السبت 20-08-2022 03:13:51 ص : 22 - محرم - 1444 هـ
آخر الاخبار

التشيع السلالي وأثره في السنة والتاريخ (الحلقة 2-2) منهج الأصوليين في قبول متن الحديث

الإثنين 25 يوليو-تموز 2022 الساعة 08 مساءً / الإصلاح نت-خاص | عبد العزيز العسالي

 

أولا، مقدمات ضرورية:

المقدمة الأولى، موقفنا الإيماني:

نشهد لله، معلنين موقفنا بين يديه سبحانه الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض والسماء ولا أصغر ولا أكبر، مؤذّنين بها في سمع الزمان، أننا نحب جميع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقا بما جاء عن الله في كتابه العظيم أنه رضي عنهم ورضوا عنه، وأنه سبحانه قد وعدهم الحسنى جميعا، وأن الله فضّل بين من أنفق وقاتل قبل الفتح ومن أنفق وقاتل بعد الفتح، وأن ذلك الفضل يعلمه الله، فلا نغالي فيه تقديسا أو هضما، لأنه سبحانه جعل الصحابة في درجة واحدة أنه رضي عنهم، ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راضٍ عنهم.

المقدمة الثانية، حب الصحابة من الإيمان:

وإن حبنا للصحابة جزء لا يتجزأ من إيماننا بالله وملائكته وكتبه ورسله، ونؤمن بما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته الصحيحة الصريحة التي لا تخالف القرآن حول مكانة الصحابة.. هذا ما ندين به لله عز وجل.

المقدمة الثالثة، إيماننا بنعمة العقل:

كما ندين لله عز وجل بحبنا للصحابة، فإننا ندين بالشكر له سبحانه على نعمة العقل، التي هي أجل نعم التكريم التي اختص الله بها بني آدم، تكريما نطقت به نصوص القرآن، زاخرة بالقيم العقلية تدبرا وتفكرا وفهما واعتبارا، أو أن حبنا للصحابة لا يعني التنكر لنعمة العقل في فهم وتدبر القرآن والسنة الصحيحة الصريحة.

المقدمة الرابعة، التزام المنهج الأصولي:

نقرر موقفنا والتزامنا التام بالمنهج الأصولي المقاصدي الذي حدده سلفنا فقهاء الأصول،
فالمنهج الأصولي هو الآلية المثلى في فهم وفقه مقاصد النصوص وطريقة تطبيقها واعتبار مآلاتها ونتائجها، مؤكدين أن منهجية فقهاء الأصول ملزمة لنا كونها آليات فهم لمن سيتفقه عبر التاريخ، وأننا لم ولن نحيد عنها أبدا.

المقدمة الخامسة، مفهوم المنهج الأصولي:

المنهج الأصولي هو مجموعة من القواعد ضبطها وحددها جمهور فقهاء الأصول، جاعلين منها شرطا مبدئيا للمتفقه كي يتعاطى مع النصوص فهما معرفيا وفقها تطبيقيا انطلاقا من رؤية متسقة متكاملة حتى يكون المتفقه على بصيرة في الحفاظ على كليات القرآن ومبادئ الشريعة ومقاصد تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم، مؤكدين أن المتفقه الذي ليس لديه منهج فإنه سيفسد أكثر مما يصلح، موضحين:

- الأصوليون والمحدثون معا، أنه لا تلازم بين صحة سند الحديث وصحة معناه، الأمر الذي يربك عقل المتفقه، وعليه فإن إحاطة المتفقه بالمنهج الأصولي شرط ضروري لأن قد يتعبد المسلمين بجهل وقد ينكر أدلة صريحة تقليدا لغيره.

ثانيا، أحاديث في ضوء المنهج الأصولي:

- سنسلط الضوء على أحاديث صح سندها فقط، لكن متونها محل نظر منهجي أصولي.

سيدرك القارئ العزيز كيف أن السلالية العنصرية أثارت زوابع اللغط الكثير، بحجة أن تلك الأحاديث أدلة قطعية لا نقاش فيها.

- سيجد القارئ كيف أن السلالية هيجت العواطف الدينية فدفنت المنهج العلمي الأصولي بهدف تخدير عقول العامة واستغلال الوجدان المسلم -تحريف مفهوم الآل نموذجا- تحريف للقرآن من بعد مواضعه، دغدغة الوجدان الديني لدى العامة واستغلال عاطفة حب النبي صلى الله عليه وسلم، لكنها شحنت النفوس والوجدان بالأحقاد الخسيسة تجاه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين هم أفضل الناس بعد رسول الله بنص القرآن وصحيح الأحاديث النبوية.

لقد مارست السلالية تجريف الحقائق تمويها وتبديلا وتفتيتا لأدلة الشرع وضرب بعضها ببعض، بأساليب تهدم الإيمان بالله والإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، وتهدم أسس التعبد لله، وتهدم المنهج الإسلامي وتهدم تاريخنا الإنساني الحضاري.

الجدير ذكره أننا إذا استعرضنا قواعد المنهج سيطول بنا المقام.

وعليه، فإننا سنشير بإيجاز إلى النقطة الجوهرية في الحديث والراوي، ثم نناقش الحديث ونطبق عليه قواعد المنهج الأصولي وذلك على النحو التالي:

حديث "أني تارك فيكم ثقلين كتاب الله وآل بيتي"... إلخ.

الحديث صحيح السند رواه مسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه.

تطبيق المنهج الأصولي على الحديث:

1- تضمن الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع الصحابة جميعا وخطب فيهم أنه تارك فيهم ثقلين... إلخ.

2- الحديث تفرد به صحابي واحد، والمنهج الأصولي يقرر أن التفرد يعني نكارة الحديث، إذ كيف أن الرسول قاله في جمع الصحابة ولكن رواه واحد فقط.

3- سند الحديث كله كوفيون، وهذا يعني أن الكوفيين متشيعون للسلالة، والمنهج الأصولي يقرر أنه لا اعتبار في رواية تخدم مذهب الراوي.

4- مصطلح الثقلين: الثقلان مصطلح قرآني استعمله القرآن في الجن والإنس، لكن الحديث خالف القرآن فجعل عليا وأولاده أحد الثقلين والقرآن ثقل، ولهذا المنهج الأصولي أن من شروط صحة متن الحديث ألا يخالف القرآن، ثم إن مخالفة الحديث للقرآن سببها تفرد الراوي.. الفقهاء من عصر الصحابة إلى القرن الثالث الهجري يرون التفرد نكارة.

5- تهافت السلالية: مما يثير العجب أن السلالية تعتبر الإمامة من العقائد، وأن العقائد لا تقوم على رواية أحادية، لأن الآحاد ظني، فيا أيها السلاليون كيف تبنون عقيدتكم على الظنون؟

6- أسباب الوصية بالثقلين: وردت روايات صحيحة السند حول أسباب الوصية الآنفة.

السبب الأول غنائم فتح اليمن.
السبب الثاني أخذ الزكاة من اليمن.
السبب الثالث تخميس الغنائم في اليمن.
السبب الرابع إسلام همدان... إلخ.
السبب الخامس شكوى الصحابة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن عليا أخذ جارية من الخمس أو من الزكاة ودخل عليها.
السبب السادس أن الصحابة لبسوا من ثياب الغنائم أو الزكاة وأن عليا غضب.

7- تطبيق المنهج الأصولي:
- قرر المنهج الأصولي عدم الأخذ بالحديث الذي يتضمن مخالفة المشهور تاريخيا، والمشهور تاريخيا وبلا نزاع أن اليمن دخلت الإسلام بدون قتال، والحديث يقول بأن عليا فتح اليمن وأخذ الغنائم.

- قرر المنهج الأصولي عدم الأخذ بمتن الحديث المضطرب، والمضطرب الذي اختلفت ألفاظه، وهذه الروايات قد تضاربت.. غنائم وفتح، وزكاة وخمس، وإسلام همدان... إلخ. فبأي الأسباب يأخذ الفقيه؟

- من المضحكات المبكيات القول أن يكون في الزكاة جارية، وأن عليا وطأ الجارية دون استبراء وهذا ما لم يحصل عند الجاهلية.

- حديث صحيح عند مسلم، أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما أرسل عليا إلى اليمن قال له: أوصيك ألا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته.

تطبيق المنهج: الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم من الخطأ وهو الذي قال لمعاذ: إنك ستأتي قوما أهل كتاب... إلخ، يعني أن اليمن ليست وثنية.. لكن فيها يهود ونصارى.

لكن الحديث تضمن ما يخالف عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم والتاريخ والثقافة والعمران الحضاري.

- قرر المحققون في التاريخ أن عليا لم يصل إلى صنعاء ولا إلى همدان، وإنما وصل إلى قبيلة سعد العشيرة (عسير)، لكن سبب القدوم مضطرب المتن تماما حول أسباب المجيء.

موقف الفقهاء

الفقهاء لم يقبلوا بأحاديث مضطربة المتن، والأمثلة كثيرة أكتفي بالشاهد التالي: "زادك الله حرصا ولا تعد".. وجه الدلالة أن أحد الصحابة وصل إلى باب المسجد، فوجد الرسول صلى الله عليه وسلم راكعا، فركع في باب المسجد ودخل راكعا حتى دخل في الصف.. انتهى الرسول من صلاته وخاطب الرجل: زادك الله حرصا... إلخ.

بعض الفقهاء استدل بالحديث على أن من لحق الإمام في الركوع حسبت له الركعة.

لكن المنهج الأصولي لم يقبل الاستدلال الآنف لأن جملة "ولا تعد" مضطربة المتن، فهل هي ولا تعدها ركعة؟ أم ولا تعدها -من الإعادة- فقد حسبت لك؟ أم مقصود بها العدُوُ والإسراع؟ أم المقصود لا تعد لممارسة هذه المشية؟

وعليه، لا ينبغي الاستدلال بالحديث لأنه مضطرب، نعم هناك أدلة أخرى غير هذا الحديث تجيز الاعتداد بالركعة.

8- حديث أهل الكساء:
روى مسلم في كتاب اللباس عن عائشة أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج إلى المسجد وعليه مرط مرجّل أو مرحّل... إلخ.

وهذا السند معنعن، والعنعنة نوع من التدليس والذي دلس هو مصعب قال عنه علماء الحديث إنه يروي مناكير والنسائي قال منكر، وروي الترمذي وغيره روايات مضطربة تقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم نشر رداءه ودخل هو وعلي وفاطمة والحسن والحسين تحت الرداء وقال: هؤلاء أهل بيتي.

وفي رواية: أدخل أم سلمة وفي أخرى لم يدخلها ورواية أن هذا الموقف كان ببيت عائشة وأخرى بالمسجد وأخرى ببيت أم سلمة.

وروايات تقول إن هذا الموقف النبوي كان في سنة 5 هجرية عندما دعا وفد نحران للمباهلة فأبى النصارى.

وهنا يظهر الاضطراب حيث إن عليا تزوج آخر السنة الثانية الهجرية، ووفد النصارى كان منتصف السنة الخامسة الهجرية، فكيف ولد الحسن والحسين بهذه السرعة وجاءا يجريان... إلخ القصة؟

وهناك روايات تقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم نشر رداءه على العباس ودعا له بالخلافة... إلخ.

إذن هذا موقف صراع سياسي بين أولاد العم كل منهم يبحث عن مرجحات دينية، وبقدرة المدلسين تحول الصراع إلى عقائد ملزمة لنا إلى هذا التاريخ.

9- حديث كتاب الله وعترتي: الحديث في البخاري "تركت فيكم ما إن تمسكتم به كتاب الله..." فقط لا غير.
- زاد مسلم: وسنتي.
- الترمذي أورد: سنتي.. مرة واحدة، ثم وردت عترتي 13 مرة.

تطبيق المنهج الأصولي:
- الرسول ليس سلاليا وحاشاه أن يكون.
- لفظ عترتي غير موجود طيلة 250 عاما لا في كتب الرواية ولا المؤرخين، وظهر عند الترمذي بعد 250 تقريبا.

وهذا يعني أن الدس والتدليس في الرواية جاء يعكس آخر تطورات الصراع بين منظومة الرفض الكسروية السلالية والعباسية المستحوذة على الحكم، والتي كانت قد استشهدت بروايات أن النبوة في العباس وولده، وأن الخلافة في ولد العباس، وأن المهدي من ولد العباس.

وكانت الهاشمية والعباسية والقرشية والعترة والبطنين كلها تستقوي بالروايات الدينية.

المنهج الأصولي المعرفي، كما أشرنا آنفا، أن رواة الثقلين كوفيون متعصبون للسلالية، أي أن الجو الكوفي متشيع ثقافيا، فهذه الإشارة المنهجية المعرفية تعطينا دلالة منهجية معرفية أن بؤر الصراع على الحكم كانت حاضرة ومنتشرة بقوة طاغية، وبالتالي هذا الجو المشحون بالثقافة السلالية المتنوعة سيكون مطبخا لهكذا روايات.

وعليه، حاجتنا هي تفعيل المنهج الأصولي المقاصدي فهو كفيل بتجلية الحقائق بأدلة علمية عقلية منطقية.

بقي الحديث حول تزوير السلالية للتاريخ.. هذا هو موضوع وتكملة في الحلقة القادمة بعون الله.

كلمات دالّة

#اليمن