الأربعاء 14-10-2026 03:32:11 ص : 3 - جمادي الأول - 1448 هـ
آخر الاخبار

التجمع اليمني للإصلاح في ذكرى تأسيسه الـ36.. من التعددية السياسية إلى توسيع الشراكة ومواجهة الانقلاب (1)

السبت 12 سبتمبر-أيلول 2026 الساعة 09 مساءً / الإصلاح نت – خاص

 

 

عقد من التحولات نقل الحزب من التعددية الناشئة إلى الحكم ثم المعارضة ودعم صالح في انتخابات 1999

بعد أقل من أربعة أشهر على إعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، تأسس التجمع اليمني للإصلاح في 13 سبتمبر من العام نفسه، في مرحلة شهدت تحولًا جوهريًا في بنية النظام السياسي اليمني، وانتقالًا من حظر التعددية الحزبية في الشمال ونظام الحزب الواحد في الجنوب إلى نظام سياسي تعددي في الجمهورية اليمنية الموحدة.

ارتبط ظهور الإصلاح منذ لحظته الأولى بمرحلة تأسيس التعددية السياسية، وكان أحد أبرز المكونات الحزبية التي تشكلت مع النظام الجديد بعد الوحدة. وتأسس الحزب على قاعدة واسعة من الشخصيات والقوى ذات الخلفيات الإسلامية والقبلية والسياسية، ما منحه تركيبة داخلية متعددة المصادر، أصبحت لاحقًا إحدى السمات التي تفسر مواقفه وتحالفاته وتحولاته السياسية.

ووفق الوثائق التأسيسية للحزب، شاركت أكثر من 1200 شخصية في مرحلة التأسيس، واختير منها 60 شخصًا لتشكيل اللجنة التحضيرية، مثّلت فئات ومحافظات يمنية مختلفة.

واستند اسم الإصلاح إلى سياق تاريخي سبق الوحدة، إذ قدّم الحزب نفسه امتدادًا لتيار الإصلاح والتجديد الذي نشط في مواجهة الحكم الإمامي، وجاء تأسيسه عام 1990 إطارًا تنظيميًا جديدًا للعمل السياسي الإسلامي في ظل التعددية الحزبية.

وحمل الحزب منذ نشأته بُعدين متداخلين: بُعدًا تاريخيًا يستند إلى تيارات الإصلاح والتجديد السابقة؛ وبُعدًا سياسيًا حديثًا يقوم على المشاركة الحزبية في الجمهورية اليمنية الموحدة.

 

التأسيس وسياق التعددية

مثّلت التحولات التي رافقت قيام الجمهورية اليمنية البيئة المباشرة التي ظهر فيها الإصلاح حزبًا سياسيًا جديدًا، وأتاحت له ممارسة نشاطه بصورة علنية والمشاركة في الحياة العامة ضمن نظام قائم على التعددية والمنافسة السياسية.

وبرز الإصلاح سريعًا واحدًا من الأحزاب الرئيسية في النظام السياسي الجديد، إلى جانب المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني، وأصبح دخوله المبكر إلى المنافسة السياسية والانتخابية عاملًا أساسيًا في تحديد موقعه داخل الجمهورية الناشئة.

وعرّف الحزب نفسه في نظامه الأساسي بأنه تنظيم سياسي شعبي يسعى إلى الإصلاح في مختلف مجالات الحياة استنادًا إلى المبادئ والتعاليم الإسلامية. ومنح هذا التعريف الحزب إطارًا عامًا لبرنامجه السياسي، مع مساحة لتحديد مواقفه التفصيلية وفق تطورات الحياة السياسية.

وخلال الفترة الممتدة من تأسيسه عام 1990 حتى إجراء أول انتخابات برلمانية بعد الوحدة عام 1993، عمل الإصلاح على بناء مؤسساته التنظيمية وتثبيت حضوره داخل النظام السياسي الجديد، مستفيدًا من اتساع المجال العام الذي أتاحته التعددية الحزبية.

واتجه الحزب خلال هذه المرحلة إلى المشاركة في الحياة السياسية والمؤسسات الرسمية، ومكّنته هذه المشاركة خلال فترة قصيرة من الانتقال من حزب حديث التأسيس إلى طرف رئيسي في المشهد السياسي اليمني.

ويضع باحثون هذه المرحلة ضمن مسار دخول الإصلاح إلى السياسة الرسمية، مشيرين إلى أن الحزب شارك منذ بدايته في النظام السياسي، وأن علاقته بالمؤتمر الشعبي العام تطورت خلال السنوات الأولى إلى تعاون سياسي وانتخابي.

ومع اقتراب انتخابات أبريل 1993، كان الإصلاح قد أصبح أحد الأطراف السياسية الرئيسية القادرة على المنافسة في أول انتخابات برلمانية تشهدها الجمهورية اليمنية الموحدة.

 

من الانتخابات إلى الائتلاف الثلاثي

مثّلت الانتخابات البرلمانية التي أُجريت في 27 أبريل 1993 أول اختبار انتخابي وطني واسع للتجمع اليمني للإصلاح منذ تأسيسه، وأظهرت نتائجها تحوله خلال أقل من ثلاث سنوات إلى قوة سياسية رئيسية.

وحصل الإصلاح على 62 مقعدًا من أصل 301 مقعد، ليأتي في المرتبة الثانية بعد المؤتمر الشعبي العام الذي حصل على 123 مقعدًا، ومتقدمًا على الحزب الاشتراكي اليمني الذي حصل على 56 مقعدًا.

وأصبح الإصلاح بهذه النتيجة أحد الأطراف الثلاثة الرئيسية في الخريطة البرلمانية الجديدة، وامتلك كتلة مؤثرة في أول مجلس نواب منتخب بعد الوحدة.

وفرض غياب الأغلبية المطلقة عن الأحزاب الثلاثة الكبرى تشكيل حكومة ائتلافية. وفي 30 مايو 1993، شُكلت حكومة برئاسة حيدر أبوبكر العطاس، وضمت المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني والتجمع اليمني للإصلاح، وحصل الإصلاح فيها على سبع حقائب وزارية.

وانتقل الحزب بذلك من مرحلة التأسيس إلى المشاركة المباشرة في إدارة الدولة. وتولى الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، رئيس الهيئة العليا للتجمع اليمني للإصلاح، رئاسة مجلس النواب، فيما مثّل الشيخ عبدالمجيد الزنداني الحزب في مجلس الرئاسة، ما منح الإصلاح حضورًا مؤثرًا في مؤسسات الدولة خلال المرحلة الانتقالية.

وحمل صعود الإصلاح إلى البرلمان دلالة سياسية تجاوزت عدد المقاعد التي حصل عليها؛ فقد أعاد تشكيل توازن القوى القائم بعد الوحدة، وأدخل طرفًا ثالثًا قويًا إلى معادلة الحكم التي كانت تقوم على الشراكة بين المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني.

ومع تصاعد الخلافات السياسية بين المؤتمر والاشتراكي، أخذ التقارب بين المؤتمر والإصلاح يتزايد، وأصبح الإصلاح طرفًا رئيسيًا في التوازنات التي تشكلت خلال الفترة السابقة لحرب 1994.

ويرى باحثون أن التعاون بين المؤتمر والإصلاح تطور تدريجيًا منذ المرحلة الانتقالية، ثم تحول بعد انتخابات 1993 إلى تحالف سياسي وبرلماني أكثر وضوحًا.

وأدى تصاعد الأزمة وفشل الأطراف في التوصل إلى تسوية سياسية إلى اندلاع مواجهات عسكرية أواخر أبريل 1994، قبل اتساعها إلى حرب شاملة في مايو. وشارك الإصلاح إلى جانب القوات المسلحة في الحرب، انطلاقًا من موقفه المعلن بالحفاظ على الوحدة ومؤسسات الدولة.

ومثّلت الفترة الممتدة من انتخابات 1993 إلى حرب 1994 مرحلة انتقالية مهمة في مسار الحزب؛ إذ أصبح خلال سنوات قليلة شريكًا مباشرًا في السلطة، ودخل في قلب التوازنات والصراعات التي أحاطت بالدولة الجديدة.

 

حرب 1994 والائتلاف الثنائي

أعادت حرب 1994 تشكيل الخريطة السياسية وموقع الإصلاح داخل النظام اليمني. فبعد خروج الحزب الاشتراكي من السلطة، انتقل الإصلاح من الائتلاف الثلاثي إلى شراكة ثنائية مع المؤتمر الشعبي العام استمرت حتى انتخابات 1997.

وأصبح الحزب خلال هذه المرحلة أحد المكونات الرئيسية للسلطة، مستفيدًا من موقعه البرلماني والتنفيذي والتحالف الذي جمعه بالمؤتمر.

وتشير دراسات تناولت تطور الأحزاب والتحالفات السياسية في اليمن إلى أن الائتلاف الثنائي افتقر إلى التكافؤ؛ فقد أدى خروج الحزب الاشتراكي من السلطة إلى تعزيز هيمنة المؤتمر الشعبي العام، وظهرت خلافات تدريجية بينه وبين الإصلاح حول إدارة السلطة والإصلاحات السياسية والاقتصادية.

وعززت مشاركة الإصلاح إلى جانب المؤتمر في حرب 1994 نفوذه السياسي وموقعه داخل مؤسسات الدولة، وربطت علاقته بالمؤتمر في الوقت نفسه بتوازنات السلطة الجديدة التي نشأت بعد الحرب.

وحمل تحالف ما بعد الحرب عوامل تنافس ظهرت بوضوح خلال السنوات اللاحقة. ومع مرور الوقت، انتقلت العلاقة بين الطرفين من التعاون الذي فرضته ترتيبات ما بعد الحرب إلى منافسة سياسية متزايدة، وبرزت الخلافات حول إدارة الدولة والسياسات الاقتصادية والاستعداد للانتخابات البرلمانية المقررة عام 1997.

واستمر الطرفان في وصف علاقتهما بأنها تحالف استراتيجي، بينما كانت التطورات السياسية تكشف دخول الإصلاح مرحلة إعادة تقييم لعلاقته بالمؤتمر وموقعه في السلطة.

 

انتخابات 1997 والانتقال إلى المعارضة

شكلت الانتخابات البرلمانية التي أُجريت في 27 أبريل 1997 نقطة تحول في المسار السياسي للتجمع اليمني للإصلاح، وجرت في ظل تراجع التحالف الذي جمعه بالمؤتمر الشعبي العام بعد حرب 1994.

وخاض الإصلاح الانتخابات وهو شريك رسمي في الائتلاف الحكومي، لكنه دخل في منافسة انتخابية متصاعدة مع المؤتمر، ووجه انتقادات إلى هيمنة الحزب الحاكم على الحياة السياسية وطالب بإصلاحات ديمقراطية واقتصادية.

وأسفرت الانتخابات عن حصول المؤتمر الشعبي العام على أغلبية مريحة بلغت 187 مقعدًا، مقابل 53 مقعدًا للإصلاح، الذي تراجع من 62 مقعدًا في انتخابات 1993، بينما قاطع الحزب الاشتراكي اليمني الانتخابات.

وكانت النتيجة ذات أثر مباشر في موقع الإصلاح داخل السلطة؛ إذ مكّنت الأغلبية البرلمانية المؤتمر من تشكيل حكومة منفردة، لتنتهي بذلك صيغة الشراكة الحكومية التي جمعت الحزبين منذ انتهاء حرب 1994.

وانتقل الإصلاح من موقع الشريك الأصغر في الائتلاف الحاكم إلى المعارضة، مع استمرار بعض الروابط السياسية والشخصية بين قيادات الطرفين، ولا سيما العلاقة بين الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر والرئيس علي عبدالله صالح.

ومثّلت انتخابات 1997 نقطة فاصلة في طبيعة علاقة الإصلاح بالمؤتمر الشعبي العام، وبدأ الحزب بعدها إعادة بناء موقعه السياسي خارج الحكومة، والانتقال تدريجيًا إلى خطاب أكثر معارضة.

ومهّد هذا التحول لتعاون الإصلاح مع بقية أحزاب المعارضة، ضمن مسار سيتطور لاحقًا إلى تأسيس تكتل اللقاء المشترك، الذي جمع أحزابًا ذات خلفيات فكرية وسياسية متباينة في إطار معارض واحد.

 

انتخابات 1999 والعلاقة المركبة مع المؤتمر

أُجريت الانتخابات الرئاسية في سبتمبر 1999، وكانت أول انتخابات رئاسية مباشرة في تاريخ الجمهورية اليمنية، وشكلت اختبارًا جديدًا لطبيعة العلاقة بين التجمع اليمني للإصلاح والمؤتمر الشعبي العام بعد انتقال الإصلاح إلى المعارضة.

واختار الإصلاح عدم تقديم مرشح رئاسي منافس لعلي عبدالله صالح، وأعلن تأييده له، ليصبح صالح مرشحًا للمؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح والمجلس الوطني للمعارضة.

وكشف هذا الموقف عن استمرار مساحة من التعاون السياسي بين الحزبين رغم انتهاء شراكتهما الحكومية، وأظهر أن انتقال الإصلاح إلى المعارضة اتخذ مسارًا تدريجيًا احتفظ خلاله الحزب بقدر من التنسيق مع الرئيس صالح والمؤتمر الشعبي العام.

وكان القانون يشترط حصول المرشح للرئاسة على تزكية 10% من أعضاء مجلس النواب، أي 31 عضوًا على الأقل، ومنحت موازين القوى البرلمانية المؤتمر والإصلاح دورًا حاسمًا في اعتماد المرشحين.

وتقدم عدد من الشخصيات بطلبات للترشح، لكن مجلس النواب لم يزكِّ سوى علي عبدالله صالح ونجيب قحطان الشعبي. وخاض الشعبي الانتخابات بصفته مستقلًا، مع أنه كان عضوًا في المؤتمر الشعبي العام، فيما أخفق مرشح الحزب الاشتراكي اليمني علي صالح عباد مقبل في الحصول على التزكية المطلوبة، وقاطع الاشتراكي الانتخابات بعد ذلك.

وأسفرت الانتخابات عن فوز صالح بنسبة 96.20% من الأصوات، مقابل 3.80% لمنافسه نجيب قحطان الشعبي.

وتوضح انتخابات 1999 طبيعة المرحلة الانتقالية في علاقة الإصلاح بالمؤتمر؛ فقد دعم الحزب صالح في الانتخابات الرئاسية، بالتزامن مع إعادة بناء موقعه قوةً معارضةً بعد انتخابات 1997.

ومع اقتراب الانتخابات المحلية عام 2001، اتجهت العلاقة بين الطرفين بصورة أوضح نحو المنافسة السياسية، لتصبح انتخابات 1999 إحدى المحطات الضرورية لفهم انتقال الإصلاح من الشراكة الحكومية والتنسيق مع المؤتمر إلى المعارضة المنظمة.