ونبياً معلماً فضلاً عن أن القرآن الكريم قرن بين الاستجابة وإقامة الصلاة (وأمرهم شورى بينهم)، وعلى الرغم من المراجعات فإن العلمانية انتهت في ما هو غالب الى حرية الاعتقاد وتوظيف الدين وليس جعله مرجعية بل اعتباره من الأدوات والوسائل خاصة في ما يتصل ببعثات التنصير التي تخدم السياسة الخارجية الغربية. إذاً فالدولة العلمانية أو علمانية الدولة لا تتفق مع الإسلام ولا مع المجتمعات العربية والإسلامية، وتلك خلاصة تجربة المفكر المغربي محمد عابد الجابري "مسألة العلمانية في العالم العربي مسألة مزيفة وفي رأيي أنه يجب استبعاد شعار العلمانية من قاموس الفكر العربي وتعويضه بشعاري الديموقراطية والعقلانية"، وإذ لم يجد في الفكر السياسي الإسلامي ما يلبي التطلعات للحرية والمساواة والعدالة فإنه فضل الديموقراطية وما دعاه بالعقلانية.
تطلق على الدولة صفات مختلفة فتوصف بدولة الحماية ودولة الرعاية ودولة الخدمات، وهناك من يصف الدولة بالمدنية مقابل الدولة الدينية أو العسكرية والواقع أن صفة المدنية والدينية تطلق على السلطة في الأصل وليس على الدولة؛ فالدولة -بصرف النظر عن نظامها- عليها وظائف وواجبات تجاه مواطنيها لتحصل بالمقابل على الولاء العام من المواطنين وضاعة قوانينها والدفاع عنها إن اقتضى الأمر.
وتمثل السلطة بفروعها المختلفة أداة الدولة للقيام بوظائفها وواجباتها فإن كانت السلطة شخصية فإنها تخل بذلك وتضعف الولاء العام وتعمل على تنمية الولاءات الخاصة، وإن كانت دينية كنسية أو شيعية فإنها تجعل من البابا والإمام سلطة مطلقة تحظر المساواة ولا تعترف بالعدالة وتصادر الحريات فلا حرية مع سلطة دينية ولا مساواة بين الناس بل تمييز عنصري.
السلطة أمانة لذلك فإن السلطة في الإسلام أمانة تقتضي الأهلية ممن يقوم بها والإخلال بها خيانة تنعكس على الدولة وعلى مواطنيها، وقد جاء في الحديث أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة"، قيل: وما إضاعتها؟! قال: "إذا وسد الأمر الى غير أهله" أخرجه مسلم عن أبي هريرة.
وفيه إشارة إلى الشر المستطير؛ إذ لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس وليس القصد الانتظار ففي حديث آخر "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها".
الإصلاح يتبنى مدنية الدولة أو السلطة لأنه يدرك أنه لا توجد سلطة دينية في الإسلام، كما لا يمكن وصفها باللا دينية؛ فالتعبير عن المدنية تعني أن القائمين بالسلطة يجب أن يكونوا مدنيين لا عسكريين، فالدولة والمجتمع مدنيان ذلك يحقق الكثير من الأهداف، ويقي من كثير من المشكلات ويقطع الطرق على الادعاء بالحق الإلهي، كما في السلطة الكنسية وأيضاً فان عسكرة السلطة يعني امتلاك العسكريين للسلطة والقوة معاً وذلك يجعل السلطة مستبدة عنيفة غير قابلة للمراقبة والمساءلة.


الدولة المدنية
إذاً فالمقصود بالدولة المدنية المتداول والذي يتبناه الإصلاح هو أن السلطة تقودها أحزاب سياسية ويقوم بها مدنيون ليسوا مقدسين ولا معصومين كما أن القوات المسلحة والأجهزة المختلفة للدولة تخضع للقيادة السياسية المدنية التي تخضع بدورها للرقابة العامة والمحاسبة وتخضع للشريعة والقانون.
الدولة المدنية إذاً ليست علمانية كما أنها ليست دينية، ولا عسكرية، وتلك هي الدولة المنشودة.. إنها ليست طائفية ولا مذهبية ولا أسرية ولا مناطقية.
وبالنظر إلى الرؤى التي قدمها الإصلاح داخل مؤتمر الحوار الوطني الشامل حول مفهوم الدولة يؤكد مدنية الحزب وسيره نحو المستقبل عبر مفهوم جديد للدولة بعيداً عن التسلط والاستبداد واعتماد العمل الديمقراطي آلية في الوصول إلى السلطة.
كما أن مواقف الحزب وبياناته وتوجهاته وتعامله مع مختلف القضايا على الساحة يعزز هذه الفكرة أن المدنية للدولة باتت هدفاً رئيسياً في مشروعه للسير باليمن إلى بر الأمان.