فيس بوك
جوجل بلاس
رئيس الإصلاح يهنئ رئيس حزب الرشاد بالذكرى الـ14 للتأسيس ويشيد بالأدوار الوطنية للحزب
الإصلاح يدين محاولة اغتيال الشيخ الصلاحي ويدعو إلى تحرك فوري لضبط الجناة وتحقيق الأمن
بحضور رسمي وشعبي كبير.. حضرموت تودع الشيخ علي بن سالم بكير باغيثان في تشييع مهيب
أمين عام الإصلاح يعزي في وفاة الشيخ باغيثان ويؤكد أن اليمن فقدت قامة علمية ووطنية
إصلاح محافظة حضرموت ينعى الشيخ علي بن سالم بكير ويشيد بأدواره العلمية والدعوية والوطنية
التكتل الوطني يعلن دعمه لإجراءات وقرارات مجلس القيادة والحكومة دفاعًا عن السيادة الوطنية

في طرقٍ وعرةٍ تمتد بين السواحل والحدود اليمنية، يتدفق آلاف المهاجرين من القرن الأفريقي إلى اليمن سنوياً، غير أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد قضية هجرة غير نظامية أو أزمة إنسانية عابرة، بل تحولت إلى ملف أمني بالغ التعقيد، بعدما نجحت مليشيا الحوثي في تحويل هؤلاء الوافدين إلى أدوات ضمن مشروعها العسكري والأيديولوجي العابر للحدود.
ومع دخول أكثر من 40 ألف مهاجر غير شرعي إلى اليمن منذ بداية عام 2026، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه الكتلة البشرية إلى مخزون بشري تستغله المليشيا الحوثية في التجنيد والتعبئة الطائفية، عبر شبكة منظمة تبدأ بالاستقطاب والاحتجاز، وتنتهي بالتدريب العسكري وإعادة التصدير الفكري إلى القرن الأفريقي، فلم يعد الأمر مقتصراً على استغلال أفراد يبحثون عن فرص عمل أو العبور إلى دول الخليج بشكل محدود، بل بات مرتبطا بإعادة تشكيل وعيهم وهوياتهم وتوظيفهم لخدمة مشروع إقليمي يتجاوز حدود اليمن.
وفي ظل اتهامات حقوقية واستخباراتية متزايدة، تتصاعد التحذيرات من أن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى إنتاج تهديدات أمنية جديدة، لا تقتصر على الداخل اليمني، بل تمتد إلى البحر الأحمر ودول القرن الأفريقي وممرات التجارة الدولية، لتتحول قضية الهجرة من ملف إنساني إلى أحد أخطر أدوات الصراع الإقليمي.
تجارة البشر في قبضة الحوثيين
وتكشف تقارير حقوقية وتصريحات لناشطين أن تجمعات المهاجرين الأفارقة، لا سيما في منطقة الرقو بصعدة الحدودية، تحولت إلى نموذجٍ صارخٍ لاستغلال المعاناة الإنسانية، وتؤكد الإفادات أن المهاجرين الذين يصلون إلى السواحل اليمنية أسبوعياً، يقطعون مسافاتٍ شاقةً سيراً على الأقدام، ليجدوا أنفسهم تحت رحمة عناصر تابعة للحوثيين، الذين يُسلمونهم لعصاباتٍ من جنسياتٍ أفريقيةٍ تدير مواقع تجميعهم بقواعد صارمةٍ تفرضها المليشيا، حيث لا تقتصر الأنشطة على تهريب البشر، بل تمتد لتشمل تجارة السلاح والمخدرات.
وتُعد هذه الشبكات المهاجرين بعبورهم إلى دول الخليج مقابل مبالغ ماليةٍ ضخمة، في عملية ابتزازٍ منظم تستنزف أسر الضحايا الفقيرة في بلدانهم الأصلية، وتؤكد المعلومات وجود صلةٍ وثيقةٍ بين عصابات التهريب وأجهزة أمنيةٍ حوثيةٍ تُسهل هذه الأنشطة غير المشروعة، مستغلةً غياب أي مظلة حماية قانونية أو إنسانية لهؤلاء الضحايا، الذين تقطعت بهم السبل في مناطق تسيطر عليها المليشيا بالكامل، محولةً حياتهم إلى مورد مالي مستمر ومستقر.
معسكرات التجنيد القسري
وقد اتهمت منصة «تعقب الجرائم المنظمة وغسل الأموال في اليمن (P.T.O.C)» في تقرير لها بعنوان «استغلال الحوثيين للمهاجرين الأفارقة كأدوات في صراعاتهم العسكرية»، الحوثيين بتحويل المهاجرين إلى وقودٍ لحربهم. وبناءً على وثائق استخباراتية، أفادت المنصة بأن الحوثيين خصصوا مواقع مثل جامع الشهداء في صنعاء ومراكز احتجازٍ أخرى لاستقطاب اللاجئين من الصومال وإثيوبيا وإريتريا وجيبوتي.
ولا يكتفي الحوثيون بالتدريب العسكري فحسب، بل يُخضعونهم لدوراتٍ طائفيةٍ مكثفةٍ وتدريباتٍ عسكريةٍ قبل زجهم في جبهات القتال، أو إرسالهم إلى القرن الأفريقي لنشر الفكر الحوثي، مقابل رواتب شهرية.
كما كشف التقرير عن إنشاء أربعة مراكز تدريب عسكرية خاصة للأفارقة في كل من: باجل بالحديدة (بإشراف يوسف المداني)، والجوف بإشراف (بدر بازرعة)، وصعدة بإشراف (مطلق المرّاني)، وحجة بإشراف (عبد الله الطاووس).
ويسعى الحوثيون من خلال هذه الخطوات -وفق المصادر- لتعويض خسائرهم البشرية، وتعزيز هيمنتهم على الممرات المائية الحيوية، مهددين أمن التجارة الدولية، في انتهاكٍ صارخٍ للقوانين الدولية، التي تجرم تجنيد اللاجئين واستغلالهم في الصراعات المسلحة، محولين إياهم من باحثين عن فرص عمل إلى أدواتٍ قتاليةٍ في مشروعهم التوسعي.
مذبحة في جامع الشهداء
وشكلت حادثة الحريق المأساوي في مارس 2021 بمركز احتجازٍ تابعٍ لمصلحة الهجرة والجوازات بصنعاء، نقطة تحولٍ في فضح انتهاكات الحوثيين، فبعد احتجاجاتٍ واسعةٍ للمهاجرين على المعاملة المهينة وظروف الاحتجاز غير الإنسانية، أطلقت مليشيا الحوثيين قذائف على المركز، مما تسبب بوفاة وإصابة أكثر من 200 مهاجر حرقاً، وقد تكتمت المليشيا على الجريمة ودفنت الضحايا في مقابر جماعية مستحدثة.
وأكد وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني أن الحادثة جاءت نتيجة رفض المهاجرين تخيير الحوثيين لهم بين الانخراط في دوراتٍ ثقافيةٍ وعسكريةٍ وجبهات القتال، أو السجن والترحيل، وتطور الأمر لاحقاً داخل جامع الشهداء، حيث نفذت المليشيا مذبحة بحق مجاميع أفريقية تمردت على أوامرهم، مما أسفر عن مقتل مشرف المجموعة من الجنسية الإريترية.
وتثبت هذه الوقائع المنهجية الحوثية في التعامل الوحشي مع المهاجرين، والذين يعانون من الترهيب المستمر، وهو ما أكدته منظمة الهجرة الدولية التي واجهت تحدياتٍ في الوصول للمصابين بالمستشفيات بسبب الوجود الأمني الكثيف الذي يهدف إلى طمس معالم الجريمة والتعتيم على أعداد الضحايا الحقيقية.
التداعيات الأمنية على الأمن القومي
وقد حذر مركز البحر الأحمر للدراسات السياسية والأمنية من أن الهجرة غير الشرعية تحولت من قضية إنسانية إلى تحدٍ أمنيٍ متنامٍ يهدد الأمن القومي لليمن ودول المنطقة، وتشير التقديرات إلى دخول أكثر من مليوني مهاجر أفريقي بطرقٍ غير قانونية خلال سنوات الحرب، مما ينذر بمخاطر أمنية واجتماعية جسيمة.
وأكد رئيس المركز محمد الولص أن تحقيقاتهم كشفت عن مقتل أكثر من 2900 مهاجر أفريقي بعد تجنيدهم للقتال مع الحوثيين.
وأوضح وكيل وزارة الداخلية اليمنية، اللواء محمد بن سالم الشريف، أن استمرار تدفق المهاجرين غير المنظم يُعد تهديداً مباشراً، مشيراً إلى تورط عناصر حوثية، وحتى تنظيمات كالقاعدة وداعش، في استغلال المهاجرين لأغراضٍ قتاليةٍ وإجراميةٍ.
وقد وضعت وزارة الداخلية رؤية أمنية تتضمن إنشاء مراكز إيواء في مأرب وأبين وحضرموت، وإعداد قاعدة بيانات وإصدار بطاقات تعريف للمهاجرين، بهدف تنظيم أوضاعهم وتسهيل عودتهم الطوعية.
وتأتي هذه التحركات كضرورةٍ ملحةٍ لتأمين البلاد من استغلال المهاجرين في أنشطةٍ غير قانونيةٍ تُقوض الاستقرار وتزيد من تعقيد المشهد الأمني الهش.
الدور الإيراني في استغلال المهاجرين
وبعيداً عن الأزمات المحلية يبرز البعد الإستراتيجي الإقليمي كأخطر محرك لملف المهاجرين الأفارقة في اليمن، حيث تشير تقارير استخباراتية وتحليلات سياسية إلى أن طهران، ومنذ انقلاب مليشياتها في صنعاء، تسعى للهيمنة على منطقة القرن الأفريقي، فهي لا تهدف من تحويل المهاجرين إلى أدوات في الصراعات لتعويض النقص البشري في جبهات القتال فحسب، بل إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ تشير دراسات وتحليلات أمنية دولية إلى أن إيران تنظر إلى اليمن والقرن الأفريقي باعتبارهما امتداداً إستراتيجياً لنفوذها الإقليمي، وتسعى عبر دعم الحوثيين إلى تعزيز قدرتها على التأثير في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية، وذلك من خلال بناء شبكات نفوذ عسكرية وأيديولوجية غير مباشرة، وربط الساحة اليمنية بمحيطها الأفريقي ضمن رؤية جيوسياسية أوسع.
وبحسب التحليلات والمعلومات المتوفرة فإنه يتم إخضاع اللاجئين لدورات أيديولوجية مكثفة لنشر الفكر الطائفي للحوثيين، مما يحولهم إلى أداة لزعزعة الاستقرار في دول القرن الأفريقي المجاورة. هذه الإستراتيجية تسعى لتوطيد نفوذ إيراني دائم يمتد من طهران عبر صنعاء إلى العمق الأفريقي، مما يحول اليمن إلى منصة انطلاق لتهديد الأمن الإقليمي، كما أن هذا الاستغلال الجيوسياسي للمهاجرين يُفرغ قضيتهم من طابعها الإنساني، ويحولهم إلى ورقة ضغطٍ في صراعٍ إقليميٍ أوسع، مما يفاقم من تعقيدات الأزمة ويجعل من المهاجرين ضحايا لمطامع خارجية تتجاوز حدود الجغرافيا اليمنية، وتجعل من تأمين الممرات المائية والملاحة الدولية تحدياً أمنياً، يتطلب تنسيقاً إقليمياً ودولياً يتجاوز مجرد التعامل مع مخيمات الإيواء.
مطالبات بوقف التجنيد
وفي ظل توثيق هذه الجرائم، تتصاعد المطالبات بفرض عقوباتٍ دوليةٍ على القيادات الحوثية المتورطة في تجنيد واستغلال المهاجرين، وأهمية حشد المجتمع الدولي لوقف ممارسات الحوثيين، وإعداد قائمة سوداء بكافة القادة والمسؤولين المتورطين في الانتهاكات لمحاسبتهم وفق القانون، وضرورة إنشاء ممراتٍ إنسانيةٍ آمنة، إضافة إلى زيادة الدعم لتوفير الحماية والرعاية الصحية للمهاجرين.
وقد طالب وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني في وقت سابق، بضغط دوليٍ لوقف عمليات التجنيد القسري وإطلاق سراح المحتجزين، مع التأكيد على احترام التزامات اليمن في هذا الجانب.
ووفقا لمراقبين فإن هذه الدعوات تهدف في جوهرها إلى حماية المهاجرين من الموت المحقق، وتوفير خيارات تنقل آمنة ومنظمة، بالإضافة إلى ضرورة دعم الحكومة اليمنية وقوات خفر السواحل لتمكينها من مكافحة شبكات التهريب التي تستغل الضعفاء، وتحويل مسار القضية من تجارةٍ بشريةٍ مميتةٍ إلى ملفٍ إنسانيٍ يحظى بالرعاية والاهتمام الدولي.
سياسة ممنهجة
استمرار تدفق المهاجرين الأفارقة بمعدل 100 ألف مهاجر سنوياً يضع المنطقة أمام تحدٍ أمني وإستراتيجي متصاعد، بعدما حولت مليشيا الحوثي هذه الأعداد إلى مخزون بشري قابل للاستغلال العسكري والفكري، فلم يعد الأمر مرتبطاً بعمليات تهريب أو احتجاز مؤقت، بل بات جزءاً من سياسة ممنهجة تهدف إلى صناعة أدوات بشرية تخدم مشروع الحوثيين على المدى الطويل.
وتشير التقارير إلى أن المليشيا تستفيد من هشاشة أوضاع المهاجرين وعزلتهم الاجتماعية لإخضاعهم لبرامج تعبئة أيديولوجية وطائفية داخل مراكز الاحتجاز والمعسكرات المغلقة، في ظل غياب الرقابة الدولية وصعوبة وصول المنظمات الإنسانية إلى تلك المواقع، نتيجة القيود الأمنية المشددة التي تفرضها المليشيا.
كما أن منع المنظمات من الوصول إلى ضحايا "محرقة صنعاء" والمقابر الجماعية المستحدثة، والتعتيم المستمر على الانتهاكات، يعكس وجود منظومة متكاملة لإدارة هذا الملف بعيداً عن أي رقابة مستقلة، وتؤكد هذه الممارسات أن المليشيا لا تتعامل مع المهاجرين بوصفهم حالة إنسانية طارئة، بل باعتبارهم مورداً بشرياً قابلاً للتوظيف في مشاريعها العسكرية والأمنية.
ويكتسب هذا الأمر خطورة إضافية عندما يرتبط بإعادة تصدير العناصر التي خضعت للتعبئة الفكرية إلى القرن الأفريقي، الأمر الذي ينذر بامتداد النفوذ الحوثي إلى خارج الحدود اليمنية، وتحول الهجرة غير الشرعية إلى قناة لنقل الأفكار المتطرفة وتهديد الأمن الإقليمي.
قنابل موقوتة
تحول هؤلاء البشر إلى "وقودٍ للحرب" أو "سلعةٍ للتهريب" يكشف عن انحطاطٍ أخلاقيٍ تتعامل به المليشيا الحوثية مع قضيةٍ إنسانيةٍ عالمية، فالأرقام التي تشير إلى وفاة أكثر من 2900 مهاجر جُندوا قسراً، والمئات الذين قضوا حرقاً في معتقلات صنعاء، ليست مجرد إحصائياتٍ عابرة، بل هي شهاداتٌ حيةٌ على جرائم حربٍ مكتملة الأركان تتطلب تحركاً دولياً فورياً يتجاوز عبارات الإدانة الخجولة.
ولعل أخطر ما يواجه المجتمع اليمني والإقليمي هو "التعبئة الأيديولوجية" الممنهجة للمهاجرين الأفارقة، حيث تحولهم المليشيا الحوثية إلى قنابل موقوتة عبر إخضاعهم لدورات طائفية متطرفة داخل معتقلاتهم، مما يغسل هوياتهم الثقافية ويزرع فيهم فكراً عنصرياً ومذهباً دخيلاً، فهذا التحويل لا يستهدف اليمن فحسب، بل يمتد أثره الإقليمي عند إرسال هؤلاء كخلايا نائمة أو مقاتلين إلى القرن الأفريقي، مما يهدد بنسف النسيج الاجتماعي لدول الجوار ونشر الفوضى العابرة للحدود، فتحويل "الباحث عن لقمة العيش" إلى "مفخخ أيديولوجي" سيقوض السلم الأهلي، ويخلق تحديات أمنية مركبة تحول المهاجرين من ضحايا للظروف إلى أدوات لنشر الصراع والدمار في المنطقة بأسرها.