الأربعاء 16-06-2021 22:12:15 م : 6 - ذو القعدة - 1442 هـ
آخر الاخبار

قراءة في كتاب " مظاهر تقديس الزعامات"

الأحد 07 مايو 2017 الساعة 09 مساءً / التجمع اليمني للاصلاح - خاص

عبدالعزيز العسالي

يعد كتاب "تقديس الزعامات" لثامر عباس* من الكتب ذات الأهمية البالغة, فهو يسلط الضوء حول فكرة التقديس للأشخاص وما يرتبط بها من مساوئ داخل منظومة المجتمع.


وتمتاز لغة الكاتب بمصطلحات ومفردات مكثفه, وأحياناً تميل لغته الى الغموض لأنه ينقل بلغة علماء النفس أنفسهم دون تفكيك لتلك اللغة الثقيلة على القارئ, وهو ما دفعني في تلخيصي هنا الى محاولة تبسيط بعض المفاهيم تارة عبر نقاط وتارة أخرى عبر تبسيط الفكرة ذاتها وتقديمها للقارئ بشكل بسيط وجميل في آن واحد.


يذهب الكاتب في بداية الكتاب الى التأكيد أن مظاهر تقديس الزعامات في عالمنا العربي تعود الى عدد من الأسباب, سنكتفي هنا بوضع إشارات سريعة لها وتلخيص الفكرة عبر عدداً من النقاط بشكل سريع, فما يهمنا وصول الفكرة وليس التفاصيل الذي سيعود إليه من يشاء بالعودة الى الكتاب ذاته.


أولاً: فكرة التقديس هي في الأساس قادمه من خلفية اعتلال نفسي متصلاً بعلاقات المجتمع واختلال توازناته, وانحلال اخلاقه, وهي هنا دلالة أيضاً على أن المجتمع بهذا المستوى يعد عاجزاً عن تحقيق أدنى درجات العدل, فمن يستطيع تحقيق العدل هو شخص واحد, شخص الزعيم المقدس القادر على كل شيء.
وكما يلاحظ في المجتمع المهدور المسحوق والذي يقدس ويؤله الزعيم: أنه يظهر فيه أخلاق التقديس في مجالات أخرى تنسحب تدريجياً, كأشخاص فضلاء في الذاكرة المجتمعية, الى جانب تقديس الأضرحة كمثال مشاهد, وأشخاص من جوقة الزعيم المقدس ـ فيهم علماء دين وغيرهم ـ كما سنوضح ذلك لاحقاً بالتفصيل.
وبالتالي فالتقديس الممتد خارج كاريزما الزعيم في الغالب يأتي كتعويض اجتماعي لافتقاد الفضيلة حسب ما يرى الكاتب, والهدف من هذا التعويض هو الارتماء بطريقه أو بأخرى الى حاشية الزعيم ليلتئم المجتمع تحت شمل أعضاء الجوقة ليخفف وطأة الازمة الناجمة عن فقدان معايير الانتماء وتبلد الاحساس, وهنا يتحول الى مهدد مقلق للهويه الجمعية وتصدع وعي الفرد وتجارب هذه النقطة أكثر من أن تحصى.


كما يثمر فقدان ذاكرة المجتمع - كوسيله دفاعيه – حيث ترمي إلى نسيان ما يعانيه المجتمع وما حل به, بل وتشاؤم من القادم الجديد, فالمجتمع عاجز عن الانتصار في حقيقة نفسه, فيلجا تلقائياً الى وسيلة دفاعية هي النسيان.


ويذهب الكاتب للتأكيد على أن من المفاهيم المعززة للتقديس هو "الجمهور المدجن" ويعد هذا هروباً من التماهي في المستبد ـ حيث يمارس المجتمع ــ طريقه هروبيه ــ يتجه الى وضع أن الزعيم في مرتبة التقديس والتنزيه من العيوب والاخطاء وصولاً الى درجه التأليه, من خلال عمليتي التغاضي والتعامي.


وبطبيعة الحال فإن الوصول الى هذه الدرجة من فقد الإحساس بالحرية, قد لا يكون طفرة كما ذهب الى ذلك بعض الكتاب, وانما يمر بمراحل ومحطات تحويلية تقوده الى هذا الوضع البائس, وبالتالي فإن المجموعة حول الزعيم تتحول من جماعة سيكولوجية حيه إلى (كتله سيكولوجية قلقة متوترة) فتنخلع على مستوى الهوية ـ ينقطع انتماؤها عن المجتمع; لأن زلزال التقديس قد دمر كيانها الذاتي وتخلخل (أناها)ـ أي الانا الجمعي, وهنا تظهر الجوقة مشتتة متناحرةً فاقدة البوصلة فتعجز عن بلوغ خيارها في حين إذا سمعت هذه الجوقة تهويمه كاذبة تجاه الزعيم المقدس تنخلع قلوبها وتبكي وتنتحب وتدعو الجمهور الى مشاركتها في النحيب; لان الزعيم مصدر حياة الامه ونافث الموت فيها!؟


كما يذهب المؤلف أيضاً في تفسير هذه الحالة الى أن الانتحاب يعود بسبب فقدان المنظومة الرمزية المكونة للشخصية ــ القيم الداخلية ـ الانا, البيئة, اللغة, الشعور بالانتماء والهوية, فاذا فقدت هذه الرمزية يخرج الشخص عن انسانيته, ويتدحرج وصولا الى ما قبل الانسانية, وهذا ما يحدث بالتمام في مجتمعات الاستبداد وسيادة الفرد وتقديس الزعامة.


ان هذه المنظومة الرمزية هي تمثل دفء الشعور بالانتماء, ويقين الاحتماء بالمجتمع, فاذا شعر الانسان أن هذه المنظومة الرمزية قد انهارت في وعيه وبدأت بالتآكل والاندثار, فهنا ينهار لديه نظام المعاني والدلالات فيظل ينشد ما فقده فلا يجده, فيحصل لديه حالة تبدل ــ تمرد ــ فيظهر انه يتمتع بمواصفات تمرد مباشرة منها:

- التحلل من أي التزام قانوني والتفلت من أي انضباط مؤسسي, ومن هنا يأمر الذين هم تحت ادارته وجماعته ان يتحللوا من كل ما هو قانوني وقيمي ويسيروا مع الدولة, وعلى ما تفرضه السلطة المستبطنة في الوعي واللاوعي, ويصبح الاستثناء الوحيد هو ما يقوله الزعيم المقدس فهو محور العدل; وهو المجتمع; وهو الوطن; وهو الدستور وهو القانون وهو أساس وجود الجوقة العاكفة حوله)؟.
- يصبح تأثير القوانين ضعيفاً جداً أمام طبائع الغرائز المنتفشة والعنيفة, يحدوها وباء عقلي هو التقديس وتأليه الزعيم لا غير.
- تظهر النخبة عاجزه ــ فهي تعلن عجزها عن تشكيل - أي رأي شخصي ناهيك عن الجماعي ــ اللهم سوى الرأي الذي صدر عن الزعيم وتصبح قواعد القانون وقيم العدل عاجزة عن توليد أدنى درجات الروح الجاذبة نحو العدل والحرية أساس نموا واستقرار المجتمع.
- بروز الطابع الانفعالي لدى الجماهير المسحوقة (المهدرة) كما عند الجوقة وطغيان النزعة العدوانية; ذلك انها هنا لا يعني انها تفتقد مظاهر العقلانية والمنطق والتفكير, وانما تعني: أنها لا تمتلك أدنى يقين ومصداقيه وغياب المعنى وفقدان الانا على مستوى الذات الفردي والجماعي.
- (التأثر الشديد بالإيحاءات) فينجم عنها سرعه الانفعالات والاستسلام للأوهام ــ الخوف من كل شيء وعدم الثقة باي كان الا بالزعيم المقدس, كما يتولد عنه هواجس الهلع من المستقبل, فيتحنط الوعي, وتتنمط الشخصية وتتخشب اللغة غير أن الشخص المنتمي الى الجوقة يتحرك مزيداً نحوها ظنا منه انها ستحميه وتشاطره احاسيسه وهنا ستتحرك الجماعة فتلوذ بقوة الزعيم الرمزية, طالما الزعيم موجود فالجماعة والكل بخير, وهنا يتجلى لنا بوضوح سر التعلق بالأولياء وبالأبطال وابناء الذوات تعويضاً للتوازن والقيم الخاوية أمنا ودينا ودنيا.
- تزداد الجوقة تسبيحاً وتطبيلاً فتتحرك وجدان الجماهير المسحوقة (المهدرة انسانياً وهوية) نحو المزيد من التعلق بالزعيم لأنه المنقذ مستبطنة هاله السلطة وهيبتها فتعطي المتسلط نظرة كونيه تشحن الوجدان لدى المسحوق ــ فيتحول المخيال الاجتماعي ـ اعتقادا منه أن الدواء السحري متمثل في الزعيم وما يمتلكه من مواهب .. الخ, وهذه بداية التأليه, كما يتخيل المسحوق أن الاله الزعيم يشاطره الهم في كل لقمه؟!.
وبالمقابل فان الزعيم يستخفه الغرور فيرى انه أولى بالتقديس, وانه فيه صفات تستحق التأليه, وان البشر محتاجون اليه فهو الزعيم المسؤول عن الانفاس والاكسجين ـــ ألم يقل المخلوع صالح ذات يوم: يرحل من يرحل ؟؟؟
- اذا وصل الزعيم الى هذا الشعور, فانه يسعى لضرب من السلوك التملكي الإستحواذي; لآنه في مجال السلطة المطلقة, فتاتي القوانين والدستور وخدمات المجتمع كما يريد هو لا كما يريد المجتمع, وبالتالي: يتم طرد الاخر, واقصائه, واطلاق الاتهامات على المعارض, ثم يصنع الازمات المتتالية ــ المركبة ــ ازمات حاده دائماً ... , وهنا يستطيع تحشيد المزيد من الجوقة الى جانب الموجودين وصولا الى حشد مدجن متصف. باللا معياريه ولا تجيد سوى اظهار الزعيم شخصيه زعامية ملهمه , وتنسج عليه اشياء من الهيبة والابهار, وانه ما وصل الى هذه المقام الابـ سر لا يعلمه الا الله, وان فيه صفات تؤهله لهذه المكانة, وهنا يبدا الزعيم المقدس باستعراض لبطولاته فتصبح حديث المجتمع.
- هنا يبدا المخيال الاجتماعي عن طريق الايحاءات بنسج الاساطير من اللاوعي وتأتي اسقاطات من الادب الشعبي والفلكلور(بدءً من طفولة الزعيم ومغامرته), ويدعمها استحضار القصص الديني عبر التاريخ وهنا يتم اسقاطها وسط عواطف جياشه دونما ذكر لاسم الزعيم فتتبلور الصورة مكرمة مقدسة يُدعى لها ليل نهار بالحفظ والرعاية ـ ـنها تعبد ولا تنتقد.
- هنا يعيش الجمهور المسحوق حياة (الازدواج) ــ عاجزاً عن حسم أي مشكله سواءً في شكل السلطة او في مجالات الحياة ; لان السلطة قد سحقت الهوية الرمزية لصالح الهوية العائلية, أو هوية الحزب او اللجنة المركزية والمكتب السياسي, والجمهور المسحوق يعلم هذه الهوية المتقوقعة, ومع ذلك يغالط نفسه, بالقول ان السلطة حررتنا من سلطة رجال الدين ــ نحن دولة حرة علمانية وهو يرى تماما ويسمع ويشاهد ان جوقة الزعيم المقدس خليط من رجال الدين وغيرهم ــ كل يطبل بما يجيده .

  • الخلاصة:
    ــ الجمهور المسحوق يعيش ازدواجيه غلاط الذات ــ خيالات وأوهام إسمها حرية ويعيش تخلف في هوة سحقيه بعيده القاع.
    - ولان الزعيم ــ الكاريزماـــ وليدة ظروف شاذة وأحداث غربيه, واكراهات واقع, فإنها تعيش تهديدات بانقلاب, ومن هنا تتحول الكاريزما الى عصاة رادعة بدلا عن الاقناع, فتعمل ما تشاء هي لا ما تشاء الجماهير, والعنف بدل الحوار, فينجم عنها سيولا من الازمات السياسية والتصدعات الاجتماعية والاحتقانات النفسية والشعبية من الحساسيات الدينية تغلى: تحت غطاء من الاستقرار الكاذب وتجانس مفبرك.
    - ولاستمرار زحمها وهيبتها: تسعى للاقتراب من الوسط الاجتماعي وتشحنه بالطقوس والاساطير وهنا يعيش الجمهور المسحوق مدجنا
    ــ سيكولوجيا لا يحسد عليها ــ
    انخذال ارادي, انفعال نفسي, اتكال سياسي, انفصال اجتماعي, ولا فرق بين مجتمع علماني أو مختلف, فالشمولية والفردية والانخذال والتقديس سيد الموقف في المجتمعين.
    - هنا تقوى شخصيه الزعيم وتعكف كل الشخصيات حوله, والمسحوق بعد هذا كله يقول للزعيم (دمي فداء لك لا للوطن)
    وهنا يتجلى العامل الابرز في عبادة الزعماء والسبب المحوري, (سيكولوجية الجمهور المدجن) ووجود هذا السبب كفيل بإيجاد الزعيم المعبود كما هو كفيل بإيجاد جماعه الجوقة ــ القلقة المنفعلة, فهي الحامل لكل الموروث الفاسد والاساطير والخرافات والسياسية المخرفة, والالقاب, واذا ما ظهر الزعيم ليعلن تحديات تطير الجماهير المسحوقة المهدرة طربا لهذا الهراء وستجد الكتاب والخطباء والشعراء والحوارات والندوات تحلل ما وراء هذا السقط التافه, واذا ما لمح شخص خطأ ما في فترة ماضية في حياة المقدس او في هذا التحدي: فان الردود والتبريرات توجه الخطأ الذي كان, أو الذي سيكون انه من صنع اعداء الزعيم حسدا وعماله وغياب وطنيه.
    * باحث في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر