الأربعاء 16-09-2026 00:18:03 ص : 4 - ربيع الثاني - 1448 هـ
آخر الاخبار

حصاد عقد من جرائم الحوثيين.. حين تتحول الحياة اليومية إلى ساحة حرب

الأربعاء 26 أغسطس-آب 2026 الساعة 09 مساءً / الإصلاح نت - خاص

 

خلال سنوات الحرب اتسعت دائرة الانتهاكات في اليمن لتتجاوز ساحات القتال، وتغلغلت آثارها في تفاصيل الحياة اليومية للمدنيين، من الأمن الشخصي إلى الممتلكات والحريات وحق العودة إلى المنازل والأراضي.
ومع استمرار توثيق الوقائع، تتكشف صورة أكثر اتساعًا لمجتمع أثقلته الاعتداءات والاختطافات والألغام والنهب والتعذيب، وتداخلت فيها الخسائر البشرية مع الأضرار الاجتماعية والاقتصادية.

ولا تكمن أهمية هذه الحصائل في حجمها الرقمي فحسب، وإنما في كونها ترسم مسارًا متراكمًا من الانتهاكات التي خلفت ضحايا وحقوقًا معلقة وملفات تنتظر الإنصاف والمساءلة، وسط دعوات إلى عدم تحويل التسويات السياسية إلى طريق لإغلاق هذه الملفات قبل تحقيق العدالة للضحايا.

عقد من الدم

ومنذ أن أحكمت مليشيا الحوثي قبضتها على العاصمة صنعاء، تعرض المدنيون لفصول متعددة من الحرب التي لم تتوقف آثارها عند حدود المعارك والجبهات، بل امتدت إلى المدن والقرى والطرقات والمنازل والمزارع، لتترك خلفها خسائر بشرية هائلة.

وفي أحدث حصيلة حقوقية، وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات نحو 58,904 جريمة قتل وإصابة ارتكبتها مليشيا الحوثي بحق المدنيين، خلال الفترة الممتدة من يناير 2015 وحتى النصف الأول من عام 2026.
وتكشف هذه الحصيلة عن حجم الكلفة الإنسانية التي تكبدها المدنيون خلال أكثر من عقد من الحرب، حيث لم يعد القتل والإصابة مجرد نتائج جانبية لحرب طويلة، وإنما تحولا إلى وقائع متكررة طالت شرائح واسعة من المجتمع. ووفق التقرير بلغ عدد المدنيين الذين فقدوا حياتهم خلال الفترة التي شملها الرصد 15,478 شخصا.

وخلف كل رقم في هذه الحصيلة أسرة فقدت أحد أفرادها، أو منزلًا تغيرت حياته بعد إصابة أحد أفراده، أو طفلًا وجد نفسه أمام واقع مختلف بسبب فقدان أحد والديه أو تعرضه لإصابة غيرت مستقبله، فالضحايا المدنيون لا يظهرون في الإحصاءات مجرد أرقام، وإنما يمثلون قصصًا متراكمة من الفقد والألم والنزوح والعجز عن استعادة الحياة الطبيعية.

وتشير الحصيلة إلى أن آثار الحرب لم تنته بانحسار بعض جبهاتها، إذ ظلت مخلفاتها البشرية حاضرة في حياة اليمنيين، سواء عبر الإصابات المباشرة أو الألغام أو الإعاقات الدائمة.
وبينما تتغير خارطة المواجهات من مرحلة إلى أخرى، يبقى المدنيون الطرف الأكثر تعرضًا لتداعياتها، الأمر الذي يجعل الأرقام التي وثقتها الشبكة مؤشرًا على مأساة إنسانية ممتدة ما تزال تدفع ثمنها أجيال متعاقبة.

حرب لا تُميز

في قلب الأرقام التي أوردتها الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، تبرز النساء والأطفال بوصفهم من أكثر الفئات المدنية التي تحملت أعباء الحرب، فالحصيلة الإجمالية للقتلى والمصابين لا تتحدث عن أرقام مجردة، بل تكشف عن حضور واضح للفئات الأكثر هشاشة داخل دائرة الخسائر، بما يعكس اتساع نطاق تأثير الحرب على المجتمع اليمني.

فقد وثق التقرير مقتل 1,216 امرأة، و 943 طفلا ضمن إجمالي المدنيين الذين قتلوا خلال الفترة الممتدة من يناير 2015 وحتى النصف الأول من 2026، بينما أصيب 6,348 امرأة، و4,283 طفلا، وهذه الأرقام تعكس جانبًا من الكلفة الاجتماعية للحرب، إذ إن إصابة امرأة أو طفل لا تتوقف آثارها عند حدود الجسد، وإنما تمتد إلى الأسرة بأكملها، خصوصًا في مجتمع يعتمد بدرجة كبيرة على الترابط الأسري وتكامل الأدوار داخل المنزل.

ويكتسب استهداف الأطفال أو تعرضهم لمخاطر الحرب أهمية خاصة، فالطفل لا يمتلك القدرة على اختيار مكان الصراع أو الابتعاد عن مخاطره، وقد يجد نفسه في منزل أو قرية أو طريق يتحول في لحظة إلى مساحة تهديد.
أما النساء فقد تعرضن بدورهن لمخاطر متعددة نتيجة استمرار القتال وانتشار الأسلحة والألغام ومخلفات الحرب أو أسباب أخرى للقتل، إضافة إلى ما تتركه إصابة أحد أفراد الأسرة أو فقدانه من أعباء جديدة تتحملها الأسرة.

وتشير هذه المعطيات إلى أن حماية المدنيين لا يمكن أن تكون شعارًا موسميًا في بيانات الإدانة، وإنما ضرورة مستمرة تفرضها قواعد القانون الدولي الإنساني، فالطفل الذي يصاب، والمرأة التي تفقد حياتها، والأسرة التي تخسر معيلها، جميعهم جزء من فاتورة حرب لا ينبغي أن يدفع المدنيون ثمنها.

حرب مؤجلة

وإذا كان إطلاق النار والقصف يرتبطان عادة بلحظة المواجهة، فإن الألغام التي زرعتها مليشيا الحوثي تفتح بابًا آخر من الخطر، لأنها تواصل تهديد المدنيين حتى بعد توقف المعارك في مناطق واسعة. وقد أفرد تقرير الشبكة اليمنية للحقوق والحريات مساحة واضحة لضحايا الألغام، كاشفًا عن واحدة من أكثر صور الحرب قسوة واستمرارًا.

ووفقا للتقرير فقد رصد الفريق الميداني للشبكة 1,637 حالة قتل نتيجة الألغام التي زرعتها مليشيا الحوثي في المناطق السكنية والقرى والمزارع والطرق، وكان من بين القتلى 213 طفلا 198 امرأة، بما يعكس اتساع دائرة الخطر التي لا تفرق بين مقاتل ومدني، ولا بين شخص يعرف بوجود اللغم وآخر يمر بالمكان للمرة الأولى.

ولم تتوقف الخسائر عند القتل فحسب، إذ وثق التقرير إصابة 6,135 مدنيا نتيجة الألغام، بينهم 741 طفلا و362 امرأة، وهذه الإصابات تضيف طبقة أخرى من المعاناة، فالكثير من الناجين وممن سجلتهم الإحصاءات خرجوا من الحوادث بإصابات جسدية خطيرة أو فقدان أحد الأطراف، الأمر الذي يغير شكل حياتهم وقدرتهم على العمل والحركة والاعتماد على أنفسهم.

ويشير التقرير كذلك إلى إصابة أكثر من 798 مواطنا ومواطنة بإعاقات دائمة بسبب هذه الألغام، بينهم نحو 397 طفلا.
وبحسب مراقبين فإن إصابات الألغام تتحول من حادث عابر إلى واقع دائم، إذ يصبح الضحية بحاجة إلى رعاية وتأهيل وأجهزة مساعدة، بينما تواجه الأسر أعباء إضافية في بلد يعاني أصلًا من تدهور الخدمات الصحية والاقتصادية.

كما تكمن خطورة الألغام في أنها لا تحتاج إلى استمرار المعارك كي تستمر في حصد الأرواح، فالطريق الذي يسلكه المزارع إلى أرضه، أو الطفل الذي يخرج للعب، أو الأسرة التي تحاول العودة إلى منزلها، يمكن أن يتحول إلى مسرح مأساة بسبب جسم متفجر مدفون تحت الأرض.

مأساة دائمة

ولا تنتهي دلالة التقرير عند مجموع القتلى والمصابين أو عدد ضحايا الألغام، وإنما تمتد إلى الآثار التي ستبقى حاضرة في المجتمع اليمني لسنوات عديدة، فالحصيلة التي وثقتها الشبكة، والتي تقترب من 59 ألف حالة قتل وإصابة، تكشف عن حجم الخسائر البشرية التي تراكمت خلال سنوات الحرب، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالًا أكبر حول مصير المدنيين الذين ما تزال حياتهم معرضة للخطر.

وترى الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن هذه الأرقام تمثل صورة لحجم الخسائر البشرية التي تعرض لها اليمنيون نتيجة ممارسات مليشيا الحوثي خلال سنوات الصراع، بما في ذلك القتل والإصابة والإعاقة، فضلًا عن الخطر المستمر الذي تمثله الألغام على السكان في المناطق المتضررة.

ولا تقتصر آثار هذه الانتهاكات على الضحايا المباشرين، فالأسرة التي تفقد أحد أفرادها تواجه تبعات اقتصادية واجتماعية ونفسية، والأسرة التي يعيش أحد أفرادها بإعاقة دائمة تحتاج إلى رعاية مستمرة، فيما تجد الأسر التي تحاول العودة إلى مناطقها نفسها أمام مخاطر الألغام ومخلفات الحرب. وهكذا تتحول الجريمة من واقعة فردية إلى أزمة تمتد آثارها عبر المجتمع.
وفي ضوء هذه المعطيات، دعت الشبكة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والدول الفاعلة إلى اتخاذ إجراءات عاجلة وملموسة، بدل الاكتفاء ببيانات الإدانة والتعبير عن القلق، كما طالبت بممارسة الضغط على مليشيا الحوثي للالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وضمان حماية المدنيين، وعدم استخدام المناطق السكنية والمنشآت المدنية لأغراض عسكرية.

وتضع هذه المطالب المجتمع الدولي أمام اختبار يتجاوز إصدار البيانات إلى البحث عن وسائل أكثر فاعلية لحماية المدنيين وتقليل المخاطر التي تحاصرهم، فالأرقام التي وثقها التقرير ليست نهاية الحكاية، بل سجل لضحايا تركتهم سنوات الحرب بين القبور والمستشفيات ومراكز التأهيل، في حين ما تزال الألغام المزروعة في الأرض تذكّر بأن الحرب قد تتوقف في الميدان، لكنها تواصل دفع فواتيرها في حياة المدنيين ما لم تُزل آثارها وتُحاسب الجهات المسؤولة عنها.

الوجه الآخر للجرائم

ولا تقف حصيلة الانتهاكات الحوثية عند أعداد القتلى والجرحى والألغام التي حصدت أرواح المدنيين وأصابت الآلاف، إذ تكشف حصيلة حقوقية أخرى للشبكة اليمنية للحقوق والحريات عن اتساع دائرة الانتهاكات لتشمل مختلف جوانب الحياة داخل المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، فقد وثقت الشبكة 3665 انتهاكا جسيما خلال العام 2025 والنصف الأول من العام 2026.

وشملت الحصيلة 486 جريمة قتل خارج نطاق القانون، و284 حالة إصابة، إلى جانب 18 حالة تفجير منازل، و1974 حالة مداهمة ونهب للمنازل، فضلا عن 432 جريمة اختطاف وإخفاء قسري بينهم نساء وأطفالًا وكبار سن، كما تلقت الشبكة 574 بلاغا من أسر معتقلين، تحدثت عن تعرض ذويهم للتعذيب وسوء المعاملة والحرمان من أبسط الحقوق، في ظل استخدام مبانٍ حكومية كسجون ومعتقلات.
وتكشف الأرقام أيضًا عن اتساع نطاق الانتهاكات الاقتصادية والاجتماعية، إذ وثق التقرير 31,421 جريمة جنائية، بينها 22,458 جريمة سرقة، ونحو 9567 حالة نهب لأراضي مواطنين والاستيلاء عليها، إضافة إلى مئات القضايا التي صنفتها المليشيا تحت مسميات قانونية مختلفة.

ولم تكن الحياة الاقتصادية بمنأى عن هذا الواقع، إذ أشار التقرير إلى احتكار المشتقات النفطية وإعادة بيعها في السوق السوداء بأسعار وصلت إلى عشرة أضعاف السعر الحقيقي، وهو ما انعكس على الزراعة والصيد والنقل والأسواق، ودفع أنشطة اقتصادية إلى التوقف وأدى إلى ارتفاع أسعار السلع.
وفي الوقت ذاته تعرض الصحفيون والإعلاميون والناشطون الحقوقيون لحملات ملاحقة واعتقال دفعت كثيرين إلى مغادرة مناطق سيطرة الحوثيين، بينما تعرضت مقرات منظمات مدنية وحقوقية وإنسانية للنهب والمصادرة، وحُوّل بعضها إلى أماكن احتجاز، بحسب التقرير.
ومع تراجع حضور الإعلام المستقل، أصبحت عملية توثيق الانتهاكات نفسها محفوفة بالمخاطر، وأصبح الراصدون الميدانيون يعملون في ظروف سرية وصعبة.
وتقول الشبكة إن مؤشرات الجريمة ارتفعت بنحو 68 في المئة خلال الفترة التي يغطيها التقرير، مع تصاعد جرائم القتل والشروع فيه والسرقة والنهب والسطو المسلح.

التوثيق والمساءلة

وقد أكدت وزيرة الشؤون القانونية في الحكومة اليمنية إشراق المقطري، في تصريح لها، أن الجهات الوطنية المختصة تعمل على توثيق الانتهاكات الحوثية وجمع الأدلة المتعلقة بالجرائم التي طالت المدن والموانئ والمنشآت الاقتصادية والبنية التحتية.

وأوضحت المقطري أن اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان تضطلع بدور أساسي في التحقيق والتوثيق وفق المعايير القانونية الدولية، بينما تعمل وزارة الشؤون القانونية على تعزيز الأساس القانوني لهذه الجهود، بما يحفظ حق الدولة والضحايا في المساءلة، ويفتح المجال أمام الاستفادة من الملفات الموثقة مستقبلًا أمام القضاء الوطني والهيئات والآليات الدولية المختصة.

وتكتسب هذه التصريحات أهميتها في ضوء الحصائل التي أوردتها الشبكة، والتي لا تتحدث عن حوادث منفردة، وإنما عن آلاف القتلى والجرحى والمختطفين والمهجرين وضحايا الألغام والمداهمات والنهب والتعذيب. وترى وزيرة الشؤون القانونية أن المسؤولية القانونية لا ينبغي أن تتوقف عند الأشخاص الذين نفذوا الجرائم ميدانيًا، مؤكدة أنها تمتد إلى القيادات التي خططت وأصدرت الأوامر ومولت وسهلت التنفيذ. كما شددت على أن أي تسوية سياسية مستقبلية لا ينبغي أن تمنح حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة، ولا أن تمحو حقوق الضحايا أو تحول دون ملاحقة المسؤولين عنها، مؤكدة على أن العدالة لا تتعارض مع السلام، وأن المصالحة لا تعني طمس الجرائم أو تحويل التسوية السياسية إلى غطاء للإفلات من العقاب.

   

كلمات دالّة

#اليمن