الأربعاء 14-10-2026 04:20:22 ص : 3 - جمادي الأول - 1448 هـ
آخر الاخبار

التجمع اليمني للإصلاح في ذكرى تأسيسه الـ36.. من التعددية السياسية إلى توسيع الشراكة ومواجهة الانقلاب (4)

الثلاثاء 15 سبتمبر-أيلول 2026 الساعة 05 مساءً / الإصلاح نت – خاص

 

الانقلاب واستهداف الإصلاح
دخل التجمع اليمني للإصلاح عام 2014 في مواجهة سياسية متصاعدة مع مليشيا الحوثيين، خصوصًا بعد توسعها خارج معقلها في صعدة وسيطرتها على محافظة عمران في يوليو من العام نفسه.
واتخذ الإصلاح موقفًا معلنًا دعا فيه الدولة إلى بسط نفوذها ووقف تمدد المليشيا، وحمّل قيادات الحوثيين مسؤولية الأحداث التي شهدتها عمران، كما دعا المواطنين والقوى السياسية إلى مساندة مؤسسات الدولة والجيش والحفاظ على المسار الجمهوري والديمقراطي.
وتعامل الحزب مع توسع الحوثيين بوصفه تهديدًا لمسار الانتقال السياسي ومؤسسات الدولة، يتجاوز حدود المنافسة السياسية بين القوى والأحزاب.
وفي 21 سبتمبر 2014، سيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء بالتزامن مع انهيار مواقع عسكرية وأمنية رئيسية، لتبدأ مرحلة جديدة تراجع فيها حضور الإصلاح العلني في العاصمة بصورة حادة.
وحاول الإصلاح عقب سقوط صنعاء تجنب الانخراط في مواجهة شاملة مع الحوثيين خارج إطار مؤسسات الدولة. وأكد أحد قيادييه أن الحزب لا يريد الحلول محل الدولة، ويتمسك بالعمل السياسي السلمي ويرفض الانجرار إلى حرب أهلية.
وأعلن الحزب لاحقًا أن ما جرى يمثل انقلابًا على العملية السياسية، واتهم الرئيس السابق علي عبدالله صالح وحزب المؤتمر الشعبي العام بالتعاون مع الحوثيين لإسقاط المرحلة الانتقالية.
وعكس تطور خطاب الإصلاح انتقال موقفه من محاولة احتواء المواجهة سياسيًا إلى التعامل مع الواقع الجديد بوصفه تهديدًا مباشرًا للعملية السياسية والحياة الحزبية ومؤسسات الدولة.
ومثّل سقوط صنعاء نقطة فاصلة في تاريخ الإصلاح؛ فقد انتهت عمليًا المرحلة التي كان فيها الحزب شريكًا في العملية الانتقالية ومشاركًا في مؤسسات الدولة، وبدأت مرحلة أصبح فيها وجوده السياسي والتنظيمي في صنعاء مهددًا بصورة مباشرة.
كما أظهر التحول محدودية الأدوات السياسية التي اعتمد عليها الإصلاح خلال المرحلة الانتقالية في حماية العملية السياسية، بعدما انتقل الصراع من التنافس الحزبي إلى فرض موازين قوة جديدة بالسلاح. وقاد ذلك الحزب خلال عام 2015 إلى مرحلة مختلفة، اتجه فيها إلى دعم الشرعية والمقاومة وإعادة بناء حضوره في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة.

دعم الشرعية والمقاومة
مع انتقال الصراع اليمني إلى الحرب المفتوحة عام 2015، دخل التجمع اليمني للإصلاح مرحلة مختلفة جذريًا عن المراحل السابقة. فقد انهارت ترتيبات المرحلة الانتقالية، ووجد الحزب نفسه في مواجهة مباشرة مع مليشيا الحوثيين والقوى المتحالفة معها، بعد سيطرتها على صنعاء وتوسعها العسكري نحو المحافظات الأخرى.
وفي أواخر مارس 2015، أعلن الإصلاح تأييده لعملية «عاصفة الحزم» التي قادتها المملكة العربية السعودية استجابة لطلب الحكومة اليمنية، وجدد تمسكه بالرئيس عبد ربه منصور هادي والشرعية السياسية، معتبرًا أن فرض السيطرة المسلحة على مؤسسات الدولة أنهى المسار السياسي الذي قامت عليه المرحلة الانتقالية.
وقدم الحزب موقفه من الحرب امتدادًا لموقفه من العملية السياسية، وربط دعمه للشرعية برفض الانقلاب على التوافق السياسي ومؤسسات الدولة.
كما دعا إلى دعم المقاومة الشعبية في مواجهة الحوثيين، وهو ما مثّل تحولًا في طبيعة مشاركة قواعده وقياداته. فبعد عقود من الاعتماد الأساسي على الأدوات الحزبية والانتخابية والاحتجاج السلمي، انخرط أعضاء وقيادات من الإصلاح في المقاومة الشعبية والجيش الوطني في عدد من المحافظات التي شهدت مواجهات مع الحوثيين.
ووضع الإصلاح هذه المشاركة في إطار الدفاع عن الدولة والشرعية في ظرف استثنائي فرضته الحرب، مع استمرار نشاطه السياسي والحزبي ومشاركته في مؤسسات الحكومة الشرعية.
وظل الحزب خلال سنوات الحرب أحد أبرز المكونات السياسية الداعمة للحكومة، محتفظًا بهيكله التنظيمي ومشاركته في الحكومات المتعاقبة.
ومع ذلك، لم يحقق اصطفافه إلى جانب الشرعية والتحالف استقرارًا كاملًا لوضعه في المناطق المحررة؛ إذ واجه أعضاؤه وقياداته ضغوطًا وعمليات استهداف من قوى محلية مختلفة، خصوصًا في عدن وبعض المحافظات الجنوبية.
ووجد الحزب نفسه أمام مسارين من الاستهداف: ملاحقة مباشرة من الحوثيين في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، وضغوط واعتداءات من قوى أخرى في بعض المناطق الواقعة ضمن نطاق الحكومة الشرعية والتحالف.
وتراجع نتيجة ذلك حضوره العلني في عدد من المناطق، واضطرت شخصيات وقيادات إصلاحية إلى النزوح داخل البلاد أو مغادرتها.
ودشن الانقلاب الحوثي بذلك مرحلة جديدة في تجربة الإصلاح، انتقل فيها من الشراكة في العملية الانتقالية إلى موقع الحزب السياسي الداعم للشرعية والمقاومة الشعبية.
ومع استمرار الحرب، ارتبط الحفاظ على موقع الحزب داخل المعسكر المناهض للحوثيين بقدرته على إدارة علاقاته مع الحكومة والتحالف والقوى المحلية، وهو ما ظهر بصورة أكثر وضوحًا مع اتفاق الرياض عام 2019 والتحولات التي أعقبته.

اتفاق الرياض وتحديات الشراكة
أدت أحداث أغسطس 2019 في عدن إلى تحول جديد في موقع التجمع اليمني للإصلاح داخل معسكر الشرعية، إذ اندلعت مواجهات بين القوات الحكومية والقوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، وانتهت بسيطرة الانتقالي على عدن وخروج القوات الحكومية منها.
وجاء اتفاق الرياض، الموقع في 5 نوفمبر 2019، محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين الحكومة والمجلس الانتقالي من خلال تشكيل حكومة جديدة وإعادة تنظيم الترتيبات العسكرية والأمنية في المحافظات الجنوبية.
ونص الاتفاق على تشكيل حكومة كفاءات سياسية لا تتجاوز 24 وزيرًا، بالمناصفة بين المحافظات الشمالية والجنوبية، إلى جانب إعادة تنظيم القوات العسكرية والأمنية ودمجها ضمن مؤسسات الدولة.
وجاءت هذه التطورات في وقت أصبح فيه الإصلاح أحد المكونات السياسية الرئيسية الداعمة للشرعية، ولذلك انعكست الخلافات بين الحكومة والمجلس الانتقالي على موقعه السياسي بصورة مباشرة.
وتعامل الحزب مع اتفاق الرياض من منطلق دعمه للشرعية والحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة اليمن، مؤكدًا ضرورة معالجة الخلافات داخل المعسكر المناهض للحوثيين عبر الحوار والآليات السياسية، بعيدًا عن المواجهة المسلحة.
وواجه تنفيذ الاتفاق عراقيل متعددة، واستمرت الخلافات حول ترتيب خطواته السياسية والعسكرية، بما فيها إعادة انتشار القوات وتشكيل الحكومة.
وظل الإصلاح يعمل في بيئة سياسية شديدة التعقيد، تجمع بين مواجهة الحوثيين والمنافسة داخل معسكر الشرعية. وأدى استمرار هذا الوضع إلى تراجع قدرة الأحزاب السياسية، ومن ضمنها الإصلاح، على التأثير المنفرد في مسار الأحداث، مقابل تزايد دور القوى العسكرية والمحلية والإقليمية في تحديد موازين القوة.
وكشفت الفترة الممتدة بين عامي 2019 و2022 عن تحول إضافي في تجربة الإصلاح؛ إذ أصبح الحزب جزءًا من منظومة سياسية وعسكرية أكثر تعقيدًا من تلك التي دخلها مع بداية الحرب عام 2015.
ومع نقل السلطة في أبريل 2022 من الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى مجلس القيادة الرئاسي، دخل الإصلاح مرحلة جديدة ضمن صيغة سياسية متعددة القوى. وأصبح حضوره مرتبطًا بقدرته على العمل داخل ترتيبات جماعية للسلطة وإدارة علاقاته مع مختلف القوى المنضوية في معسكر الشرعية.

الإصلاح ومجلس القيادة الرئاسي
شكّل الإعلان الرئاسي الصادر في 7 أبريل 2022، المتضمن نقل صلاحيات الرئيس عبد ربه منصور هادي إلى مجلس القيادة الرئاسي، محطة جديدة في مسار التجمع اليمني للإصلاح، ووضع الحزب أمام صيغة سياسية مختلفة عن المرحلة السابقة.
ورحب الإصلاح بتشكيل المجلس، واعتبره إطارًا لتجميع القوى المناهضة للحوثيين وتوحيد جهودها لاستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب. كما أكد دعمه لقرارات المجلس، وربط موقفه بمبدأ الشراكة الوطنية وتجاوز الخلافات بين القوى المنضوية في معسكر الشرعية.
وسعى الحزب إلى بناء علاقات سياسية مباشرة مع مختلف مكونات مجلس القيادة، بما فيها القوى التي اتسمت علاقته بها بالتوتر خلال سنوات الحرب.
وعقدت قيادة الإصلاح لقاءات مع عدد من أعضاء المجلس، أكدت خلالها ضرورة فتح صفحة جديدة، ومعالجة الخلافات السابقة، وتوحيد الجهود في مواجهة الحوثيين.
وعكس هذا المسار تحولًا في خطاب الحزب نحو إعطاء الشراكة بين القوى السياسية والعسكرية أولوية أكبر، باعتبارها شرطًا لاستعادة الدولة.
وفي الذكرى الثالثة والثلاثين لتأسيس الإصلاح عام 2023، أكد رئيس الهيئة العليا للحزب أن المرحلة تتطلب توسيع قاعدة الشراكة لتشمل مختلف المكونات والقوى المنضوية في الشرعية، بما فيها المجلس الانتقالي الجنوبي والمكتب السياسي للمقاومة الوطنية.
ودعا الحزب إلى توحيد التشكيلات المسلحة تحت سلطة مؤسسات الدولة، واستكمال تنفيذ اتفاق الرياض، وإحياء العملية السياسية، وتمكين الأحزاب من ممارسة نشاطها في المحافظات الخاضعة للحكومة.
وحافظ الإصلاح خلال هذه المرحلة على خطابه الداعم للنظام الجمهوري ووحدة اليمن ومؤسسات الدولة، ووضع هذه المبادئ ضمن إطار سياسي يقوم على التوافق والشراكة.
وأكد في مواقفه المعلنة أن مجلس القيادة يمثل صيغة للتوافق الوطني، ودعا القوى السياسية والاجتماعية إلى مساندته وتوحيد جهودها من أجل استعادة الدولة، كما رفض الممارسات التي تؤدي إلى تفكيك المعسكر المناهض للحوثيين أو إضعاف مؤسسات الدولة.
وانتقل الإصلاح بعد عام 2022 من حزب شارك في السلطة الانتقالية ودعم الحكومة الشرعية خلال الحرب إلى مكوّن سياسي فاعل ضمن الترتيبات التي نشأت بعد تشكيل مجلس القيادة الرئاسي.
وأصبح نفوذه مرتبطًا بحجم حضوره السياسي وقدرته على العمل داخل تحالف واسع يضم قوى ذات مصالح ورؤى متباينة، إلى جانب تمثيله في مؤسسات الدولة والحكومة.

توسيع الاصطفاف السياسي
مثّل تشكيل مجلس القيادة الرئاسي بداية مرحلة اتجه فيها التجمع اليمني للإصلاح بصورة أكبر إلى توسيع دائرة الشراكة بين القوى اليمنية المناهضة للحوثيين.
وأكد الحزب أهمية توحيد القوى السياسية والعسكرية وتجاوز الخلافات التي نشأت داخل معسكر الشرعية، انطلاقًا من أن استعادة الدولة تتطلب إطارًا أوسع من التحالفات الثنائية والترتيبات المؤقتة.
وركز خطابه على الشراكة والتوافق وتوحيد القرار السياسي، وعلى إدارة الخلافات بين القوى المناهضة للحوثيين عبر الحوار والعمل السياسي.
وتبلورت هذه الرؤية في الجهود التي قادها الإصلاح إلى جانب قوى سياسية أخرى لتوسيع إطار العمل الحزبي المشترك. وفي عام 2023، دعا الحزب إلى بناء تحالف سياسي يشمل مختلف المكونات والقوى الداعمة للشرعية، بما فيها المجلس الانتقالي الجنوبي والمكتب السياسي للمقاومة الوطنية، معتبرًا أن مواجهة الحوثيين واستعادة الدولة تقتضيان معالجة التباينات بين القوى السياسية والعسكرية.
وجاءت هذه الجهود امتدادًا للتحالف الوطني للأحزاب والقوى السياسية الذي أُعلن في مدينة سيئون عام 2019. ودفعت التطورات التي أعقبت تشكيل مجلس القيادة الرئاسي إلى البحث عن صيغة أوسع تستوعب مكونات سياسية جديدة.
وتوجت هذه المساعي بإشهار التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية في العاصمة المؤقتة عدن في 5 نوفمبر 2024، بمشاركة التجمع اليمني للإصلاح ومجموعة واسعة من الأحزاب والمكونات السياسية.
ونصت وثيقة الإشهار على التزام التكتل بالتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة والعدالة والمواطنة المتساوية والتوافق والشراكة. وحددت أهدافه في توحيد القوى الوطنية الداعمة للشرعية، واستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، والحفاظ على النظام الجمهوري في إطار دولة اتحادية، ومعالجة القضية الجنوبية ضمن الحل السياسي النهائي.
وقدم التكتل نفسه امتدادًا لصيغ سابقة من الاصطفاف السياسي، وصولًا إلى الترتيبات التي رافقت تشكيل مجلس القيادة الرئاسي عام 2022.
واكتسبت مشاركة الإصلاح في تأسيس التكتل أهمية في قراءة تطور تجربة الحزب، إذ شارك في الدفع نحو صيغة أوسع للشراكة تضم قوى ذات خلفيات سياسية ومناطقية مختلفة.
ووفق رؤية الحزب، استجابت فكرة التكتل للحاجة إلى توحيد الصف السياسي. وأكد رئيس الكتلة البرلمانية للإصلاح، عبد الرزاق الهجري، أن التكتل يستهدف تنشيط الحياة السياسية وتوسيع عضويته لتشمل قوى لم تكن جزءًا من تحالف عام 2019.
وتعكس الفترة الممتدة من عام 2022 إلى عام 2026 تحولًا إضافيًا في ممارسة الإصلاح السياسية. فبعد مشاركته في السلطة، وانتقاله إلى المعارضة، ثم مشاركته في المرحلة الانتقالية وعمله ضمن معسكر الشرعية خلال الحرب، اتجه في هذه المرحلة إلى بناء مظلة سياسية متعددة الأطراف.
ويمثل التكتل الوطني أحد أبرز تجليات هذا التوجه؛ إذ يعمل الإصلاح من خلاله مع بقية الأطراف على تحويل الشراكة إلى إطار سياسي أوسع يجمع القوى المختلفة حول استعادة الدولة والسلام والحفاظ على مؤسساتها، مع إبقاء القضايا الخلافية مفتوحة للحوار السياسي.

مسار التحولات والشراكات
تكشف تجربة التجمع اليمني للإصلاح، منذ تأسيسه عام 1990 حتى عام 2026، عن مسار سياسي اتسم بالقدرة على التكيف وإعادة التموضع في ظل التحولات العميقة التي شهدتها اليمن.
فقد انتقل الحزب من المشاركة في السلطة والتحالف مع المؤتمر الشعبي العام إلى المعارضة والعمل ضمن اللقاء المشترك، ثم شارك في المرحلة الانتقالية بعد ثورة 2011، قبل أن يصبح أحد أبرز المكونات السياسية الداعمة للشرعية في مواجهة الانقلاب، ويتجه في السنوات الأخيرة إلى توسيع الشراكة السياسية والانخراط في أطر جامعة، وصولًا إلى مشاركته في التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية.
وتوضح هذه التحولات أن التحالفات والشراكات شكلت عنصرًا محوريًا في استمرار حضور الإصلاح، وأن موقعه السياسي تأثر بتغير موازين القوى وطبيعة المراحل التي مر بها اليمن.
كما تبين تجربته أن الحفاظ على الحضور السياسي يتطلب قدرة مستمرة على تطوير الخطاب والأدوات بما يتلاءم مع التحولات السياسية والاجتماعية.
ويرتبط مستقبل الإصلاح بقدرته على تجاوز إدارة التحالفات إلى الإسهام في بناء مشروع سياسي وطني أكثر وضوحًا، يقوم على التعددية والشراكة والتداول السلمي للسلطة، ويدعم مؤسسات الدولة وسيادتها وقدرتها على استعادة القرار الوطني.