الجمعة 19-07-2024 14:32:14 م : 13 - محرم - 1446 هـ
آخر الاخبار

مبادرات الحوثيين لفتح الطرقات.. استثمار سياسي أم ابتزاز بوسائل جديدة؟

الأربعاء 12 يونيو-حزيران 2024 الساعة 05 مساءً / الإصلاح نت-خاص

 

في استبشار محاط بالقلق وتفاؤل مشوب بالحذر، ينتظر اليمنيون نتائج إجراءات فتح الطرقات المغلقة التي بدأ الحديث عنها مؤخرا، بعد أن عزلت شمالي محافظة تعز عن جنوبها وفصلت مأرب عن صنعاء منذ أكثر من ثماني سنوات، الأمر الذي فرض حصارا خانقا وخلف أضرارا فادحة على المواطنين.

تهديد حقيقي

وقد أكدت لجنة فتح الطرق استعدادها لاستقبال المواطنين الداخلين من الطرق التي أعلنت مليشيا الحوثي فتحها في تعز، محملة في الوقت ذاته المليشيا الحوثية أي تبعات جراء وجود الألغام والعبوات الناسفة التي زرعتها عناصر المليشيا منذ اجتياحها للمحافظة، مشيرة خلال نزولها الميداني لشمالي المدينة إلى أن الطريق من جانب الشرعية مفتوح، ولا توجد أي حواجز ترابية، ولفتت إلى أن الخط الذي أعلنت مليشيا الحوثي العمل على فتحه مزروع بالألغام والعبوات الناسفة وأنها إذا أرادت حسن النوايا فعليها العمل على نزع وإزالة الألغام التي تشكل تهديدا حقيقيا، ودعت اللجنة مليشيا الحوثي إلى رفع الحصار بشكل كامل بما يضمن فتح الطرق الرئيسية ونزع الألغام ورفع نقاط الجبايات والسماح بدخول السلع والمساعدات والأدوية، وإيقاف الاعتقالات التعسفية التي تنفذها عناصر المليشيا بشكل مستمر.

وعلق عضو لجنة فتح الطرقات نبيل جامل على هذه الخطوة بقوله: "تفاجأنا بإعلان الطرف الآخر أنه سيفتح طريق الحوبان جولة القصر، وعلى إثر ذلك تم التواصل مع أطراف أخرى من الحوبان"، مشيرا إلى أن هذا الطريق "تم المطالبة بفتحه من قبل لجنة الطرقات وكثير من أبناء تعز منذ ثماني سنوات، وتم الحديث عن جملة طرق منها هذا الطريق، وتم الإعلان اليوم بالموافقة والترحيب، وعلى أساس ندخل في الإجراءات التنفيذية، لقضية تنقلات المواطنين كخطوة أخرى".

مبادرة حكومية

بيد أن الخطوة هذه إن صدقت مليشيا الحوثي فيها وواصلت المضي بها على غير ما دأبت المليشيا عليه، لم تكن سوى استجابة منها لمبادرة أطلقها عضو مجلس القيادة الرئاسي اللواء سلطان العرادة محافظ محافظة مأرب منذ أكثر من ثلاثة أشهر، فقد أعلن اللواء العرادة في فبراير الماضي عن مبادرة لفتح طريق صنعاء - مأرب - فرضة نهم (الطريق الرئيسي بين المحافظتين). المبادرة التي تلكأت مليشيا الحوثي بشدة في الاستجابة لها ورفضتها حتى اليوم، فما تم فتحه ليس الطريق الذي نصت عليه المبادرة، إذ إن ما تم الحديث عنه من خلال المبادرة هو فتح طريق مأرب - فرضة نهم - صنعاء، وهو الطريق الرئيسي الرابط بين المحافظتين، والذي لا تزيد المسافة فيه عن ساعتين، أي بطول 160 كيلو مترا عبر الفرضة، إلا أن المليشيا تلاعبت بالمبادرة وتحايلت عليها وحولتها من فتح طريق مأرب - الفرضة - صنعاء إلى فتح طريق يربط بين مأرب - البيضاء - صنعاء، وليس بين المحافظتين مباشرة، لتصبح المسافة 400 كيلومتر بدلا من 160 كيلومترا، وتتحول المدة من ساعتين إلى أكثر من ثماني ساعات للتنقل بين المحافظتين، حيث يرى البعض أن المبادرة ليست إلا هروبا من استحقاق فتح الطرقات الرئيسية، والتفافا على مبادرة فتح طريق مأرب - فرضة نهم - صنعاء، الطريق الأقرب الرابطة بين مأرب وصنعاء.

انتهاك صريح

وفي الوقت الذي ملأت مليشيا الحوثي الدنيا ضجيجا بهذه الخطوة معتبرة إياها إنجازا فريدا، عبر ناشطون عن استغرابهم من الطريقة التي تعاملت بها مليشيا الحوثي مع الحدث، إذ إن من تسبب بهذه المعاناة، وخلق حصارا مطبقا وأزمة خانقة وعرقل التنقل بين محافظات البلد الواحد بل وداخل المحافظة الواحدة، هي مليشيا الحوثي الإرهابية، وهي من عملت على زرع الألغام وتفخيخ الطرقات، وحاصرت الناس فيها، واستغلت هذه الأزمة لفرض الإتاوات وتحصيل الجبايات، واختطاف المسافرين، وترصد المشتبه بهم، وتعقب الفارين من بطشها وإرهابها.

ووصف مدير مكتب حقوق الإنسان بأمانة العاصمة فهمي الزبيري، حصار الحوثي لمحافظة تعز بأنه انتهاك صريح لحقوق الإنسان، في ظل ما تتعرض له المدينة منذ عام 2015، من جرائم حوثية وتجاهل دولي للتخفيف من معاناة المدنيين والأطفال والنساء، منوها إلى أن المدنيين في تعز يتعرضون للاستهداف الصاروخي والقصف المدفعي والقتل والقنص من قبل الحوثيين المتمركزين على الجبال وأسطح البنايات، بالإضافة إلى زراعة الألغام في الطرقات، دون تمييز بين الأطفال والنساء وكبار السن، ما أدى إلى مقتل المئات من الأبرياء.

ويضيف مدير مكتب حقوق الإنسان، في تصريح له في وقت سابق، أن الحصار تسبب في توقف وصول الخدمات والمواد الأساسية والضرورية، بما فيها المياه والأغذية والأدوية والمستلزمات الطبية، بالإضافة إلى مصادرة الحوثيين للمساعدات الإنسانية، ومنع المنظمات الإغاثية والجمعيات الخيرية من تقديم العون للمتضررين من الحرب والحصار، محملا مليشيا الحوثي المسؤولية الكاملة عن المعاناة الإنسانية المتفاقمة والأضرار التي خلفها الحصار على ملايين المدنيين في محافظة تعز، وما يتعرضون له من مخاطر وما يتكبدون من خسائر يومية جراء قطع الطرق الرئيسية بين تعز وبقية المحافظات منذ تسعة أعوام، مما اضطر كثير منهم إلى سلوك طرق أكثر وعورة وخطورة لتسيير شؤونهم وقضاء حوائجهم، مذكرا بأن مليشيا الحوثي رفضت كل الدعوات والمبادرات لفك الحصار عن تعز، وحولتها إلى سجن كبير، مستغلة الملف الإنساني كورقة سياسية للابتزاز والمساومة السياسية في جريمة حرب ضد الإنسانية.

تلاعب وتجاهل

وبالإضافة إلى المطالبات المتكررة والمناشدات المستمرة لمليشيا الحوثي من قبل الأهالي والعديد من منظمات المجتمع المدني بفتح الطرقات ورفع الحصار عن محافظة تعز وإنهاء معاناة المسافرين في مختلف الطرق الرئيسية التي عمل الحوثيون على قطعها، فقد وافقت مليشيا الحوثي على اتفاق وهدنة إنسانية برعاية أممية أعلنت عنها في أبريل من العام 2022، حيث أعلن المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ عن موافقة أطراف الصراع وترحيب سابق للتحالف العربي على هدنة لمدة شهرين قابلة للتمديد، بدأت في اليوم التالي، إضافة إلى تسيير رحلات جوية تجارية لمطار صنعاء، وتسهيل دخول سفن المشتقات النفطية إلى موانئ الحديدة، حيث نصت الهدنة على اجتماع الأطراف برعاية الأمم المتحدة "للاتفاق على فتح طرق في تعز وغيرها من المحافظات، لتسهيل حركة وتنقلات المدنيين من رجال ونساء.

إلا أن هذا الاتفاق نفذت منه البنود المتعلقة بالمطار والميناء، وتوقفت العمليات القتالية بشكل شبه كلي، وتم تجاهل البند المتعلق بالطرقات وظل مراوحا مكانه، بسبب امتناع الحوثيين عن تسمية ممثليهم للتفاوض بهذا الشأن، وفقا لاتهامات الحكومة اليمنية، وتصريحات أدلى بها المبعوث الأممي عقب جلسة مجلس الأمن في الوقت ذاته.

وقد أبدى رئيس الفريق الحكومي الخاص بالتفاوض لفتح طرقات مدينة تعز عبد الكريم شيبان استغرابه من فتح ميناء الحديدة وتشغيل مطار صنعاء الدولي الخاضعين لسيطرة مليشيا الحوثي من قبل الجهات الراعية لهذا الاتفاق قبل فتح منافذ مدينة تعز، معتبرا أن تلك الخطوات دفعت المليشيا إلى المزيد من التعنت حيال تعز بعد تلبية مطالبها من الهدنة الأممية.

وأضاف: "إننا نتفهم الحاجة الإنسانية لفتح مطار صنعاء، لكن لسنا مسؤولين عن هذه المأساة التي يتحمل مسؤوليتها الحوثيون باعتبارهم الطرف المتسبب في الصراع المستمر".

ويقول شيبان: "كان من المفترض أن يتم تنفيذ عناصر الهدنة الأممية بشكل متزامن، كي لا يكون هناك مجال لأحد للتهرب من تنفيذ التزاماته، لكن ما حدث هو العكس من ذلك، حيث تمت فقط تلبية مطالب الحوثيين في وقت يستمرون فيه بفرض الحصار على تعز".

وأشار إلى أن المليشيا "لم تلتزم بتنفيذ هذا الاتفاق، رغم أننا بذلنا جهودا كبيرة في التواصل مع الأمم المتحدة ومبعوثها لليمن آنذاك (إسماعيل ولد الشيخ) للضغط عليها للتنفيذ".

وكشف شيبان أن قرار رفع الحصار عن تعز مرتبط رأسا بزعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي، مؤكدا على أن باقي مسؤولي المليشيا "لا يمتلكون القرار أو القدرة على تنفيذ التزاماتهم".

وأعرب عن أسفه لـ"عدم وجود أي تفاعل دولي مع جريمة حصار تعز، رغم تداعياته القاسية على مئات الآلاف من المدنيين".

انتكاسات

وقد شكك مراقبون من الدوافع الحقيقية للمليشيا الحوثية وراء هذه الخطوة التي ظلت ترفض تنفيذها وتبدي تصلبا وتعنتا شديدا طيلة أكثر من ثماني سنوات.

وبحسب المراقبين فإن هذه الخطوة جاءت بعد حزمة من الانتكاسات التي تعرضت لها المليشيا الحوثية في الفترة الأخيرة على مختلف الأصعدة، أبرزها إيقاف مسار التسوية أو المبادرة السعودية العمانية، والتي كانت ربما تلبي كثيرا من تطلعات المليشيا الحوثية، مرجحين وجود ضغط مارسته الولايات المتحدة الأمريكية لإيقاف مسار التسوية بعد أن تبين لها أن الحوثيين كيان لا يمكن السيطرة عليه، بعد أن كانت الرغبة الأمريكية واضحة خلال السنوات الماضية في الحفاظ على الحوثيين كمليشيا مهددة لأمن واستقرار المنطقة، تستغلها لفرض معادلاتها الأمنية والاقتصادية في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى القرارات الاقتصادية التي اتخذها البنك المركزي في عدن والذي شكل ضربة قاضية يصعب على المليشيا الحوثية التعافي منها، فلجأت لإطلاق التهديدات المتلاحقة من قبل بعض قياداتها إلى أن هذه الإجراءات ستشعل الحرب مجددا داخليا وخارجيا، إلى جانب كثير من الرسائل التي وجهتها للسعودية في هذا الصدد، وتلويح قيادات المليشيا بتصعيد عسكري.

وذكر مراقبون أن الخطوة الحوثية الأخيرة جاءت نتيجة لمخاوفهم واستشعارهم لمخاطر حقيقية وجدية غير قابلة للمراوغة، بدت ملامحها مؤخرا مهددة سيولة البنوك الواقعة تحت سيطرة المليشيا الحوثية بعد قرار إلغاء العملة القديمة وما سيترتب عليها من إجراءات داخلية وخارجية أبرزها إيقاف نظام المعاملات المالية العالمي (سويفت) تعاملاته مع البنوك الخاضعة للإدارة الحوثية، وإن حاولت المليشيا إضفاء الطابع الإنساني عليها من خلال إيعاز قيادات المليشيا لإطلاق مبادرة مجتمعية من أجل فتح الطرقات وتسهيل التنقلات للمواطنين بين المحافظات لتسهيل معاملاتهم وأسفارهم، لأهداف غير معلنة أهمها إخراج المليشيا من مأزقها وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

انهيار مبكر

وكما هي العادة التي دأبت عليها مليشيا الحوثي الانقلابية ووفقا لتوقعات كثيرين فلم تصمد وعود المليشيا كثيرا، فقد ارتكبت المليشيا جريمة جديدة بحق فريق خاص لتأمين الطريق التي ادعت المليشيا أنها فتحتها وأمنتها للمواطنين.

وقد أفادت مصادر إعلامية بسقوط قتيلين وعدد من الجرحى من الجيش اليمني فجر يوم الأحد الموافق 9 يونيو 2024 في محافظة مأرب.

وتضيف المصادر أن الجنود "قتلوا إثر استهدافهم بقذائف الهاون من قبل مليشيا الحوثي المصنفة دوليا مليشيا إرهابية، أثناء عملهم في إزالة المخلفات من أجل فتح طريق مأرب - البيضاء - صنعاء"، مؤكدة أن الشهداء والجرحى عاملين في مجال إزالة الألغام تم استهدافهم في منطقة "اليعيرف" جنوب مأرب.

وقد تفقد رئيس أركان المنطقة العسكرية الثالثة، العميد "عبد الرقيب دبوان"، يوم السبت الموافق 8 يونيو، أعمال إزالة الحواجز الترابية والكثبان الرملية ومخلفات الحرب من الخط الإسفلتي الرابط بين محافظتي مأرب والبيضاء.

وقال "دبوان" إن التوجيهات الحكومية قضت بفتح الطريق رغم كونه ميدان معركة، وذلك من أجل رفع المعاناة عن المواطنين في الطرق البديلة، مضيفا: "نحن لا نقاتل ولا ندافع إلا من أجل الشعب ولأجل حقوق المواطنين، وإن توجيهات القيادة السياسية والعسكرية دليل على هذا".

تعامل إيجابي

وعلى الرغم من سجل مليشيا الحوثي الأسود المليء بالجرائم ونقض المعاهدات والاتفاقيات، إلا أن الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا رحبت بالخطوات الحوثية -والتي كانت أصلا استجابة لمبادرة حكومية- وتعاملت معها بإيجابية.

وتأتي هذه الإجراءات في محافظة تعز متزامنة مع إجراءات مماثلة لفتح الطريق إلى محافظة مأرب، وتمكن المسافرين من المناطق الواقعة تحت سيطرة مليشيا الحوثي من الوصول عبر الطريق الرئيسة.

وقد أوضح وكيل وزارة حقوق الإنسان ماجد فضائل أن التقدم في فتح الطرقات سيكون دافعًا إيجابيًا للدفع بعملية السلام نحو الأمام، مضيفا أن الملفات الإنسانية مثل فتح الطرق وملف الأسرى والمختطفين، وإيصال المساعدات الإنسانية دون إعاقة، تعد خطوات أساسية لبناء الثقة.

وتغلق المليشيا الحوثية أكثر من 20 طريقا رئيسيا في 7 محافظات بوجه اليمنيين، ولجأ المواطنون لاستعاضة طرق أخرى أكثر وعورة وأطول مسافة للتنقل بين المناطق والمحافظات، وقضاء كثير من الحوائج عبر تلك الطرقات، مما تسبب بمعاناة شديدة للمواطنين، وخلق أزمات متعددة على كافة الجوانب، وقطع الشرايين الحيوية، بمزاعم فتح طرق بديلة وملتوية، لإبقاء تموضعها العسكري وشرعنة حصارها.

كلمات دالّة

#اليمن