الإثنين 15-07-2024 23:48:46 م : 9 - محرم - 1446 هـ
آخر الاخبار

التجمع اليمني للإصلاح.. وعي سنني ورشد سياسي (الحلقة الخامسة) استكمال آليات العرف المتجدد

الأحد 01 أكتوبر-تشرين الأول 2023 الساعة 07 مساءً / الإصلاح نت - خاص | عبدالعزيز العسالي

 


"الإصلاح سيمارس المعارضة البناءة" (تصريح صادر عن حزب الإصلاح عقب الانتخابات البرلمانية عام 1997م).

تعد المعارضة البناءة إحدى صور التجسيد العملي للممارسة الديمقراطية، ولذا فقد اختار حزب الإصلاح خط إعادة بناء ثقافة المجتمع انطلاقا من منظومة المنهج المقاصدي وكليات التشريع الإسلامي، ومن الأفق الثقافي المتمثل في "العرف المتجدد".

وقد فتح استكمال تلك الآليات آفاقا جديدة وأرسى تقاليد ثقافية عميقة لدى أعضاء حزب الإصلاح وأنصاره خصوصا وفي الوعي المجتمعي عموما، علما أن ذلك الاستكمال يعد تجسيدا عمليا لمفهوم المعارضة البناءة، وهذا ما سنسلط الضوء حوله من خلال المحاور التالية.

المحور الأول، منطلق التأصيل الشرعي:

انطلق التأصيل الشرعي من القاعدة المنهجية المتفق عليها أصوليا وفقهيا بأنها القاعدة الذهبية وهي: "تتغير الفتوى بحسب الزمان والمكان والأعراف والأحوال والعادات والأشخاص".. انظر على سبيل المثال "أعلام الموقعين" (ابن القيم، ج 3، ص 13).

التعريف بالقاعدة: هي قاعدة سننية منهجية ناظمة ينضوي في إطارها عدد من القواعد المنهجية الأصولية والمقاصدية والفقهية.. بصيغة أكثر وضوحا هي قاعدة سننية معرفية - ثقافة منهجية تضبط تنزيل الفتوى على أرض الواقع.

ولذلك قال الفقهاء "تغيير الفتوى" لا يعني اختلاف الدليل والبرهان وإنما هو اختلاف عصر وزمان، فالدليل هو الكتاب والسنة، ولكن سنن الواقع ليست من الثوابت وإنما من المتغيرات، وهذا التغيير السنني هو المنهج الذي يرسم بوصلة تنزيل الفتوى على الواقع، وهذا هو فقه التدرج في تنزيل الحكم الشرعي على الواقع السنني، ذلك أن غياب فقه الواقع قد يؤدي إلى مآلات ونتائج لا تخدم الدين ولا الشرع ولا مصالح المجتمع.

من جهة أخرى، هذه القاعدة الذهبية كانت حاضرة لدى بعض الفقهاء حضورا مجردا لا صلة له بالواقع، لكن الاستكمال العملي لآليات العرف المتجدد أرسى ثقافة فقهية تطبيقية، كما أرسى طمأنينة مجتمعية دينيا، وجدد ثقة المجتمع بعظمة شريعة الإسلام أنها استوعبت حقا كل مصالح الدنيا والآخرة.

المحور الثاني، الانتخاب المباشر لمنصب رئاسة الجمهورية:

الإصلاح دعا الشعب اليمني إلى ممارسة هذا المبدأ كحق من حقوق الشعب، وبحسب مهتمين فإن الإصلاح هنا حقق عددا من الأهداف من أهمها أنه لفت نظر الشعب إلى هذا الحق الغائب لدى الغالبية، والميؤوس منه لدى النخبة، وإرساء تقليد ثقافي ديمقراطي في الوعي الشعبي، وتجسيد مبدأ المواطنة المتساوية والتي تعتبر أبرز صور الحرية والكرامة لدى الفرد والمجموع، وتجسيد مفهوم الدولة المدنية كون هذا المفهوم قد اكتنفته مخاوف دينية ناتجة عن الثقافة الوافدة، فاطمأن المجتمع بإمكان تطبيق الدولة المدنية، والحرية، والمواطنة، والديمقراطية، والتعددية، وحقوق الإنسان،... إلخ منظومة الآليات في ظل دستور مستند إلى الشريعة الإسلامية، وأنه لا تصادم بين تطبيق مقاصد الشرع وغاياته وبين الوسائل والآليات الديمقراطية.

كما أن الإصلاح أثبت بمصداقية مبدأ التعايش والقبول بالآخر، وأثبت أنه مع التغيير الثقافي السلمي ومع الديمقراطية التي سبق له ضبط مفهومها بأنها احترام حرية وإرادة الشعب.

وقد اعتبر مهتمون ومراقبون انتخابات منصب الرئاسة، رغم حداثة التجربة، اعتبروها خطوة ناجحة قياسا بممارسات عربية سابقة ومتزامنة، كونها استبعدت المنافسة على منصب الرئاسة.

المحور الثالث، الانتخابات البلدية عام 2001:

شارك الإصلاح في تلك الانتخابات وحصد نسبة 43% من المقاعد البلدية رغم الاختلالات التي صاحبتها، ابتداء من الاختلالات التي رافقت تشريع قانون تلك الانتخابات، واكتفى الإصلاح بإبداء ملاحظاته عبر أعضائه في البرلمان.

ولا ننسى أن السلطة -بعد الانتهاء من الانتخابات- أصدرت قرارا بإلغاء المعاهد العلمية، وهنا قدم الإصلاح وجهة نظره بأسلوب سلمي، موضحا لأعضائه وأنصاره أولا، وللسلطة ثانيا، أن التعليم عموما يحتاج إلى إصلاح، وإن كانت المعاهد قد أسهمت بصورة إيجابية في الارتقاء بالعملية التعليمية ولو نسبيا، لكن قرار إلغاء المعاهد فقط ليس إصلاحا للتعليم، ومع ذلك تم تنفيذ قرار إلغاء المعاهد والإصلاح قبِل القرار.

المحور الرابع، تأسيس اللقاء المشترك:

مراقبون -داخليا وخارجيا- اعتبروا قيام تكتل اللقاء المشترك خطوة ديمقراطية والتي إن دلت على شيء فإنها تدل على مدى النضج الثقافي والسياسي، ولدى حزب الإصلاح إزاء الأهداف والقواسم المشتركة - المصلحة الوطنية والتي تم تجسيدها عمليا أثناء الانتخابات البرلمانية عام 2003، فقد وجه الإصلاح يومها أعضاءه وأنصاره لترشيح مرشحي اللقاء المشترك في دوائر كانت محسومة سلفا للإصلاح، وتم قبول اللقاء المشترك بنتائج الصندوق يومها.

الجدير ذكره أن أحزابا انضوت في إطار تكتل اللقاء المشترك - يسارية، وقومية، وهاشمية.. وكانت الرئاسة دورية كل 6 أشهر، وقد مارس اللقاء المشترك معارضة إيجابية تجاه الذات والسلطة، وكان الحوار منطلقا ومرجعا.

المحور الخامس، الانتخابات الرئاسية عام 2006:

كان صيفا انتخابيا ديمقراطيا ساخنا حول منصب رئاسة الجمهورية والانتخابات البلدية، وقد حدد تكتل اللقاء المشترك مرشحه لكرسي الرئاسة وكذلك المقاعد البلدية، وقد جاء إعلان نتيجة الرئاسة بصورة أضحكت الثكالى، ومع ذلك أعلن اللقاء المشترك القبول بالنتيجة مكتفيا بتصريح أمين عام الإصلاح يومها والذي قال: "نعم سلّمنا بالأمر الواقع".

المحور السادس، قضية المرأة:

المرأة مارست حقها الوطني في خمس انتخابات برلمانية وبلدية ورئاسية، كما أنها شاركت في انتخابات شورى الإصلاح والأمانة العامة والهيئة العليا مرتين وشاركت في انتخابات المؤتمرات المحلية وأعضاء المؤتمرات العامة للإصلاح، وسارت المشاركات الآنفة بانسياب وسلاسة، غير أن خطة حزب الإصلاح استكمال منظومة آليات الديمقراطية والتي منها وصول المرأة إلى المناصب القيادية للإصلاح.

وهذا يقتضي تصويت المؤتمر العام، وفقا للنظام الداخلي واللوائح. ولكن، أين المشكلة؟ المشكلة تكمن ثقافيا في بُعدين متداخلين بل متشابكين جدا، البُعد الأول ديني، والبعد الثاني اجتماعي، والأخير هو المشكلة الأكثر تعقيدا، كونه محروس بالعرف الاجتماعي إلى جانب فتاوى دينية تحمل مخاوف وشبهات من الثقافة الوافدة متكئة على اجتهادات فقهية من التراث، فكيف انطلقت المعالجة الفقهية؟

الحقيقة أن المعالجة عكست وعيا ثقافيا سننيا تجاه تشخيص مشكلة ثقافة الواقع الاجتماعي وذلك من خلال إنزال نسختين من الفتوى، فتوى تقول بجواز تصعيد المرأة إلى مجلس شورى الإصلاح، وفتوى تقول العكس.

هذا الإجراء الذكي لم ينسب الفتاوى إلى عالم أو علماء، وإنما نسب كل فتوى أنها اجتهاد فريق غير محدد من العلماء، وتم ترشيح شخصية فقهية من العيار الثقيل لقراءة الفتاوى، وانتهى إلى القول هذان اجتهادان والخيار لأعضاء المؤتمر العام، والنتيجة تصويت غالبية الأعضاء على تصعيد المرأة إلى مجلس الشورى، وعلى الفور فتح باب الترشيح، لكن العدد كان قليلا بسبب منع بعض الفقهاء قريباتهم من الترشح.

الجدير ذكره أن تلك المخاوف تبددت ذهنيا كون قضية المرأة أصبحت اجتهادية، وهذه خطوة لها أثرها الثقافي.

شهادة منصفة:

كاتب هذه السطور حصل له لقاء عفوي مع الدكتورة رؤوفة حسن، رحمها الله، وذلك في مكتبها الكائن بكلية الآداب جامعة صنعاء، وذلك في شهر أكتوبر عام 1998، خلاصة اللقاء تحدثت د. رؤوفة حرفيا أن كل الأحزاب يسارية وغيرها تزايد في قضية المرأة عدا حزب الإصلاح لا غير.

فالإصلاح هو الحزب الوحيد القارئ تماما للخريطة الاجتماعية وبالتالي يتخذ القرارات الداعمة للمرأة بجد، وأضافت قائلة: كم كنت عجيبة لأنني كنت ألبس تنورة كاشفة الرأس وأذهب إلى أطراف محافظات شمال الشمال وأدعو إلى تحرير المرأة والفشل كان طبيعي لأني مارست أسلوبا يتنافى وقيم المجتمع.

ثم قدمت شهادتها تجاه الوعي السنني لدى الإصلاح قائلة: قدمت من القاهرة قبل 3 أسابيع تقريبا وكنت قد اشتريت كتاب "تحرير المرأة في عصر الرسالة"، وذهبت إلى منزل الشيخ ياسين عبد العزيز، وطلبت منه قراءة الكتاب خلال أسبوعين فقط وطلبت تقييمه الموجز للكتاب.

وعدت في الموعد وسألت الأستاذ كيف الكتاب؟ أجاب: لا مثيل له.. فقلت له: ومتى سيقوم الإصلاح بتطبيقه؟ أجاب: بعد عشر سنوات.. وانتهت مؤكدة القول إن الإصلاح على وعي وإدراك تام للخريطة الثقافية المجتمعية.

وبالفعل مرت عشر سنوات وأقيم المؤتمر العام الاستثنائي عام 2009، وطرحت قضية تحويل مكتب المرأة في الأمانة العامة من "مكتب المرأة" إلى "دائرة المرأة"، تقدم 37 من مشايخ العلم بعريضة مفادها عدم جواز تحويل المكتب إلى دائرة، وطرحت القضية للنقاش، وفي الموقف تقدمت 250 شيخة من خريجات جامعة الإيمان تقدمن بعريضة فيها مناقشة فقهية انتهت بجواز تحويل المكتب إلى دائرة، على إثرها تقدم 265 شيخا من ذات الجامعة بعريضة ناقشت القضية انتهت إلى الجواز ثم تقدم أحد الشيوخ الكبار موضحا دليل المانعين أنه دليل "سد الذريعة"، وهذا الدليل يعني ليس كل ما يحرم للذريعة يعتبر حراما وإنما خشية الوقوع.

وطُرحت الورقتان للتصويت فتم التصويت للفتوى الدالة على الجواز، وفي هذا السياق، أحد الباحثين حول الحركات الإسلامية في اليمن - الإصلاح نموذجا.. دعا هذا الباحث إلى ندوة في ألمانيا ودار نقاش بين عدد من النساء العربيات متغربات جدا، وخلاصة النقاش تضمن اتهاما للإصلاح أنه ضد المرأة، غير أن الباحث قدم الدليل أن الموضوع هو تنوع في الرؤى وانتهى إلى التصويت لمصلحة المرأة.

وهنا خيم الوجوم على الموقف، ثم تلاه سؤال من مديرة الندوة مفاده: "هل الإصلاح أدخل الديمقراطية على الفقه؟".. أجاب الباحث بـ"نعم" هذا ما حصل.. وخيمت الدهشة مرة أخرى وانتهى الموقف بتغيير النظرة تجاه حزب الإصلاح في قضية المرأة.

الخلاصة: إن الوعي السنني الراشد عكس ثقافة ناضجة ومرونة وتدرج وفن وإدارة الموقف في إعادة بناء ثقافة المجتمع، ومن هنا اتسعت قاعدة حزب الإصلاح، أعضاء وأنصارا، بل احتل أعلى درجات الثقة المجتمعية في قبول رؤية الإصلاح تجاه ثقافة المجتمع.

والشواهد كثيرة نكتفي بما سبق.

المحور السابع، الإصلاح وثورة 11 فبراير 2011:

تفاديا للإطالة نوجز الحديث قائلين: دعا الإصلاح إلى بقاء حزب المؤتمر وعدم الإساءة إليه كونه أبرز حزب في اليمن ووافق مع اللقاء المشترك على تطبيق المبادرة الخليجية، وكذلك مخرجات لجنة الحوار الوطني فهي خيار الشعب، ووقف إلى جوار الشرعية الدستورية وشارك في عدد قليل من حقائب حكومة الوفاق الوطني.

وبعد انقلاب المليشيا الحوثية الإرهابية السلالية العنصرية، وقع مع بقية الأحزاب على وثيقة الشراكة مع حكومة مليشيا الانقلاب، بناء على مقترحات الدول الراعية للمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية.

وبعد تغول مليشيا الانقلاب واستقطاب أعداد من الشباب المستقل وشباب اليسار إلى صف المليشيا أو إلى دائرة الحياد، انطلق حزب الإصلاح بأعضائه وأنصاره ومعه كل الوطنيين الشرفاء مدافعين على الشرعية الدستورية واستعادة الجمهورية من أيدي المليشيات الانقلابية، وقدم آلاف التضحيات بل قدم قياداته وأبناءهم شهداء، نموذج قيادات المكتب التنفيذي بمحافظة الجوف استشهدوا جميعا، وهناك آلاف الجرحى والمختطفين من أعضاء الإصلاح وفي مقدمتهم الأستاذ محمد قحطان، رجل النضال المدني، نسأل الله له الفرج وبقية زملائه المختطفين.

لقد ضحى الإصلاح أكثر من غيره نظرا لسعة قاعدته الاجتماعية، إلى جانب تضحيات أخرى تحملها، مثل تفجير منازل أعضاء الإصلاح ونهب ممتلكات مؤسساته ومرافق عمله، ومع ذلك ها هو حزب الإصلاح حاضر بقوة في تكتل أحزاب دعم الشرعية ومنظمات المجتمع المدني، وها هم أعضاء الإصلاح مع كل الشرفاء صامدين كالجبال الشم في وجه الانقلابيين، كما أن الإصلاح داعم ومؤيد لكل قرارات قيادة التحالف العربي، داعيا إلى تطبيق تلك القرارات وقرارات الشرعية الدولية، فالاصلاح حاضر في ميادين التضحية وفي ذات الوقت حقائبه في الحكومة القائمة لا تتجاوز حقيبتين.

فهذا هو الإصلاح فجئني بمثله
إذا جمعتنا يا صديقي المجامع

وعي سنني.. رشد سياسي.. انتماء وطني.. ولاء لله.. ولاء للأمة.. ولاء للشرعية الدستورية.. دعم لمواقف التحالف فيما يتعلق بمصلحة اليمن ودول الجوار.

كلمات دالّة

#اليمن