فيس بوك
جوجل بلاس
رئيس الحزب الجمهوري يهنئ قيادة الإصلاح ويثمن دوره في المعركة الوطنية والدفاع عن الهوية
أمين عام حزب جبهة التحرير يهنئ قيادة الإصلاح بالذكرى الـ36 للتأسيس
الإصلاح يتلقى تهنئة بذكرى التأسيس من أمين عام المكتب السياسي للمقاومة الوطنية
قيادات نسائية: الإصلاح مسيرة حافلة بالعمل السياسي داعم للدولة والشراكة وللمرأة مكانة فيه
قيادة الإصلاح تتلقى تهنئة بالذكرى الـ36 للتأسيس من أمين عام حزب البعث الاشتراكي
رئيس مكون الحراك الجنوبي المشارك يهنئ قيادة الإصلاح بذكرى التأسيس الـ36
الوحدوي الناصري يهنئ الإصلاح بالذكرى الـ36 لتأسيسه ويشيد بدوره السياسي والنضالي الوطني

لم تعد صواريخ مليشيا الحوثي التي تتساقط على تعز والحديدة ومأرب والضالع مجرد أرقام تُضاف إلى نشرات الأخبار، بل تحولت مجددًا إلى مشاهد يومية تترك خلفها قتلى وجرحى وبيوتًا مغلقة وأسرًا تبحث عن ملاذ أكثر أمنًا.
مؤخرا عادت المليشيا الحوثية إلى تصعيد هجماتها الصاروخية على هذه المحافظات، مستهدفة مناطق مأهولة بالسكان، في وقت كان فيه المدنيون يحاولون التقاط أنفاسهم وسط سنوات طويلة من الحرب والانهاك.
ومع كل صاروخ يسقط، تتسع دائرة الخوف، وتتراجع مساحة الحياة الطبيعية، وتجد أسر جديدة نفسها مضطرة إلى مغادرة منازلها بحثًا عن مكان أقل خطرًا، أو الرضوخ للأمر الواقع، مع احتمالات أن يكونوا ضحايا جدد.
وبين ركام المنازل وآثار الانفجارات، تتكرر حكايات الفقد والنزوح، فيما تكشف التطورات الأخيرة أن المدنيين ما زالوا يدفعون الثمن الأكبر لهذا التصعيد، وهكذا تستعيد الحرب وجهها الأكثر قسوة، من خلال صواريخ لا تكتفي بإحداث الخسائر، بل تدفع موجة نزوح جديدة إلى طرقات المحافظات المنهكة.
تصعيد جديد
ولم يقتصر التصعيد الحوثي الأخير على استهداف مواقع عسكرية، بل امتد بصورة مباشرة إلى منشآت مدنية وأحياء سكنية ومرافق حيوية، لتجد محافظات تعز ومأرب والحديدة الضالع نفسها أمام موجة جديدة من القصف وما تخلفه من خسائر إنسانية ومادية.
ففي 26 أغسطس الجاري، جددت مليشيا الحوثي قصف المجمع القضائي الحكومي في مدينة تعز بقذائف الهاون، في ثاني استهداف للمجمع خلال نحو شهر، بعد هجوم مماثل تعرض له في 25 يوليو الماضي.
ورغم عدم تسجيل إصابات في الهجومين، فإن تكرار القصف يكشف حجم الخطر الذي بات يهدد المنشآت المدنية داخل المدينة.
وفي التصعيد ذاته، أفادت مصادر عسكرية بأن الحوثيين أطلقوا أربعة صواريخ باليستية من مناطق سيطرتهم شرق تعز، استهدف ثلاثة منها ميناء المخا، بينما سقط الرابع داخل مدينة الخوخة بمحافظة الحديدة، يأتي ذلك في ظل تكرار المليشيا لاستهداف ميناء المخا والأحياء السكنية والمنشآت المدنية في الساحل الغربي.
أما في مأرب والمخا فقد كانت الكلفة الإنسانية أكثر وضوحًا؛ إذ أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بمقتل تسعة مدنيين وإصابة 54 آخرين جراء الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة حتى 22 أغسطس، كما لحقت أضرار بالبنية التحتية والخدمات الأساسية ومساكن النازحين، وتضرر 59 مأوى للنازحين في مأرب، في مشهد يضيف طبقة جديدة من المعاناة إلى محافظات أنهكتها سنوات الحرب، ويعيد دفع المدنيين إلى النزوح بحثًا عن مناطق أكثر أمنًا.
عدوان متواصل
وخلال أغسطس امتد التصعيد الحوثي إلى مزيد من المناطق المدنية، في سلسلة هجمات متتابعة طالت المسافرين والمنازل والقرى والأحياء المكتظة بالنازحين، وأبقت السكان تحت وطأة الخوف والنزوح. ففي الضالع، أفادت وسائل إعلام حكومية، في 24 أغسطس، بإصابة أكثر من 3 مدنيين جراء قصف استهدف سيارتين تقلان مسافرين على خط مريس-دمت، كانوا قادمين من صنعاء، مما خلف حالة من الخوف والهلع بين المسافرين.
وفي الحديدة، اتخذ القصف منحى أكثر تدميرًا. ففي 27 أغسطس، دمر صاروخ باليستي حوثي منزلًا حديث البناء في قرية القطابا شمال مديرية الخوخة، وحوله إلى ركام، دون تسجيل خسائر بشرية، وجاء ذلك بعد يوم واحد من سقوط صاروخ حوثي أُطلق من جبل أومان شرق تعز داخل مدينة الخوخة، كما أصيب مواطن جراء سقوط مقذوف ناري أطلقته مليشيا الحوثي الإرهابية على قرى المفاليس بمديرية حيفان جنوبي تعز.
وأوضحت الأجهزة الأمنية أن المواطن البالغ من العمر 30 عاماً أصيب بشظية في الرأس بسبب المقذوف.
كما شنت مليشيا الحوثي الإرهابية قصفا صاروخيا على قرى مديرية مقبنة غربي المحافظة، وقالت مصادر محلية إن المليشيا أطلقت صاروخ كاتيوشا، سقط في محيط تجمعات سكنية مما أثار حالة من الذعر بين الأهالي، دون وقوع إصابات. إضافة إلى ذلك، تعرضت أربع قرى سكنية شمال مديرية حيس، هي الحرز والمرجيم وماشعة والبغيل، لقصف بأكثر من 20 قذيفة هاون سقطت في مناطق مأهولة بالسكان والنازحين، وألحقت أضرارًا بعدد من المنازل، ودَفعت أسرًا إلى النزوح.
كما أسفر قصف حوثي، في 23 أغسطس، على قرى ومنازل بمنطقة الحيمة الساحلية في مديرية التحيتا عن إصابة امرأة وشاب بشظايا قذائف الهاون.
وفي مأرب، تصاعد الاستهداف كذلك، إذ قصفت المليشيا في 15 أغسطس أحياء المدينة المكتظة بالنازحين بـ3 صواريخ باليستية، بالتزامن مع إسقاط دفاعات الجيش طائرتين مسيرتين حاولتا استهداف المدينة، وسط تقارير عن قتلى وجرحى بين النازحين دون حصيلة نهائية.
وبعد ثلاثة أيام، استهدفت المليشيا المدينة مجددًا بصاروخين باليستيين ومسيرتين مع سماع دوي 3 انفجارات شمالها.
وتزداد خطورة هذه الهجمات في مدينة تستضيف، وفق إحصاءات رسمية، أكثر من2.2 مليون نازح من أصل أكثر من 5 ملايين نازح في عموم اليمن، مما يجعل استمرار القصف تهديدًا مباشرًا لواحدة من أكبر تجمعات النازحين في البلاد.
رعب النزوح
وبالتوازي مع اتساع دائرة القصف الحوثي، بدأت آثاره تظهر بصورة أكثر وضوحًا في معاناة السكان، إذ سجلت منظمة الهجرة الدولية خلال الأسبوع الماضي أعلى حالة نزوح في اليمن منذ مطلع العام 2026، في مؤشر يعكس حجم التداعيات الإنسانية للتصعيد العسكري المتزامن في عدد من المحافظات.
وأوضحت المنظمة في تقرير حديث أن الفترة الممتدة بين 16 و22 أغسطس شهدت نزوح 218 أسرة، تضم 1308 أفراد، نتيجة المخاوف الأمنية المرتبطة بالحرب بصورة رئيسية.
وجاءت محافظة تعز في صدارة مناطق النزوح بـ151 أسرة، توزعت على مديريات موزع بواقع 92 أسرة، ومقبنة 41 أسرة، والمخا 14 أسرة، كما غادرت 50 أسرة مناطقها في محافظة الحديدة، منها 20 أسرة من حيس، و14 من الجراحي، و6 أسر من الميناء، فيما نزحت 4 أسر من مديرية ذي ناعم بمحافظة البيضاء. وكانت تعز الوجهة الأبرز للنازحين، حيث استقبلت 180 أسرة، توزعت بين موزع بـ88 أسرة، والمخا بـ58 أسرة، ومقبنة بـ27 أسرة، وكانت غالبية هذه الحالات نزوحًا داخل المحافظة.
وفي الحديدة استقبلت حيس 14 أسرة، والخوخة أسرتين، بينما استقبلت مأرب 13 أسرة فقط، منها 5 في مدينة مأرب، وأسرتان في حريب، و6 أسر في مديرية مأرب، وكان معظم القادمين إليها من الجوف وتعز. وأرجعت المنظمة 212 حالة نزوح، أي 97% من إجمالي الحالات الجديدة، إلى المخاوف الأمنية الناجمة عن الحرب، مقابل 6 أسر بنسبة 3%، دفعتها أسباب اقتصادية إلى النزوح، وبذلك ارتفع إجمالي النازحين خلال الفترة من 1 يناير إلى 22 أغسطس 2026 إلى 2241 أسرة، تضم 13446 فردًا، بما يوضح أن التصعيد لم يعد يهدد أمن السكان فحسب، بل يعيد إنتاج أزمة النزوح على نطاق متزايد.
خسائر ومخاطر
ولا تكمن خطورة التصعيد الحوثي الأخير في حجم القصف وحده، وإنما في طبيعة المناطق التي باتت تتعرض له، وما تتركه الهجمات من تداعيات تتجاوز لحظة الانفجار إلى تغيير حياة السكان ودفعهم مجددًا إلى البحث عن أماكن أكثر أمنًا.
ففي مأرب تستهدف الصواريخ أحياء مكتظة بالنازحين، في محافظة تستضيف وحدها، وفق إحصاءات رسمية، أكثر من 2.2 مليون نازح من أصل نحو 5 ملايين نازح في عموم اليمن، مما يجعل أي تصعيد داخل المدينة خطرًا مضاعفًا على سكان يعيشون أصلًا خارج مناطقهم ومجتمعاتهم.
ولا يتوقف الاستهداف عند الأحياء السكنية، إذ طالت الهجمات منشآت ومرافق مدنية حيوية، بينها ميناء المخا والمجمع القضائي في مدينة تعز، فضلًا عن المنازل وخزانات المياه ومساكن النازحين.
ويعني ضرب هذه المرافق أن آثار القصف لا تنحصر في الخسائر المباشرة، بل تمتد إلى الخدمات الأساسية والنشاط الاقتصادي وحياة المدنيين اليومية، خصوصًا عندما يتوقف مرفق حيوي كميناء المخا بصورة مؤقتة.
ومع استمرار القصف تتحول الضربات إلى محرك جديد للنزوح، فالأسر التي غادرت مناطقها هربًا من الحرب تجد نفسها مضطرة إلى النزوح مرة أخرى، بينما تتجه أخرى إلى مناطق تستضيف أصلًا أعدادًا كبيرة من النازحين، الأمر الذي يزيد الضغط على الموارد والخدمات والمجتمعات المضيفة. وتكشف أرقام منظمة الهجرة الدولية عن تسجيل أعلى موجة نزوح أسبوعية منذ بداية العام خلال الفترة من 16 إلى 22 أغسطس، بما يؤكد العلاقة المباشرة بين التصعيد الأمني وحركة السكان.
كما اتسعت جغرافيا الاستهداف لتشمل الضالع إلى جانب مأرب وتعز والحديدة، ولم يعد الخطر مقصورًا على خطوط التماس، فقد تعرض مسافرون على طريق مريس-دمت للقصف، وأصيب أكثر من 3 مدنيين، فيما استهدفت قرى ومناطق سكنية في الساحل الغربي.
وهكذا تتسع دائرة الخطر من الجبهة إلى الطريق والمنزل والميناء ومأوى النازح، لتتحول الصواريخ والقذائف إلى عامل إضافي في إعادة إنتاج الأزمة الإنسانية وإبقاء المدنيين في دائرة خوف ونزوح متواصلين.
نزيف إنساني
موجة النزوح الجديدة التي أفرزها التصعيد الأخير لا يمكن قراءتها بمعزل عن أزمة إنسانية أوسع تراكمت في اليمن على مدى سنوات، حتى بات النزوح أحد أبرز وجوه الحرب وأكثرها استمرارًا.
ففي مارس 2026، كشفت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن ارتفاع مقلق في أعداد النازحين داخليًا إلى نحو 5.2 ملايين شخص، في وقت يدخل فيه النزاع عامه الحادي عشر، وتتراجع فيه قدرة الأسر على تحمل أعباء المعيشة وتوفير احتياجاتها الأساسية.
ويمثل هذا الرقم زيادة كبيرة مقارنة بالتقديرات السابقة التي تحدثت عن نحو 4.8 ملايين نازح في بداية العام، بما يعكس اتساع رقعة النزوح خلال فترة قصيرة، ويشير إلى أن عوامل الحرب والتدهور الاقتصادي لم تعد تنتج أزمات متفرقة، بل تدفع أعدادًا متزايدة من اليمنيين إلى مغادرة مناطقهم والاستقرار في بيئات أكثر هشاشة.
وتتضاعف خطورة الوضع مع تقدير المفوضية أن نحو 22.3 مليون شخص في اليمن سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026 بينهم ملايين النازحين، إلى جانب أكثر من 63 ألف لاجئ وطالب لجوء، وتضع هذه الأرقام القطاع الإنساني أمام احتياجات هائلة في بلد يعاني أصلًا من محدودية الدخل وتراجع الخدمات الأساسية.
ولا يرتبط تفاقم الأزمة بالقصف والنزوح وحدهما، فالمفوضية تشير أيضًا إلى تأثير التدهور الاقتصادي الحاد والتحديات المناخية المتزايدة، وهي عوامل تضيق معها قدرة السكان على الصمود وتزيد صعوبة الوصول إلى الغذاء والمياه والرعاية الصحية والخدمات الأساسية.
ومع استمرار الصراع، تتشابك هذه العوامل لتجعل النزوح في اليمن أزمة ممتدة لا تنتهي بانتهاء رحلة الفرار، بل تبدأ معها مرحلة جديدة من الاحتياج وعدم الاستقرار، الأمر الذي يبقي ملايين اليمنيين عالقين في دائرة متواصلة من الحرب والفقر والنزوح.
فصول من الخوف
في كل مرة تتساقط فيها صواريخ مليشيا الحوثي على مدينة أو قرية، لا تنتهي الحكاية بانطفاء ألسنة اللهب، بل تبدأ بعدها فصول أخرى من الخوف والفقد والنزوح، وما شهدته تعز والحديدة ومأرب والضالع خلال الأسابيع الأخيرة يكشف أن المدنيين ما زالوا في قلب دائرة الخطر، وأن اتساع نطاق القصف يضيف أعباء جديدة إلى أزمة إنسانية هي أصلًا من الأشد تعقيدًا في اليمن.
الأرقام التي وثقتها الأمم المتحدة ومنظمة الهجرة الدولية تمنح صورة واضحة عن حجم التداعيات، لكنها لا تختصر وحدها معاناة أسرة تركت منزلها، أو طفل فقد شعوره بالأمان، أو نازح اضطر إلى حمل ما استطاع من متاع والبدء من جديد في مكان آخر.
ومع وصول أعداد النازحين داخليًا إلى نحو 5.2 ملايين شخص، واحتياج 22.3 مليون يمني إلى المساعدات الإنسانية خلال 2026، يصبح استمرار التصعيد تهديدًا يتجاوز اللحظة العسكرية إلى مستقبل المجتمع اليمني وقدرته على التعافي.
وفي ظل ذلك تبدو حماية المدنيين ووقف استهداف المناطق السكنية والمنشآت المدنية ضرورة لا تحتمل التأجيل، بالتوازي مع معالجة جذور النزاع وإتاحة الطريق أمام حل سياسي ينهي دورة العنف، فاليمنيون لا يحتاجون إلى موجة جديدة من القذائف والنزوح، بل إلى فرصة حقيقية لاستعادة الأمن، والعودة إلى منازلهم، وبناء حياة أوقفها الانقلاب الحوثي.