الأربعاء 16-09-2026 01:07:02 ص : 4 - ربيع الثاني - 1448 هـ
آخر الاخبار

التصعيد الحوثي على جبهات متعددة.. قراءة في الدوافع والدلالات العسكرية والنفسية

الثلاثاء 11 أغسطس-آب 2026 الساعة 09 مساءً / الإصلاح نت - خاص

 

تشهد الساحة اليمنية تصعيدًا عسكريًا متجددًا مع توسيع مليشيا الحوثي الإرهابية نطاق هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد مواقع القوات الحكومية في مأرب والجوف وحضرموت والساحل الغربي، بما في ذلك المخا والخوخة، بالتزامن مع استهداف الأراضي السعودية.

ويعكس اتساع نطاق العمليات وتزامنها على أكثر من جبهة محاولة لإعادة فرض الحضور العسكري للمليشيا، ورفع مستوى الضغط على القوات الحكومية والمجتمع، واختبار قدرتها على إدارة مواجهات متزامنة.

وتكتسب التطورات الأخيرة أهمية خاصة بالنظر إلى استهداف مواقع حيوية في المخا، إلى جانب التحركات والهجمات في مأرب وحضرموت وغيرها من الجبهات، بما يشير إلى أن التصعيد لا يستهدف تحقيق مكاسب ميدانية محدودة فحسب، وإنما يحمل رسائل عسكرية ونفسية تتعلق بقدرة المليشيا على فتح أكثر من محور للقتال، وتشتيت قدرات القوات الحكومية، وإظهار امتلاكها أدوات نيران بعيدة المدى تمكنها من نقل التهديد إلى مناطق تتجاوز خطوط التماس التقليدية.

ولا يبدو هذا التصعيد منفصلًا عن المسار الذي اتخذته مليشيا الحوثي خلال سنوات الحرب، فقد انتقلت من جماعة مسلحة خاضت ست جولات من الحرب في صعدة إلى قوة عسكرية تمتلك الصواريخ والطائرات المسيّرة وتستخدمها ضد أهداف داخل اليمن وخارجه.
ومع عودة الهجمات على السعودية واستمرار تهديد الملاحة في البحر الأحمر، اتسعت دائرة المواجهة لتتداخل مع أمن الخليج والبحر الأحمر، وتصبح الساحة اليمنية جزءًا من حسابات صراع إقليمي أوسع.

ويأتي ذلك في بيئة إقليمية مضطربة، وفي ظل استمرار الدعم الإيراني لمليشيا الحوثي وتطور قدراتها العسكرية، بينما تواجه الحكومة اليمنية تحديات سياسية واقتصادية وعسكرية متراكمة.
ومن ثم، فإن فهم التصعيد الراهن يتطلب النظر إلى تداخل الحسابات العسكرية للمليشيا مع أهدافها السياسية، وإلى الدور الإيراني في تعزيز قدرتها على استخدام القوة، فضلًا عن دلالات تعدد الجبهات وتزامن العمليات في توقيت واحد.

ويعيد التصعيد، في الوقت ذاته، طرح أسئلة بشأن قدرة المسار الدولي على احتواء المليشيا وردعها، ومدى فاعلية الجهود الأممية في منع العودة إلى دورة جديدة من الحرب.
كما أن التصعيد يضع القيادة اليمنية والقوى السياسية والمجتمع الدولي أمام خيارات أكثر تعقيدًا، تتراوح بين الضغط السياسي والتسوية من جهة، وتعزيز الردع واستعادة المبادرة العسكرية من جهة أخرى، في ظل استمرار مليشيا الحوثي في استخدام القوة لفرض إرادتها خارج مؤسسات الدولة.

 

الأسباب والدوافع

يأتي التصعيد الحوثي الأخير في ظل تعثر مسار التسوية السياسية، بعد رفض تلك المليشيا الإرهابية مقترحات وافقت عليها الحكومة اليمنية، واستمرار القضايا الأساسية للصراع دون حل، وفي مقدمتها ترتيبات السلطة والملفات الاقتصادية والعسكرية.

وفي هذا السياق، تبدو عودة المليشيا الحوثية إلى استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة جزءًا من إستراتيجية ضغط تهدف إلى اختبار قدرة القوات الحكومية وحلفائها على مواجهة التصعيد، وفرض معادلات جديدة ترفع كلفة أي تسوية لا تستجيب لشروط المليشيا.

ويشكل استهداف السعودية أحد الأبعاد الرئيسية للتصعيد، بالنظر إلى دور الرياض في دعم الحكومة اليمنية ومساندة مؤسسات الدولة، ومن خلال نقل الهجمات إلى الأراضي السعودية، تسعى المليشيا إلى توسيع نطاق المواجهة وإيصال رسائل ضغط إلى الطرف الإقليمي الأكثر تأثيرًا في الملف اليمني، بالتزامن مع إبقاء الجبهات الداخلية، من مأرب والجوف إلى حضرموت والساحل الغربي، تحت الضغط العسكري.

كما يرتبط التصعيد بالبيئة الإقليمية المتوترة وبالدعم الإيراني المتواصل لمليشيا الحوثي، ولا سيما في المجالات العسكرية والتقنية، وقد أسهم هذا الدعم في تعزيز قدرة المليشيا على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة وتوسيع نطاق عملياتها، بما يتيح لها توظيف الحرب داخل اليمن ضمن حسابات إقليمية تتجاوز حدود البلاد.

ولا يعني ذلك أن كل عملية حوثية تصدر بقرار إيراني مباشر، لكنه يوضح أن العلاقة العسكرية بين الطرفين توفر للمليشيا أدوات وقدرات تجعلها أكثر قدرة على التصعيد.
وتشير طبيعة العمليات وتزامنها في أكثر من جبهة إلى أن التصعيد لا يستهدف تحقيق مكاسب ميدانية مباشرة فحسب، بل يحمل أيضًا دلالات نفسية وعسكرية.

فمن الناحية العسكرية، يهدف إلى استنزاف القوات الحكومية وتشتيت جهودها الدفاعية. ومن الناحية النفسية، يسعى إلى إظهار قدرة المليشيا على المبادرة وفتح جبهات متعددة وتهديد مواقع بعيدة عن خطوط المواجهة التقليدية. وبذلك، فإن تعدد الجبهات قد يمثل محاولة لفرض حالة من الضغط المستمر وإرباك الخصوم، أكثر من كونه تحركًا عسكريًا منفصلًا في كل جبهة.

 

الدور الإيراني

يمثل الدعم الإيراني أحد العوامل الرئيسية في تطور القدرات العسكرية لمليشيا الحوثي الإرهابية، خصوصًا في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة والخبرات المرتبطة بتشغيلها وتطويرها.
وعلى مدى سنوات، أسهم هذا الدعم في نقل المليشيا من قدرات قتالية محدودة إلى امتلاك منظومات تمكنها من تنفيذ هجمات بعيدة المدى داخل اليمن وعبر الحدود، وتهديد الملاحة في البحر الأحمر.

ويكتسب هذا الدور أهمية أكبر في ظل التصعيد الحالي، الذي امتد إلى جبهات ومواقع حيوية في حضرموت ومأرب والجوف والمخا بمحافظة تعز.
وفي أعقاب استهداف ميناء المخا بالصواريخ والطائرات المسيّرة، قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إن الهجوم يمثل «امتدادًا لنهج التصعيد الإيراني»، محذرًا من خطورة استمرار امتلاك الجماعات المسلحة قدرات عسكرية خارج سلطة الدولة، ومؤكدًا أن أي تفاهمات لا تعالج بصورة واضحة ومستدامة خطر المليشيات المدعومة من إيران وقدراتها العسكرية وتمويلها وتهديدها لدول المنطقة لن تؤدي إلى حل الأزمة.

وتزامن ذلك مع تقارير صحفية أفادت بأن إيران أرسلت في يوليو إلى اليمن عناصر من الحرس الثوري ومستشارين عسكريين ومكونات مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وقالت مصادر لرويترز إن رحلة إيرانية نقلت ما بين 10 و21 عنصرًا من الحرس الثوري، بينهم قيادات عسكرية، إلى اليمن، إلى جانب معدات عسكرية. وتنفي طهران تقديم دعم عسكري للحوثيين، وتقول إن الرحلة كانت لأغراض أخرى.

كما أثيرت هذه القضية أمام مجلس الأمن، حيث قالت الولايات المتحدة إن الرحلة الإيرانية نقلت أفرادًا من الحرس الثوري، بينهم خبراء في الصواريخ والطائرات المسيّرة، لدعم الحوثيين، معتبرة أن هذا الدعم أسهم خلال السنوات الماضية في تطوير قدراتهم العسكرية.
ولا يقتصر أثر الدور الإيراني على نقل السلاح والمعدات، بل يرتبط بتعزيز قدرة مليشيا الحوثي على خوض مواجهة تتجاوز حدود الجبهات اليمنية.

فامتلاك قوة مسلحة حليفة تطل على البحر الأحمر، قادرة على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة وتهديد الملاحة ومهاجمة أهداف في المنطقة، يمنح طهران ورقة ضغط إقليمية إضافية، ويجعل استمرار الحرب في اليمن مرتبطًا بدرجة أكبر بحسابات الأمن الإقليمي، وليس فقط بالصراع على السلطة داخل البلاد.

 

تراخي الموقف الدولي وحدود الوساطة الأممية

رغم التحذيرات الدولية المتكررة من عودة التصعيد في اليمن، لم ينجح الموقف الدولي حتى الآن في ممارسة ضغط كافٍ لردع مليشيا الحوثي الإرهابية عن استئناف هجماتها داخل اليمن وتوسيعها إلى المستوى الإقليمي، بما في ذلك تهديد الملاحة في البحر الأحمر واستهداف الأراضي السعودية.

ويكشف استمرار هذه الهجمات عن فجوة بين المواقف الدولية المعلنة وبين قدرتها على فرض كلفة حقيقية على مليشيا تواصل استخدام القوة لفرض إرادتها خارج مؤسسات الدولة.
وتظهر هذه الفجوة في أداء المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، الذي كثف خلال الأسابيع الماضية اتصالاته مع الأطراف اليمنية والإقليمية والدولية، ودعا إلى خفض التصعيد والعودة إلى المسار السياسي.

غير أن استمرار الهجمات رغم هذه التحركات يبرز محدودية أدوات الوساطة الأممية، التي تعتمد بصورة أساسية على الاتصالات والضغط الدبلوماسي، في مواجهة مليشيا أثبتت مرارًا استعدادها لاستخدام القوة متى ما رأت فيها وسيلة لتحقيق أهدافها السياسية والعسكرية.
وفي هذا السياق، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد محمد العليمي، عقب لقائه سفراء الدول الكبرى، على أن التصعيد الحوثي يضع المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة، أمام مسؤولية واضحة في حماية حق اليمنيين في الوصول الآمن إلى موانئهم ومطاراتهم ومنشآتهم الحيوية.

ودعا إلى الانتقال من مجرد احتواء التهديد الحوثي إلى معالجة مصادره وأدواته، ودعم مؤسسات الدولة وقدرتها على حماية أراضيها ومياهها ومصالح مواطنيها، في موقف يعكس مطالبة متزايدة بتغيير طبيعة الاستجابة الدولية من إدارة الاعتداءات إلى ردعها.
ورغم تجديد مجلس الأمن دعمه للمبعوث الأممي والدعوة إلى تسوية سياسية شاملة، فإن استمرار التصعيد والانتهاكات يضع فاعلية هذه المواقف أمام اختبار حقيقي. فالمشكلة لم تعد في غياب الإدانات أو التحركات الدبلوماسية، وإنما في محدودية أثرها على سلوك مليشيا الحوثي، وفي غياب إجراءات تجعل استمرار الاعتداءات أكثر كلفة من التراجع عنها.

 

الموقف اليمني المطلوب شعبيًا ورسميًا

ويفرض التصعيد الراهن على القوى اليمنية، رسميًا وشعبيًا، الانتقال من ردود الفعل المتفرقة إلى موقف وطني أكثر تماسكًا في مواجهة تصعيد مليشيا الحوثي الإرهابية داخل اليمن وعلى المستوى الإقليمي.
ويبدأ ذلك بتوحيد القرار والخطاب السياسي والعسكري، وتنسيق المواقف بين مؤسسات الدولة والقوى المناهضة للانقلاب الحوثي، بما يعزز القدرة على التعامل مع التصعيد باعتباره تهديدًا للأمن الوطني وسيادة الدولة، وليس مجرد مواجهات متفرقة على جبهات متعددة.

وعسكريًا، يتطلب الموقف اليمني رفع مستوى الجاهزية وحماية خطوط التماس والمنشآت الحيوية والاقتصادية والموانئ والمطارات، مع تعزيز قدرات القوات الحكومية في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة.
كما يتطلب استعادة المبادرة وعدم الاكتفاء باحتواء الهجمات، بحيث يصبح الردع جزءًا من إستراتيجية الدولة في التعامل مع مليشيا أثبتت أن استمرار الضغط العسكري عليها هو السبيل الأهم لمنعها من توسيع عملياتها وفرض وقائع جديدة.

وعلى المستوى السياسي، تحتاج الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي إلى استثمار التطورات الأخيرة لإعادة طرح القضية اليمنية باعتبارها قضية دولة وسيادة، وإنهاء الانقلاب واحتكار الدولة لقرار الحرب والسلام، مع مواصلة التحرك الدبلوماسي لحشد الدعم الإقليمي والدولي لهذا الموقف.
أما شعبيًا، فتتطلب مواجهة التصعيد الحفاظ على التماسك الوطني ورفض تحويل الحرب إلى صراع مجتمعي أو مناطقي، مع دعم مؤسسات الدولة والقوات الحكومية في مواجهة الاعتداءات، ورفع الوعي بكلفة استمرار الانقلاب الحوثي على الاقتصاد والخدمات وحياة المدنيين.
ويظل الهدف هو استعادة الدولة وإنهاء أسباب الصراع، مع إبقاء جميع الخيارات المتاحة للدولة مفتوحة، بما فيها المسار السياسي وخيار الردع والحسم إذا واصلت مليشيا الحوثي رفض الحلول السلمية واستخدام القوة لفرض إرادتها.

 

الحوثي.. مسار متوصل من الحرب

وتُظهر مسيرة مليشيا الحوثي الإرهابية منذ ظهورها المسلح في محافظة صعدة عام 2004 اعتمادًا متكررًا على القوة العسكرية كأداة لتحقيق أهدافها السياسية وتوسيع نفوذها.
فقد خاضت ست جولات من القتال مع الحكومة اليمنية بين عامي 2004 و2010، قبل أن تنتقل من تمرد محلي في صعدة إلى مشروع مسلح تمكن من الانقلاب على مؤسسات الدولة والسيطرة على صنعاء وعدد من المحافظات عام 2014.

ولم يتوقف المسار العسكري عند حدود الصراع الداخلي، فبعد السيطرة على صنعاء، تحولت المليشيا إلى طرف رئيسي في حرب واسعة منذ 2015، واستخدمت الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد القوات الحكومية وحلفائها، قبل أن تطور قدراتها لتهديد الأراضي السعودية والملاحة في البحر الأحمر، وبذلك انتقلت من جماعة مسلحة ذات نطاق محلي إلى قوة عسكرية قادرة على نقل التهديد إلى خارج الحدود.

ويكشف هذا المسار أن القوة العسكرية أصبحت بالنسبة لمليشيا الحوثي أداة أساسية لفرض نفوذها وإعادة تشكيل موازين القوة وفرض شروطها السياسية.
وحتى خلال فترات الهدنة، احتفظت المليشيا بقدراتها العسكرية وطورتها، لتستخدمها مجددًا عند تغير الظروف، كما يظهر في التصعيد الحالي الذي شمل مأرب والجوف وحضرموت والساحل الغربي، إلى جانب استهداف السعودية.

وخلال أكثر من عقدين، راكمت المليشيا خبرة قتالية وقدرات صاروخية ومسيّرة، وأصبح استخدام القوة جزءًا ثابتًا من أدواتها السياسية والأمنية.
ولذلك فإن تعدد الجبهات في التصعيد الراهن لا يبدو مجرد تحرك عسكري محدود، بل يعكس استعدادًا للعودة إلى توسيع دائرة المواجهة واستخدام الضغط العسكري والنفسي لفرض وقائع جديدة على الأرض.

ومن حروب صعدة الست إلى الانقلاب على مؤسسات الدولة، ثم الهجمات العابرة للحدود وتهديد الملاحة، يمتد مسار طويل جعل الحرب إحدى الأدوات الرئيسية في سلوك المليشيا الحوثية.
ويعني ذلك أن التعامل مع التصعيد الحالي باعتباره حادثًا منفصلًا قد يغفل طبيعة هذا المسار، وأن أي مقاربة مستقبلية تحتاج إلى التعامل مع واقع أن مليشيا الحوثي لم تتخلَّ عن خيار القوة، حتى خلال فترات التهدئة والمساعي السياسية.

 

الموقف الدولي المطلوب

يتطلب التصعيد الحالي من مليشيات الحوثي الإرهابية موقفًا دوليًا أكثر وضوحًا وحزمًا، يتجاوز بيانات القلق والإدانة إلى إجراءات سياسية ودبلوماسية رادعة تضع حدًا لتوسيع دائرة الحرب.
فاستمرار التعامل مع الهجمات باعتبارها جولات متفرقة من التصعيد يتيح للمليشيا إعادة إنتاجها، بينما باتت تداعياتها تتجاوز الجبهات اليمنية لتطال أمن السعودية والملاحة والتجارة الإقليمية والدولية.

ويتعين على مجلس الأمن والدول المؤثرة الانتقال من الإدانة إلى تحميل مليشيا الحوثي كلفة استهداف المدنيين والمنشآت الحيوية والملاحة الدولية، بالتوازي مع تشديد الإجراءات التي تحول دون استمرار تدفق السلاح والخبرات العسكرية إليها.
كما يحتاج المسار الأممي إلى دعم سياسي وأدوات أكثر فاعلية للمبعوث الخاص، بما يمكنه من الضغط نحو مسار سياسي جاد، بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات بعد اندلاعها.

وفي المقابل، ينبغي على المجتمع الدولي تعزيز دعمه للحكومة اليمنية ومؤسسات الدولة، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا وعسكريًا، ودعم القوات المسلحة اليمنية لحماية أراضي البلاد ومنافذها ومنشآتها الحيوية واستعادة سلطة الدولة.
فإبقاء مؤسسات الدولة في موقع الضعف، مقابل استمرار مليشيا مسلحة خارج إطارها في امتلاك الصواريخ والطائرات المسيّرة، يكرس اختلال ميزان القوة ويقوض فرص أي تسوية مستقرة.

ولا ينبغي أن يقتصر الموقف الدولي على الدفع نحو التسوية السياسية بمعزل عن موازين القوة، فالتسوية تظل خيارًا مطلوبًا لإنهاء الحرب، لكنها لن تكون قابلة للحياة إذا استمرت مليشيا الحوثي في استخدام القوة لفرض شروطها.
ولذلك، فإن دعم قدرة الدولة على الردع، وصولًا إلى استعادة المبادرة والحسم العسكري إذا أغلقت المليشيا أبواب الحل السياسي، ينبغي أن يكون جزءًا من الخيارات المطروحة لضمان سلام لا يُفرض بقوة السلاح.

 

مؤشرات تحول في مقاربة الشرعية

وفي ظل اتساع نطاق التصعيد الحوثي، برزت خلال الأيام الأخيرة لهجة أكثر حدة في خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد محمد العليمي، بما يعكس مؤشرات على تحول في مقاربة الشرعية تجاه مليشيا الحوثي الإرهابية.
ففي أعقاب لقائه سفراء الدول الكبرى، أمس الاثنين، أكد العليمي أن «المعادلة تغيرت» وأن مرحلة الاعتداء الحوثي «بلا كلفة انتهت»، معتبرًا أن التصعيد الأخير يمثل اختبارًا لجدية المجتمع الدولي في حماية فرص السلام التي استثمرت فيها الحكومة اليمنية والدول الشقيقة والصديقة لسنوات.

وتأتي هذه التصريحات امتدادًا لموقف أكثر حزمًا أبدته القيادة اليمنية خلال الفترة الأخيرة، إذ أكد العليمي أن الحكومة ماضية في «الردع الحازم» للتصعيد الحوثي، وأن المليشيا لا يمكن أن تحتكر قرار الحرب والسلام.
وتكتسب هذه اللهجة أهمية خاصة مع اتساع الهجمات لتشمل المخا ومأرب وحضرموت وجبهات أخرى، وما رافقها من رفع مستوى الجاهزية والتحركات العسكرية للقوات الحكومية، بما يوحي بأن الشرعية تتجه إلى إعادة صياغة معادلة التعامل مع الحوثيين على أساس الجمع بين المسار السياسي والقدرة على الردع.

وفي المقابل، تعكس مواقف شخصيات سياسية يمنية أخرى أن النقاش لا يدور حول الاختيار بين السلام والقوة بصورة مطلقة، وإنما حول الشروط التي يمكن أن تجعل السلام قابلًا للحياة.
وفي هذا السياق، يؤكد السفير اليمني لدى المملكة المتحدة ياسين سعيد نعمان أن السلام ضرورة لليمنيين، محذرًا في الوقت ذاته من سلام يكرس شروط الأمر الواقع، ومشددًا على أهمية توحيد روافد القوة بما يجعل السلام نتيجة لتوازن سياسي وعسكري، لا تعبيرًا عن الاستسلام.
ويضع هذا التحول في الخطاب الرسمي والسياسي الشرعية اليمنية أمام مسؤولية استعادة المبادرة وتوحيد القرار السياسي والعسكري، فيما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية دعم الدولة اليمنية في مواجهة مليشيا مسلحة تواصل استخدام القوة لفرض إرادتها.

وبينما يظل الحل السياسي الخيار الأقل كلفة لإنهاء الحرب، فإن استمراره يحتاج إلى قوة ردع تمنع فرض الأمر الواقع، وإذا أغلقت المليشيا أبواب التسوية واستمرت في التصعيد، فإن استعادة المبادرة والحسم العسكري يصبحان خيارًا مطروحًا لحماية الدولة وإنهاء الانقلاب، وصولًا إلى سلام يستند إلى مؤسسات الدولة وقرارها الوطني، لا إلى موازين القوة التي فرضها الانقلاب والسلاح.

كلمات دالّة

#اليمن