فيس بوك
جوجل بلاس
التكتل الوطني يرحب باتفاق عمّان ويؤكد أن موقفه مرتبط بالكشف الفوري عن مصير قحطان وإطلاق سراحه
رئيس الوفد الحكومي المفاوض: تنفيذ البند المتعلق بقضية قحطان قبل تبادل الأسرى والمختطفين
عبدالله العليمي: الاتفاق الإنساني بشأن الإفراج عن المعتقلين يعيد الأمل لآلاف الأسر
سياسية الإصلاح بتعز تعقد اللقاء الدوري للمشاركين في برنامج تعزيز المهارات السياسية
الإصلاح يدين بشدة الاعتداءات الإيرانية على دول خليجية ويعتبرها تصعيداً خطيراً يستهدف استقرار المنطقة
#أين_قحطان_يا_حوثي؟.. سؤال وطن وجرح أسرة وشعب ينزف منذ 11 عاماً
بعد 11 عاماً من الإخفاء القسري في سجون الحوثيين.. لماذا فشلت الجهود الأممية في الكشف عن مصير قحطان؟
حشد كبير يشيع جثمان الشهيد «الشاعر» في عدن ويطالب بإنفاذ العدالة في الجناة
حشد كبير يشيع جثمان الشهيد «الشاعر» في عدن ويطالب بإنفاذ العدالة في الجناة

لم يكن صباح السبت، 25 أبريل الجاري، مختلفًا في ظاهره عن بقية الصباحات التي اعتادها القيادي بالتجمع اليمني للإصلاح في عدن، الدكتور عبد الرحمن الشاعر، وهو يغادر منزله متجهًا إلى مدرسته، حاملاً في ذهنه جدول يومٍ حافل بالطلاب، ومفعمًا بحماس بطولة للروبوت والذكاء الاصطناعي كان يراها نافذةً صغيرة نحو المستقبل في مدينة أنهكتها الحرب منذ أكثر من عشر سنوات.
في الطريق إلى مدارس "النورس" التي يرأس مجلس إدارتها، حيث اعتاد أن يُستقبل بوجوه طلابه وفضولهم، توقفت الرحلة فجأة، ليس بسبب ازدحامٍ طارئ، بل بوابل من الرصاص أنهى حياة رجل لم يكن يحمل سوى مشروعٍ تربوي، وإيمان عميق بأن التعليم هو الطريق الوحيد لعبور هذا الظلام الطويل.
لقد اغتيل الدكتور الشاعر قبل أن يصل إلى طلابه، وقبل أن تبدأ المنافسة التي طالما حلم أن يرى فيها عقولًا يمنية شابة تنافس العالم، تاركًا خلفه فصولًا دراسيةً فقدت صوتها، وطلابًا فقدوا معلمًا بل أبًا ومُلهمًا وذلك في حادثة اغتيال لاقت إدانات واسعة.
اغتيال الشاعر جاء ضمن سلسلة طويلة من الإرهاب الممنهج الذي يلاحق كوادر حزب التجمع اليمني للإصلاح، ويستهدف العقول قبل الأجساد، والمشاريع قبل أصحابها، فكل رصاصة لا تقتل فردًا فحسب، بل تصيب فكرة، وتؤجل حلمًا، وتُرهب مجتمعًا بأكمله.
إرهاب مُنظّم ضد الاصلاح
لم تكن دماء الدكتور الشاعر سوى فصل مؤلم في كتاب لم يُغلق بعد. فقبل أسابيع قليلة، وتحديدًا في منتصف مارس الماضي، تعرّض القيادي في التجمع اليمني للإصلاح، الأستاذ عادل الروحاني، لمحاولة اغتيال أثناء عودته من العمرة إلى محافظة مأرب، حيث تحولت رحلته إلى مشهد دام، قُتل فيه ثلاثة من مرافقيه، بينما نجا هو بجراح، إلى جانب اثنين آخرين.
تكشف هذه الجرائم، بتتابعها وتنوعها الجغرافي، أن الاستهداف لم يعد محصورًا في مساحة دون أخرى، بل بات يطال كوادر حزب التجمع اليمني للإصلاح في شمال البلاد وجنوبها على حد سواء. فمن مناطق نفوذ الحوثيين إلى المدن المحررة، يتكرر المشهد ذاته، بما يعكس أن الحزب أصبح هدفًا لقوى متعددة، بسبب موقفه الواضح إلى جانب الدولة والشرعية.
بهذا المعنى، لا تبدو الجغرافيا عامل حماية، ولا تبدو الصدفة تفسيرًا كافيًا، فما يحدث اليوم يكشف عن كلفة مستمرة يدفعها الإصلاح؛ نتيجة موقعه السياسي وخياراته، حيث تتحول المواقف إلى أهداف، ويصبح الانتماء بحد ذاته سببًا كافيًا لأن يكون الإنسان على قائمة الاستهداف.
فوضى المليشيات
مثّل الدكتور عبد الرحمن الشاعر نموذجًا للفاعل التربوي الذي يتجاوز حدود الوظيفة الإدارية إلى مساحة التأثير المجتمعي الواسع، حيث ارتبط اسمه بتطوير العملية التعليمية في عدن من خلال إشرافه على مؤسسات تعليمية أهلية أسهمت في بناء جيل من الطلاب في مجالات علمية حديثة، من بينها التعليم التطبيقي والأنشطة المرتبطة بالتقنيات الحديثة.
وقد عُرف الفقيد بانخراطه المباشر في دعم البيئة التعليمية، وحرصه على دمج المبادرات الإبداعية داخل المدرسة، بما يعكس رؤية تعتبر التعليم أداة مركزية في إعادة بناء المجتمع وتعزيز قدراته المعرفية في ظل ظروف استثنائية تمر بها البلاد.
في المقابل، تبرز الجريمة التي أودت بحياته بوصفها مؤشرًا بالغ الخطورة على تدهور البيئة الأمنية واستهداف الفضاء المدني في عدن، حيث لا يقتصر أثرها على خسارة فردية، بل يمتد ليطال البنية الاجتماعية والمؤسسات التعليمية التي تشكل أحد أهم أعمدة الاستقرار.
ويؤكد مراقبون أن استهداف شخصيات تعمل في المجال التربوي والمدني يعكس نمطًا من العنف الذي يتقاطع مع محاولات أوسع لإضعاف الحياة العامة وإرباك مسار التعافي، بما يفتح المجال أمام قوى الفوضى والمليشيات لتوسيع نفوذها على حساب مؤسسات الدولة ومنطق العمل السياسي والمدني المنظم.
جريمة جبانة
ووصف الناطق الرسمي باسم التجمع اليمني للإصلاح، عدنان العديني، اغتيال القيادي التربوي عبد الرحمن الشاعر في عدن بأنه جريمة جبانة لن تنال من إرادة الأحرار، مؤكداً أن مثل هذه الجرائم لا يمكن أن تُخيف مجتمعاً قدّم تضحيات كبيرة في سبيل الدولة والكرامة والحرية.
وأشار إلى أن عدن واليمن أوسع من مشاريع العنف وأبقى من جماعات الغدر، محذراً من أن استمرار حوادث الاغتيال يضع الجهات الرسمية والأمنية أمام مسؤولية مباشرة تتطلب تحركاً عاجلاً لكشف الجناة وملاحقة الشبكات المتورطة، بما يضمن استعادة الأمن وحق المواطنين في الحياة الآمنة.
إدانات سياسية واسعة
وأثارت جريمة الاغتيال التي نفذها مسلحون مجهولون بحق القيادي البارز في حزب التجمع اليمني للإصلاح بعدن، والشخصية التربوية المعروفة، ورئيس مجلس إدارة مدارس "النورس" الأهلية، حملة إدانات رسمية وحقوقية واسعة، وسط دعوات لإجراء تحقيق عاجل وشفاف لكشف ملابسات هذه الجريمة المشهودة.
وعكست موجة الإدانات الصادرة عقب الجريمة حالة قلق متصاعدة من عودة الاغتيالات إلى واجهة المشهد في عدن، حيث برزت تحذيرات من أن ما جرى لا يمكن فصله عن محاولات مستمرة لإرباك الأوضاع وتقويض أي حالة استقرار قائمة، هذا القلق يتغذى من خشية أن يتحول استهداف الشخصيات المدنية إلى مدخل لدوامة أوسع من العنف، بما يهدد السلم المجتمعي ويضعف ثقة الناس بإمكانية استعادة الأمن.
ويتكرر الربط بين تصاعد هذه الجرائم وتعثر مسار العدالة في قضايا الاغتيالات السابقة، حيث إن بقاء كثير من الملفات دون حسم خلق شعورًا بأن الجناة بمنأى عن المساءلة، وهو ما لا يشجع فقط على تكرار الجرائم، بل يوسع دائرة الاستهداف لتشمل مجالات الحياة المدنية، بما فيها التعليم والكوادر التعليمية.
كما تُظهر هذه المواقف أن الجريمة تتجاوز كونها حادثة فردية، لتلامس بنية الاستقرار الهشة في المدينة، حيث يُنظر إليها كجزء من مسار يهدد النسيج الاجتماعي ويعيد فتح الباب أمام مرحلة الانفلات الأمني. وفي ظل ذلك، يتصاعد التأكيد على أن غياب المحاسبة واستمرار الإفلات من العقاب قد يدفع نحو مزيد من الانفلات، مما يستدعي تحركًا جادًا لكشف الحقيقة ومنع تكرار مثل هذه الحوادث.
استهداف التعليم
في عدن، لم يُقرأ خبر اغتيال الدكتور عبد الرحمن الشاعر بوصفه حادثًا فرديًا فحسب، بل كخسارة تمس ذاكرة المدينة ووجهها التعليمي، حيث نعى المكتب التنفيذي للتجمع اليمني للإصلاح في العاصمة المؤقتة الرجل الذي عرفه طلابه قبل السياسيين، وهو يتجه صباحًا إلى مدرسته للمشاركة في فعالية علمية، قبل أن تقاطعه رصاصات الغدر في الطريق.
وفي بيان بدا أقرب إلى شهادة حزن، استحضر الإصلاح صورة الشاعر بوصفه "مربّيًا كرّس حياته لبناء الأجيال"، معتبرًا أن استهدافه لا يمكن فصله عن استهداف التعليم ذاته، ومحاولة ضرب ما تبقى من استقرار هش في مدينة أنهكتها الحرب.
وحمل البيان قلقًا واضحًا من أن تكون الجريمة بداية موجة جديدة من الاغتيالات، تعيد إلى الأذهان سنوات ثقيلة دفعت فيها عدن ثمن الفوضى، حين لم يكن المستهدفون يُسألون عن انتماءاتهم بقدر ما كانوا يُقتلون لأنهم حاضرون في الشأن العام.
وطالب إصلاح عدن بالإسراع في كشف الحقيقة، ليس فقط لإنصاف الضحية، بل لوقف حلقة الإفلات من العقاب التي شجّعت على تكرار مثل هذه الجرائم، موجّهًا نداءً إلى القوى السياسية والمجتمعية للوقوف أمام هذا المسار، الذي يهدد ما تبقى من السلم الأهلي، داعيًا إلى التمسّك بخيار السلم ونبذ العنف، مؤكدًا أن الدم الذي سقط في طريق العلم، لن يدفع إلا نحو مزيد من الإصرار على التعليم والحياة، لا نحو الانجرار للعنف والفوضى.
إرباك المشهد وعودة الفوضى
على المستوى الرسمي، جاءت الإدانة الحكومية بصوت يحذر من اتساع دائرة الخطر، حيث وصف وزير الإعلام معمر الإرياني الجريمة بأنها تتجاوز استهداف شخص بعينه، لتلامس فكرة الدولة نفسها، حين يُغتال مواطن في وضح النهار دون أن يُحاسب الفاعل.
الإرياني أشار إلى أن ما يحدث لا يمكن قراءته كحادث منفصل، بل كجزء من محاولات لإرباك المشهد وإعادة إدخال الفوضى كأمر واقع، وهو ما ينعكس مباشرة على شعور الناس بالأمان وثقتهم بمؤسسات الدولة، مبديا قلقه من أن فتح باب استهداف الشخصيات العامة، أياً كانت توجهاتها، قد يقود إلى اتساع دائرة العنف لتشمل مكونات مختلفة، وهو ما يتطلب، موقفًا وطنيًا يتجاوز الحسابات الضيقة، وفق تعبيره.
وأكدت الحكومة، على لسان الإرياني، التزامها بملاحقة المتورطين وكشف ملابسات الجريمة، في محاولة لإعادة التأكيد على حضور الدولة، ليس فقط كسلطة، بل كضامن لحق الناس في الحياة والأمن داخل مدينة تمثل رمزًا لوجودها.
من جانبها، تحركت وزارة الداخلية، حيث وجّه الوزير إبراهيم حيدان بفتح تحقيق عاجل في الجريمة، مع التشديد على ضرورة الوصول إلى الجناة وتقديمهم للعدالة دون تأخير، مؤكدا أن الأجهزة الأمنية لن تقف مكتوفة أمام أي محاولة لزعزعة الأمن، سواء في عدن أو في غيرها من المناطق المحررة.
وشدد وزير الداخلية على أهمية رفع مستوى التنسيق والعمل الميداني، في إشارة إلى إدراك حجم التحدي الذي تفرضه مثل هذه الجرائم، والتي لا تتوقف آثارها عند الضحية، بل تمتد لتصيب إحساس المجتمع بالأمان، مؤكدا في السياق ذاته أن هذه الجريمة لن تمر كرقمٍ جديد في سجل الاغتيالات، وأن هناك تحركًا جادًا لاستعادة زمام المبادرة، وقطع الطريق أمام تكرار المشهد.
استهداف الحياة المدنية
أما التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية فقد قرأ الجريمة بوصفها ضربة موجهة إلى الحياة اليومية للناس، لا إلى شخص الشاعر وحده، كونه كان في طريقه إلى عمله التربوي، وهو ما يجعل استهدافه مساسًا مباشرًا بالمدرسة، وبالمعلم، وبفكرة الاستقرار المدني.
البيان ربط بين عودة الاغتيالات وتعثر مسار العدالة في القضايا السابقة، معتبرًا أن تراكم الملفات دون حسم خلق شعورًا لدى الجناة بأنهم خارج دائرة المحاسبة، كما استحضر سلسلة طويلة من الاغتيالات التي شهدتها عدن، في تذكير بأن هذه الجريمة ليست الأولى، لكنها تأتي في سياق لم يُغلق بعد، مطالبا بإجراءات واضحة، تبدأ بتحقيق جاد في الجريمة، ولا تنتهي عند مراجعة المنظومة الأمنية، لضمان عدم تحول المدينة مجددًا إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.
وتناولت هيئة علماء اليمن الجريمة من زاوية مختلفة، حيث وضعتها في إطارها الأخلاقي والديني، معتبرة أن اغتيال الشاعر، وهو في طريقه إلى عمله، يمثل انتهاكًا صارخًا لحرمة الحياة التي جاءت الشريعة لحفظها.
البيان حمل لغةً مشبعة بالألم والتحذير، واعتبر أن استمرار مثل هذه الأفعال لا يهدد الأفراد فقط، بل يفتح الباب أمام فوضى أوسع تمس المجتمع بأكمله، وتضرب أسس الاستقرار، كما شدد على أن التهاون في ملاحقة الجناة، أو تأخير العدالة، يمنح مساحة لتكرار الجريمة، ويغري مرتكبيها بالمضي قدمًا في جرائمهم.
ودعت الهيئة إلى إعادة فتح ملفات الاغتيالات السابقة، وعدم تركها للنسيان، في إشارة إلى أن العدالة المؤجلة تتحول، مع الوقت، إلى سبب إضافي لاستمرار العنف، ووجّهت دعوة عامة لكل القوى إلى تغليب صوت العقل، ونبذ خطاب الكراهية، والعمل على حماية ما تبقى من نسيج اجتماعي يتعرض للتآكل.
الإصلاح في مواجهة الإرهاب
لا يمكن النظر إلى حادثة استهداف القيادي الإصلاحي الشاعر بمعزل عن السياق الأوسع للعمليات الإرهابية التي استهدفت قيادات وكوادر حزب التجمع اليمني للإصلاح خلال السنوات الماضية، والتي طالت العديد من المحافظات اليمنية، من مأرب وتعز إلى عدن وصنعاء وذمار، والتي جاءت في إطار خطة ممنهجة تستهدف إضعاف قطاعات حزب الإصلاح السياسية والاجتماعية، وتقويض قدرته على الاستمرار في لعب دوره الوطني الفاعل.
ويمثل حزب الإصلاح أحد أبرز المكونات السياسية التي وقفت إلى جانب السلطة الشرعية وساهمت في جهود استعادة مؤسسات الدولة، وهو ما جعله هدفًا مباشرًا لموجات من الاغتيالات والتفجيرات ومحاولات الترهيب المتكررة، فقياداته ونشطاؤه تعرضوا لعشرات العمليات الممنهجة التي شملت الاغتيالات المباشرة، وزرع العبوات الناسفة، واستهداف مقرات الحزب، في محاولة لتقويض حضوره الوطني وإبعاده عن المشهد السياسي.
ويؤكد سياسيون أن هذا النمط من الاستهداف يعكس طبيعة الحرب المستمرة في اليمن، والتي تجاوزت حدود المواجهة العسكرية لتشمل الهجوم على العمل السياسي، ومحاولة ضرب القوى الوطنية التي تمثل مشروع الدولة، وتستند إلى الشرعية والقانون والدستور. فالاغتيالات، في هذا السياق، لم تعد مجرد أعمال عنف، بل أصبحت أداة إستراتيجية لإضعاف مشروع الدولة واستنزاف القوى الوطنية الأكثر تأثيرًا.
وعلى الرغم من حجم الخسائر التي تكبدها الحزب، سواء من شهداء أو جرحى أو مهددين بالإرهاب المباشر، يواصل التجمع اليمني للإصلاح أداء دوره السياسي والاجتماعي، محافظًا على استقراره التنظيمي وحضوره الشعبي، مما جعله عرضة لمزيد من الضغوط والاستهداف، لكنه في الوقت نفسه يعكس قوة الحزب وصلابته أمام محاولات القمع والترهيب، ويؤكد استمراره في الدفاع عن الدولة ومؤسساتها وكرامة أبنائها.