الأربعاء 16-06-2021 23:08:11 م : 6 - ذو القعدة - 1442 هـ
آخر الاخبار

مدنية الإصلاح (الحلقة الثانية)

الأحد 28 مايو 2017 الساعة 02 صباحاً / التجمع اليمني للاصلاح - خاص

 

حاول القاضي العلامة عبدالرحمن الإرياني -رحمه الله- وضع المعالم الأولية لحكم مدني كـ(بذور) تمثلت في مجلس شورى دستور مدني، وحكومة تنفيذية, وكانت أول خطوة جادة هو تحييد الجيش - أي أن رئيس الجمهورية ليس قائد للقوات المسلحة - ورفعَ شعار اليمن للجميع!


هذه البذور الإيجابية تحولت – مع الأسف - حينها إلى نقمة ضد الرئيس المدني من قبل اليسار القومي واليسار الماركسي والمشيخ والإسلاميين والعسكر، فضلاً عن خصومة حادة من الحزب الحاكم في الشطر الجنوبي ومن الخليج أيضاً.


وقد انطبق علي الرئيس الإرياني مقولة: "الرجل الصح في الزمن الخطأ". لقد حاول أن يجسد شعار (اليمن للجميع)، الأمر الذي أثار الجميع عليه بسبب تداخل المصالح في تلك الفترة, ولم يبلغ الجميع الرشد في النظر إلى ما تحتاجه اليمن، وما هي المداميك التي يمكن الإرساء عليها، بقدر ما كان الغرض هو التقاسم والحصول على اكبر قدر من المنفعة الشخصية!

 

انقلاب أبيض يقودهُ الحمدي
مع صعود الحمدي, يمكن تلخيص الفكرة أنه تنسيق مع القبيلة ضد نفسها أولاً وضد التوجه المدني ثانياً, فقد فوجئت القبيلة وهي تحت نيران حكم العسكر مرة أخرى, حيث تم إلغاء مجلس الشورى وتعليق الدستور لتصبح قيادة الحكومة والدولة بيـد خمسة من العسكريين.


ورغم الانفتاح السياسي وحالة الاستقرار التي نعمت بها البلاد على مدى تلك الفترة إلا أنها كانت ثمرة لجهود سابقة إضافة الى جهود حالية ولكنها على المدى البعيد كانت تمثل خطورة في الوقت ذاته إذا لم يعقبها وضوح في السير نحو العمل المدني وتجذيره كواقع.


في كتاب شاهد على اليمن وضع الأستاذ أحمد جابر عفيف -رحمه الله- عنواناً في ثنايا الكتاب تحت عنوان "العودة إلى الجنون"، حيث يعلق بقوله: "وبتكليف من الحمدي قمت بصياغة قانون الانتخابات المحلية - هيئة التطوير ـــ وبعد الانتهاء عرضت مسودة القانون على الأستاذ عبدالعزيز عبدالغني فوضع لمساته وقال: يعرض على الرئيس، وتم الوعد لمقابلة الرئيس, فناولته المسودة ففتح الدرج ورمى الملف فيه وأغلق عليه وأخرج أوراقاً من جيبه وقال: اعتمد هذا!


أتذكر أنه سبق لكاتب هذه السطور المشاركة في مجلس نخبوي فيه عضو في المكتب السياسي للحزب الاشتراكي هنا في مدينة تعز, فتذاكرتُ معه كلام جابر عفيف والبذور المدنية الأولى التي وضعها الإرياني، وكيف أنه تنازل عن الحكم دون إراقة دماء في تطبيق حرفي لمقولته الشهيرة "لن أرضى أن يهرق دم (ديك) في سبيل الكرسي".


حينها: انتفض ساخراً: "أيُ مجلس شورى تتحدث عنه؟! لم يكن سوى مجلس مهزلة؟"، وقال إن الشهيد الحمدي عالج جراح اليمن بإلغاء هذا المجلس والدستور الذي كان سيئاً للغاية!


قلتُ: "الأولى أن تحدد مآخذك أولاً على مجلس الشورى"!
فقال مستفهماً: "أيكون مجلس الشورى بالتعيين"؟!
قلت: وماذا عن مجلس الدولة الذي عينه رائد القومية العربية جمال عبدالناصر، وإلغاء اسم مجلس الشعب وسماه مجلس الدولة, وقلص أعضاءه إلى ما يقارب عدد الأصابع؟ الم يكن بالتعيين؟!
قال: "تلك طبيعة المرحلة".
قلت له: قل هذا عن اليمن أيضاً!

 

دولة الوحدة والتوجه المدني
بقيام الوحدة تم إقرار التعددية السياسية كأهم منجز يرافق الفعل ذاته, وبين عشية وضحاها يفاجأ المواطن العادي والسياسي اليساري وأبناء الحركة الإسلامية والقبلي والواعظ والفقيه بإعلان التعددية السياسية والحزبية ودون سابق إنذار أو مقدمات أو حتى إرهاصات تمهد لمثل هذا التحول الكبير في العملية السياسية!


وبالنظر إلى تلك اللحظة الفارقة من عمر اليمن نجد أن الأدمغة - حينها - لا زالت متشبعة من عقود بالجهل والأمية, التي كانت تضرب أطنابها داخل تركيبة المجتمع, إضافة الى ثقافة ضحلة لدي النخبة يعززها ثقافة الإقصاء والتهميش وصراعات متشابكة الألوان من مخلفات الماضية القريب!


إن الصراع مع الذات والآخر، طيلة عقود تشبع بها الكل ضد الكل، حتى تكونت صورة سوداوية ضد التوجه المدني, وهذا أخطر موانع الانتقال نحو التوجه المدني بشكل حقيقي؛ إذ كيف تأتي خلال فترة قصيرة لتهدم مخزون معلوماتي تراكم منذ عقود.


ويمكن التأكيد أن النفوس قد صعب عليها التسليم في تلك الفترة دفعة واحدة, لكن بما أن الأمر قد فرض وأطلق العنان لحرية التعبير سيكون الدخول إلى الحزبية ليس فيه أي تجديد فكري أو ثقافي, فقط الجديد إعلان الجدل والشتائم الخ ..!

 

جــديـــد الـــــدولة
كانت القبيلة شبه مستبعدة عن مباشرة الحكم حتى إعلان الوحدة, لكن بعد الوحدة توجهت الدولة لتحريك القبيلة في الجنوب, لكنها لم تعط المواطنين والتجار حقوقهم التي أخذها الحزب, وإنما أعيدت ممتلكات القبيلة -السلاطين ـ إننا أمام عودة إلى الوراء باسم المدنية.

 

القبيلة تحمي الثقافة والمعرفة
بعد تفرد الحزب الحاكم - المؤتمر الشعبي العام - بالحكم بعد 1997م وخلو الجو له, وانتهاء المشاحنات والمناكفات بين الأحزاب المشاركة في السلطة, كان البعض يعتقد أن التوجه المدني سيترسخ, لقد انتهى عهد التقاسم والصراعات, غير أنه وبسبب تركيبة صالح ذاتها فقد انقلب الأمر عكسياً وبدأ السير نحو الاستبداد وتقليص الهامش المدني تماماً!


ويستطيع الباحث الاستناد على عدد من القضايا والمؤشرات التي كانت تسير بالبلاد نحو مصادرة المدينة أو بصيص الضوء في هذا الجانب من قبل النظام السابق والسير بالبلاد نحو الاستبداد أو ما عرف بعد ذلك بالتوريث.


بدأت أولى تلك المؤشرات عبر استهداف جامعة صنعاء وتنوع ذلك الاستهداف من عدد من الاتجاهات, وكان تدشين تلك الخطوة حينما خرجت تسريبات بأن الرئيس المخلوع صالح طرح على رئيس جامعة صنعاء د. عبدالعزيز المقالح السير نحو تقسيم جامعة صنعاء إلى جامعة علوم إنسانية وجامعة علوم تكنولوجية, وهي خطوة نظر لها الكثير على أنه إفراغ لهذه الجامعة من مضمونها وشعر الكثير حينها بخطورة ما يجري.


غير أن الشيء الغير متوقع حينها هو أن الدكتور المقالح لجأ إلى القبيلة, فقد أقام فعالية بسيطة ـ استضاف فيها الشيخ عبدالله الأحمر وفور الانتهاء من الفعالية قال الشيخ الأحمر: تقسيم جامعة صنعاء كرت أحمر, وفي اللحظة التي كان الشيخ الأحمر رئيس مجلس النواب وهذه الزيارة طبيعية وعادية فقد نظر لها آخرون أنه حماية للثقافة ولكن من بوابة القبيلة.



إعلان عن التجمع اليمني للإصلاح
بعد مرور قرابة أربعة اشهر من قيام الوحدة, ظهر (تجمع جديد) يحمل مسمى التجمع اليمني للإصلاح, وهذه التسمية ـ تجمع وليس حزبًا ـ تسمية تستبطن الثقافة المتوارثة ـ دينياً وفكرياً وثقافياً وسياسياً, وهو وأن كان الحزب حينها لم يكن الموقف قد ترشد من الحزبية إلا أن الأيام والمراجعات المستمرة قد وطدت هذه القضية بشكل أعمق وكبير وبات الإصلاح يرى في العمل الحزبي اليوم المظلة الحقيقية في خدمة المجتمع وتجذير الوعي المدني.

 

عبدالعزيز العسالي