الخميس 05-08-2021 00:39:52 ص : 26 - ذو الحجة - 1442 هـ
آخر الاخبار

مـدنيـة الإصلاح..

الجمعة 19 مايو 2017 الساعة 04 صباحاً / الاصلاح نت - خاص

 


التضـاريـس الثقافية والـمجتمعية لليمن قبل الوحدة
 
ليس دفاعاً ولا تبريراً, إنما هي رحله استكشافيه يزعم الكاتب من خلالها انه يمكن الوصول إلى حيثيات يقوم عليها إصدار حكم موضوعي ليس بالضربة القاضية وإنما حكم تراكمي غير نهائي عبر وضع عدد من النقاط تؤشر إلى النجاح والعكس أيضاً.
لا يختلف عاقلان أن النخبة الحاكمة في الوطن العربي ـ والتي اشتهرت بمسمى الدولة الوطنية بمختلف أطيافها ـ اليسار الماركسي, واليسار العربي, والليبرالي والعلماني ـ النخبة في الحكم أو في المعارضة خلال النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اللحظة الراهنة, حيث مثلت نخبة متسولة على موائد الغيرـ وظهرت كمنبهرة ببريق الحضارة المادية في الشرق والغرب, إلى جانب أنها أخذت عن الآخر من كل شيء أسوأ وتلك طبيعة المقلد دائماً!
وبالنظر إلى النخبة الوطنية, نجد أنها –باختصار- ذبحت التوجه المدني من الوريد إلى الوريد, إن جاز التعبير, ولم تكتف بذلك وإنما راقبت حركة المجتمع المدني وهي تضطرب عضلاته استعدادات كي يلفظ أنفاسه الأخيرة, فقد كانت الحكومات - وجوقتها - يعتبرون تلك الحركات أنها تحدٍ للدولة, فأمعنت في الإجرام تجاه التوجه المدني تمزيقاً وتفتيتاَ, ولم يقف الإجرام الوطني هنا, وإنما وصل إلى التدخل في أخص خصوصيات المواطن؛ قانون الأسرة حسب تعبير د. غليون.

العمل المدني والطفل حذيفة:
وصل طفلٌ في السادسة من عمره الى داخل الصف الأول الابتدائي, لاحظ حشداً من أقرانه يفوق الثمانين, كان شكل الصف مستطيلاً, وهنا تراءى الصف أمامه بعيداً, استمر مستمعًا لمعلم قصير القامة وهو يلوح بعصاً طويلة وغليظة بيده أثناء التعليم.
ظل حذيفة واقفاً وسط الصف المزدحم يتلفت يميناً وشمالًا مشدوهًا, وفجأة هوت عصا المعلم على يد حذيفة وظهره مصحوبة بصوت أليف.
تلك العصا كافية بفزع حذيفة, حيث انطلق هارباً لا يلوي على شيء، وكان آخر عهده بالمدرسة.
ولتقييم القصة، والتي هي ضرب مثل بسيط, حيث يتجلى أولاً ـ المعلم الأحمق بما نعنيه (الحكومة والدولة الوطنية) قدمت للمواطن (حذيفة) أسوأ تصور للدولة المدنية, والمجتمع المدني والديمقراطية, والحرية (عصاه غليظة) قتل, سجن أنواع التعذيب وتشريد, نفي الخ ـ المفردات, وكم كان البردوني بليغا في وصفه لهذه الدولة حين قال: "وآثامها لم تسعها اللغات ولم يحو تصويرها ملهم".
وهنا نستجلي الصورة عبر عدد من النقاط السريعة.
أولاً: الصور المستنسخة بعد ثورتي سبتمبر وأكتوبر (الحكومة الوطنية) إلى جانب مميزات يمنية خاصة, إضافة إلى الأمية الحرفية الطاغية.
وإليك أيها القارئ شاهد من التعداد السكاني أيام الحمدي بعد 14 عشر عاماً من قيام الثورة, حيث بلغت نسبة المتعلمين (القراءة والكتابة وحملة الشهادات) 17% من عداد السكان, وهو رقم كبير ومهول للوضع الذي لا تزال البلاد تعيشه في الألفية الثالثة.
ثانياً: الأبوية القبيلة بما يسمى داعي القبيلة, وهي التي شاركت في تثبيت الجمهورية, وكانت متجهة نحو تمدين الدولة والمجتمع على أنقاض الدولة الوطنية العسكرية, فقد كانت القبيلة حاضرة وبقوة في صنع القرار.
ثالثاً: النقيض المستفز في الشطر الجنوبي ـ جمهوريته - ومدنيته وقوانينه جميعها مستفزة ـ سياسياً واجتماعياً وثقافياً ودينياً واقتصادياً, الأمر الذي عزز نفوذ ـ الأبوية القبلية, ولسان حالها هي حال الطفل (حذيفة) حين ترك التعليم بسبب المعلم.
رابعاً: الطفرة النفطية في الخليج العربي، والذي تحكمه نظم سياسية, كانت في نظر الحكومات الوطنية تراها متخلفة, في حين أن هذه النظم قدمت صورة للمواطن اليمني والعربي عموماً حياة من الرفاهية (أمن وتعليم), واحترام ثقافته وهويته الحضارية, فالتعليم مجاناً من الابتدائي حتى درجة الدكتوراه!
ونستطيع القول أن المدخلات التربوية حينها تعكس بعداً معرفياً واحداً في الغالب الأعم, وبقية الأبعاد، وإن ذكرت فهي بمثابة مغناطيس أنكسر قطعتين كل واحدة ترفض الآخر.
خامساً: نظراً لوجود السيولة النقدية بيد المواطن البسيط, فقد كان للكتاتيت والكاسيت المجاني الدور الأكبر في عملية التوعية والتثقيف، وهو وإن كان له جانب إيجابي فجوانبه السلبية أكثر من أن تحصى.
سادساً: الملكيون الفارون من اليمن بشطريه إلى عدد من دول العالم ومنها الخليج, وفيهم شخصيات مثقفة أيضاً كانوا هم أنفسهم يحملون نفس المشاعر الثقافية والسياسية والاقتصادية تجاه التوجه المدني في الداخل اليمني على أنه إجرام بحق الشعب اليمني.

الخلاصة:
يكاد يكون المجتمع اليمني مغلقاً ثقافياً في وجه التمدن والدولة المدنية وبإشارة إجبارية, وعلى مستوى اليسار والليبرالية وتوجه المجتمع دينياً وقبلياً, بل وأسرياً ملكياً, فدستور الشطرين يجرمان الحزبية والعمل الحزبي قبل الوحدة, وهنا بات العمل السياسي الحزبي يتجه نحو السراديب خوفاً من عصا الدولة إلى جانب ترقب وترصد الأحزاب ضد بعضها البعض.
وبما أننا هنا لسنا في صدد تقييم لأنظمة الحكم في الشطرين، وإنما نحن هنا نضع مؤشرات تشير إلى راس الجليد ثقافياً، والتي تدلُ على أن ما لم يذكر هو الأكثر بكثير!