الثلاثاء 08-09-2026 22:36:58 م : 26 - ربيع الأول - 1448 هـ
آخر الاخبار

تجريف متواصل ونهب مستمر.. كيف جفف الحوثيون موارد محافظة إب؟

الثلاثاء 18 أغسطس-آب 2026 الساعة 10 مساءً / الإصلاح نت-خاص

  

لم تعد معاناة محافظة إب في ظل سيطرة مليشيا الحوثي مقتصرة على تدهور النشاط التجاري أو ارتفاع الأسعار أو تراجع القدرة الشرائية للسكان، بل تكشف الوقائع المتراكمة منذ سنوات عن مسار أوسع يتمثل في إخضاع قطاعات واسعة من موارد المحافظة لمنظومة من الجبايات والإتاوات والاستحواذ على الأصول، وربط جانب من هذه الموارد بما تسميه المليشيا "المجهود الحربي".

وتظهر أهمية إب في هذا السياق من كونها محافظة ذات كثافة سكانية ونشاط زراعي وتجاري واسع، مما يجعل النشاط التجاري فيها مصدرًا مستمرًا للموارد.
وتكشف الشواهد المنشورة أن عملية الاستنزاف لم تسلك طريقًا واحدًا، فقد بدأت بفرض مبالغ مالية على التجار وأصحاب المحال، ثم امتدت إلى فرض مواد غذائية عينية لدعم الجبهات، ووصلت إلى استهداف تجار المواشي والمزارعين، وفرض رسوم على حركة البضائع، فضلًا عن وقائع البسط على عقارات وأراضي مواطنين.

خزائن مفتوحة

وتمثل الجبايات الحوثية واحدة من أبرز الأدوات التي استخدمتها المليشيا لاستخراج الموارد من محافظة إب، إلا أن خطورتها لا تكمن في تعددها فقط، بل في ارتباط قسم منها مباشرة بما تسميه المليشيا "المجهود الحربي"، فقد تحولت الحرب إلى مظلة لتبرير رسوم ومساهمات متكررة، تُفرض على التجار وأصحاب الأعمال تحت عناوين مختلفة، بحيث أصبح صاحب النشاط التجاري أمام سلسلة من المطالب المالية التي لا تنتهي بانتهاء التزاماته الضريبية أو القانونية.

وتشير تقارير محلية إلى أن التجار في مناطق سيطرة الحوثيين يواجهون مطالبات مالية تحت مسميات متعددة، من بينها دعم المجهود الحربي، ومناسبات المولد النبوي، والفعاليات والمناسبات الطائفية وما تسميه المليشيا دعم القوة الصاروخية وغيرها، كما وثقت تقارير سابقة في محافظة إب انتقال المليشيا من تحصيل الأموال إلى فرض مساهمات عينية على التجار، مما يعني أن الاستنزاف لم يعد محصورًا في السيولة النقدية، بل امتد إلى السلع والمواد الغذائية التي يمكن استخدامها أو توجيهها إلى الجبهات.

وتكشف هذه الآلية طبيعة مختلفة للاقتصاد في مناطق سيطرة المليشيا، فالمحل التجاري لا يدفع فقط مقابل ترخيص أو خدمة حكومية، وإنما يصبح مطالبًا بالمساهمة في تمويل نشاط عسكري لا علاقة له بطبيعة عمله، وبذلك تنتقل تكلفة الحرب من ميزانية المليشيا إلى السوق والمستهلك في آن واحد.

ولم يعد الحوثيون يعتمدون على مورد واحد، بل أنشؤوا شبكة من الضرائب والرسوم والجبايات والامتيازات والسيطرة على التجارة، جعلت القطاع الخاص أحد روافد اقتصاد الحرب المستدامة.

نفوذ أقوى من الوثائق

ولم تقتصر عملية الاستنزاف في محافظة إب على الجبايات والأموال، بل امتدت إلى الأراضي والعقارات، مستفيدة من غياب مؤسسات الدولة وضعف الحماية القانونية للملكية.

ومنذ سيطرة الحوثيين على المحافظة عام 2014، توالت شكاوى المواطنين من عمليات بسط على أراضٍ خاصة وعامة، وأراضٍ تابعة للأوقاف والدولة، وسط اتهامات لنافذين حوثيين باستخدام النفوذ والقوة المسلحة لفرض أمر واقع جديد.
وتكشف وقائع موثقة في أبريل 2020 عن حجم هذه الممارسات، إذ تحدثت إفادات محلية عن الاستيلاء على أراضٍ في مناطق عدة من المحافظة، وتهديد أصحابها أو إجبارهم على دفع مبالغ مالية مقابل التنازل عن الأراضي المنهوبة، ففي إحدى الحالات اضطر أحد المواطنين إلى دفع أربعة ملايين ريال لأحد النافذين مقابل تخليه عن أرض استولى عليها في شارع العدين.

كما طالت عمليات البسط أراضي جبل المعموق، وأراضي جبل الرميح التي قدرت مساحتها بنحو 2500 لبنة، حيث تحدثت المصادر عن تدخل مسلحين واشتراط دفع 800 مليون ريال لرفع اليد عنها.
ولم تتوقف الاعتداءات عند الملكيات الخاصة، بل امتدت إلى الطرق والأراضي العامة والمقابر، في صورة تعكس انتقال الاستحواذ من الجباية إلى السيطرة على أصل الثروة نفسه، وهكذا أصبح مالك الأرض في محافظة إب لا يخشى فقدان دخله فقط، بل فقدان الملكية التي تمثل مدخرات عمره وضمانة أسرته ومستقبل أبنائه.

مصدر للتمويل

عملية استنزاف المحافظة لم تتوقف عند جبايات التجار وأصحاب المحال والعقارات، بل امتدت إلى مواردها العامة ومؤسساتها وأوقافها ومرافقها الخدمية، لتتحول المحافظة تدريجيًا إلى مصدر مستمر للأموال التي تُحصّل تحت مسميات متعددة، بينما لا ينعكس الجزء الأكبر منها على حياة السكان أو تحسين الخدمات.

ومع تكرار هذه الممارسات، أصبح القطاع التجاري يعمل تحت ضغط دائم، فكلما ظهرت حملة جديدة أو مناسبة دينية أو اجتماعية، ظهرت معها مطالب مالية إضافية، الأمر الذي دفع بعض التجار إلى تقليص أنشطتهم أو رفع الأسعار لتعويض ما يُنتزع منهم.

وتكشف أرقام أوردها تقرير حقوقي صدر مطلع العام الجاري 2026 عن حجم لافت من عمليات النهب في المحافظة خلال السنوات الماضية، إذ وثق 1068 واقعة نهب منذ أكتوبر 2014، طالت منازل ومؤسسات ومحال صرافة ومدارس ومساجد ومرافق صحية وجمعيات، مع الإشارة إلى أن العدد الفعلي قد يكون أكبر من الحالات التي أمكن توثيقها.
كما قدر التقرير الذي أصدرته "منظمة رصد للحقوق والحريات" الإيرادات التي يجري الاستحواذ عليها سنويًا بنحو 50 مليار ريال من الضرائب و37 مليارا من الزكاة، بما يصل إلى نحو 900 مليار ريال خلال عشر سنوات، دون احتساب عائدات الأوقاف والجمارك والمرافق الخدمية.

ومن بين الشواهد اللافتة أن نقطة واحدة تابعة لصندوق النظافة عند المدخل الجنوبي لمدينة إب كانت تحصّل قرابة 40 مليون ريال شهريا، فيما تتجاوز إيرادات الصندوق 160 مليون ريال شهريا وفق التقرير.
ولا يبدو الأمر مجرد فساد مالي متفرق، بل منظومة استنزاف واسعة تُفرغ موارد المحافظة من وظيفتها الاقتصادية والخدمية، وتترك السكان أمام واقع معيشي متدهور، بينما تتجه الأموال بعيدًا عن احتياجاتهم الأساسية.

عشر عجاف

وبحسب تقرير المنظمة فإن عمليات النهب لم تقتصر على فئة أو قطاع محدد، وإنما امتدت إلى المنازل والمؤسسات الحكومية والأهلية والمنشآت التجارية والتعليمية والصحية والدينية، في صورة تعكس اتساع دائرة الاستهداف.

ووثق التقرير نهب 292 مؤسسة عامة وأهلية، إلى جانب 459 منزلا، وهو العدد الأكبر ضمن الحالات التي جرى حصرها، كما شملت الوقائع 76 محلا للصرافة، و18 مدرسة حكومية وأهلية، و11 جمعية خيرية، إضافة إلى 16 مسجدا، وما يتبعها من مكتبات ومساكن ومرافق.
وامتدت عمليات الاستيلاء -وفق التقرير- إلى القطاع الصحي، حيث تم توثيق 8 مستشفيات ومراكز ووحدات صحية، فضلا عن 5 مقرات حزبية و4 مؤسسات تعليمية، فيما طالت عمليات النهب بصورة مباشرة ممتلكات 178 مواطنا.

وتشير هذه الأرقام إلى أن ما شهدته إب يعد نمطًا واسعًا من الاعتداءات على الملكية العامة والخاصة وليس مجرد حالات فردية متفرقة، طال قطاعات تمثل جزءًا أساسيًا من الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمحافظة.
ومع ذلك تبقى هذه الحصيلة للحالات التي تمكن التقرير من توثيقها ولا تعني بالضرورة أنها تشمل جميع الوقائع التي حدثت خلال السنوات العشر.
كما وثقت تقارير إعلامية وحقوقية في 2022 حالات متعددة من النهب والسطو، فقد وضع الحارس القضائي يده على مستوصف الخنساء، ثم مستشفى المنار، ومحاولة الحجز على سوق السلام، إضافة إلى منازل وأراضٍ ومزارع، منها منزل الشيخ أمين القادري وموقع جبل الشيخ عثمان ومزارع عبد الكريم العسودي.

من الجباية إلى الاستيلاء

ولم تعد الجبايات في هذه المحافظة مقتصرة على حملات موسمية أو مطالب مالية تفرض على التجار، بل تحولت في بعض المناطق إلى ممارسة يومية تتداخل فيها الجباية مع الابتزاز والاستيلاء على البضائع والتدخل في شؤون المواطنين.

ففي يونيو من العام 2026، شكا تجار وباعة وأصحاب محال في سوق الأحد بمديرية السبرة في محافظة إب من ممارسات قالوا إن أفراد نقطة (حاجز تفتيش) تابعة للحوثيين يمارسونها بحقهم، مستغلين موقعهم الأمني لفرض إتاوات مالية على الباعة وإجبار بعضهم، خصوصًا بائعي القات، على تقديم كميات من بضائعهم دون مقابل.
وبحسب الشكاوى لم تتوقف ممارسات النقطة عند تحصيل الأموال والبضائع، وإنما امتدت إلى التدخل في الخلافات التي تنشأ داخل السوق، ومنع أطرافها من اللجوء إلى الجهات المختصة، ثم فرض التحكيم عليهم مقابل مبالغ مالية، كما تحدث التجار عن تهديدات وابتزاز، من بينها التلويح ببلاغات ووشايات كيدية ضد من يرفضون الاستجابة للمطالب.

وبعد أيام فقط ظهرت صورة أخرى من صور النهب والاستنزاف، ولكن هذه المرة في مديرية مذيخرة غربي محافظة إب، حيث أقدم نافذ حوثي على الاستيلاء بالقوة على أرض تابعة للأوقاف، ثم تأجير أجزاء منها لباعة بينهم بائعو دواجن، وتحويل عائداتها لمصلحته الشخصية، وسط اتهامات بتواطؤ مسؤول الأوقاف المحلي.
وتكشف الواقعتان بفارق ثمانية أيام عن مسارين متوازيين للنهب، استنزاف المال والبضاعة في الأسواق، والاستيلاء على الأصول العقارية وعوائدها، بما يعكس اتساع دائرة تجريف الممتلكات في المحافظة.

المسار الأخطر

وحين يمتد استنزاف موارد المحافظة إلى المؤسسات والمنشآت والأصول الاقتصادية تصبح السيطرة على رأس المال الخاص هدفًا قائمًا بذاته، فقد ظهرت في المحافظة حالات استُخدم فيها النفوذ الحوثي للضغط على ملاك العقارات والمنشآت وأصحاب الأنشطة التجارية، بينما اتخذت مصادرة ممتلكات المعارضين في بعض الحالات غطاءً قضائيًا عبر ما يسمى بـ«الحارس القضائي».

وقد كشفت تقارير عن إطلاق يد الحارس القضائي للاستيلاء على ممتلكات مواطنين ومعارضين، بما في ذلك منازل وعقارات، وهو ما وثقته تقارير صحفية في يونيو 2022.
كما تحدثت تقارير حقوقية عن وجود تنسيق بين الحارس القضائي والنيابة والمحاكم وأجهزة أمنية ومالية في عمليات الحجز والمصادرة، بما يجعل الأصول الاقتصادية عرضة للخروج من أصحابها الأصليين إلى دائرة النفوذ الحوثي.

وتكمن خطورة هذا المسار في أنه لا يستنزف دخل محافظة إب فقط، وإنما يستهدف قدرتها على إنتاج الدخل مستقبلا، فحين تُصادر مؤسسة أو منشأة أو عقار منتج، لا يخسر المالك أمواله فحسب، بل تخسر السوق نشاطًا وفرص عمل ورأس مال كان يمكن أن يعاد استثماره داخل المحافظة، ليتحول الاقتصاد من مساحة للإنتاج والمنافسة إلى مساحة تتحكم فيها القوة والنفوذ، وتصبح الملكية نفسها امتيازًا قابلًا للمصادرة.

استنزاف متواصل

وتكشف الوقائع المتتابعة التي شهدتها محافظة إب خلال أكثر من عقد أن ما تعرضت له مواردها لم يكن مجرد أزمات عابرة فرضتها الحرب، ولا مجرد مخالفات مالية متفرقة، وإنما مسار متواصل من الاستنزاف طال مصادر الدخل وأصول الثروة ومؤسسات المجتمع، فمن الجبايات التي أثقلت كاهل التجار والباعة، إلى فرض الإتاوات على الأسواق والطرق، ونهب البضائع، وصولًا إلى الاستيلاء على الأراضي والممتلكات والأوقاف، واتسعت دائرة الاستنزاف لتشمل قطاعات واسعة من الحياة الاقتصادية.

ووفقا لخبراء فإن خطورة هذا الواقع تزداد حين تقترن الجباية بالمصادرة والاستحواذ على الأصول، لأن الخسارة هنا لا تقتصر على الأموال التي تُنتزع من المواطن اليوم، بل تمتد إلى قدرته على إنتاج الدخل غدًا، فالأرض المصادرة، والمحل المغلق، والمؤسسة المستولى عليها، والمشروع الذي يتوقف بسبب الابتزاز، كلها موارد كان يمكن أن توفر فرص عمل وتحرك الأسواق وتدعم الاستقرار الاقتصادي.

وتظهر الشواهد والأرقام التي وثقتها تقارير حقوقية وصحفية أن المحافظة دفعت ثمنًا اقتصاديًا واجتماعيًا باهظًا، بينما ظلت الخدمات الأساسية عرضة للتدهور والانهيار، وبذلك تحولت إب التي تمتلك مقومات زراعية وتجارية وسكانية مهمة، إلى اقتصاد مثقل بالجبايات والخوف وعدم اليقين.
إن استعادة عافية النشاط التجاري في محافظة إب لا تبدأ فقط بوقف الجبايات، بل بإعادة الاعتبار للملكية الخاصة والعامة، وحماية المؤسسات والأوقاف، وضمان استقلال القضاء، وإعادة الموارد إلى وظيفتها الطبيعية في خدمة السكان والتنمية، بدل تحويلها إلى أدوات لإدامة اقتصاد الحرب.

كلمات دالّة

#اليمن