السبت 20-08-2022 01:33:38 ص : 22 - محرم - 1444 هـ
آخر الاخبار

مع الصائمين.. قيم، مفاهيم، دروس (2-5) منهجية التدبر

الثلاثاء 12 إبريل-نيسان 2022 الساعة 01 صباحاً / الإصلاح نت - خاص | عبدالعزيز العسالي
 


أولا، الأدلة:

لن نكون مبالغين إذا قلنا إن أول مقاصد نزول القرآن هو التدبر لآي القرآن العظيم، وذلك للأدلة التالية:

قال تعالى: " كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ مُبَٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلْأَلْبَٰبِ"

نلاحظ التعليل في النص جعل المقصد من نزول القرآن هو التدبر.. تعليل صريح، واضح، ميسر، يفهمه العامي كما يفهمه الفقيه.

إنها طريقة القرآن في دقة تحديد مقاصد القرآن الواضحة، وإليك الشاهد، قال تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".

فالمقصد من خلق الإنسان هو العبادة، لام التعليل واحدة في الآيتين - لـ"يتدبروا".
لـ"يعبدون".

وقال تعالى: "أفلم يتدبروا القول". وقال تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن آم على قلوب أقفالها".

تضمن الدليلان 2 و3 سؤالين من نوع الأسئلة المحاصرة للعقل والهدف هو محاصرة عقل السامع في زاويتين لا ثالث لهما، أي إمّا أن يقول السامع نعم، وهنا يلزمه التطبيق العملي للتدبر، وإمّا يقول لا، وهذا يعني أنه قد امتهن نعمة العقل التي هي أعلى نعمة كرّمه الله بها وميزه بها عن الحيوان.

وقال تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا".

اتفق فقهاء المقاصد على أنه إذا تكرر ذكر موضوع أربع مرات فما فوق، فإن التكرار لذلك الموضوع يعني أنه مقصد شرعي يجب التزامه - ضرورة.

بالمقابل، لا يوجد في القرآن دليل يأمر بحفظ القرآن، عدا مفهوم واحد في قوله تعالى: "بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم".

فهذا المفهوم لم يتضمن الأمر بالحفظ وإنما يعني أن العلماء تنشرح صدورهم بدلالات القرآن الشافية للصدور الداحضة للشكوك.

الدليل المنهجي: هل يمكن للمسلم أن يعبد الله، ويلتزم منهج القرآن عقيدة وعملا دون أن يتدبر القرآن؟

أقوى الأدلة العلمية:

وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم حددها القرآن في تلاوة القرآن على مسامع الناس، وهذا يعني أن الاستماع للتلاوة هو أول طرق التدبر.

أما الطريق الأرقى في التدبر فهو الالتزام العقدي الشرعي المتأسي بوظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي جاء يعلم المؤمنين الكتاب والحكمة، وهذا يرسم للمؤمن أفضل طرق التدبر -بطمأنينة وثقة- أن تدبره ينطلق من السنة العملية التي رسمت أفضل طرق الفهم وهي النظر في حكمة النص - عقيدة، وسلوكا، ونتائج، فهذه كلها مكتنَزة في النص ومحورها تحقيق مصلحة الإنسان دنيا وأخرى.

إذن، معرفة مقاصد النص ومقاصد العبادة ضرورة شرعية ملزمة للمؤمن نص عليها القرآن ومقاصد تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم المستندة إلى الوظيفة النبوية التي رسمها القرآن.. باختصار، لا قيمة لعبادة لا يعي المتعبد حكمتها وهدفها.

دليل آخر: 1000 آية في القرآن مرتبطة بحكمتها المقصدية:

نابغة الفقهاء ابن القيم رحمه الله أورد قرابة 1000 آية مقترنة بالحكمة أو المقصد الشرعي، وذلك في كتابه "شفاء العليل"، فهذا الكم الهائل من نصوص القرآن المرتبطة بالحكمة التي رسمها الله في شريعته تقول لنا إن التدبر فريضة شرعية.

أمثلة سريعة:

- المقصد الأقرب من الصيام هو التقوى، والشكر هو الغاية الكبرى.

- ترك الفحشاء هو المقصد من إقامة الصلاة.

- المقصد من القصاص إقامة حياة آمنة مستقرة وإرساء السلام والتنمية.

- السكن والرحمة هما المقصد من الزواج إلى جانب مقاصد أخرى أبرزها العفاف وإيجاد عش آمن لقيام الأسرة السعيدة.

- مقاصد الزكاة ترسيخ الحب والتعاون وتقوية شبكة العلاقات الاجتماعية.

- المقصد من خلق الكون هو تسخيره للإنسان.

- تسخير الكون للإنسان مقصده تعزيز كرامة الإنسان.

- كرامة الإنسان مقصدها أن الإنسان يعبد الله ويقوم بعمارة الأرض وفق منهج الله.

- قصص القرآن أخذ حيزا كبيرا بين نصوص القرآن قاربت ثلث القرآن، وللقصص القرآني مقاصده الكثيرة المركبة والمتداخلة مع أبعاد معرفية وفكرية وسننية -منظومة تحت مفهوم الاعتبار- فهم أسباب الطغيان والفساد والإجرام والظلم والاحتكار والتربية وبناء المجتمعات على أسس وقيم وآليات تحمي كرامة وحقوق الفرد والمجتمع على أساس عقدي وخلقي.

- مقصد تحريم الربا هو إزالة الحقد من قلوب الفقراء وتحقيق مقصد الرحمة للعالمين.

ثانيا، طرق التدبر:

تأسّيا بوظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم، سنقدم للقارئ بعض طرق التدبر حتى يعبد الله بوعي وطمأنينة وذلك في الفقرات التالية:

1- عنوان السورة:
اسم السورة هو المدخل الأبرز لمعرفة المضمون العام للسورة - أهداف كلية وأحكام جزئية لها أهميتها في إقامة وبناء المجتمع.

الجدير ذكره أن السورة قد تتضمن مقاطع كبيرة مختلفة عن عنوان السورة، لكن هناك علاقة مناسبة بين المقطع وعنوان السورة تتجلى للمتدبر وتتضح.

مركزية المرأة.. سورة النساء نموذجا:

عنوان عظيم للسورة يشير إلى مركزية المرأة في المجتمع استقرارا وسلاما وتنمية وبناء مجتمع، ولكن تضمنت السورة قضايا كثيرة كلية وجزئية - الأمن والخوف ومجلس الأمن القومي واختيار ذوي النزاهة لخدمة الأمة، كما تضمنت تعرية المنافقين وأساليبهم وكشفت جانبا من فساد أهل الكتاب وغير ذلك.

كل تلك التعاليم تعطينا تحقيق كليتي العدل والسلام وطرق الوصول إليهما - إعطاء المرأة حقوقها وحقوق اليتيم ومعالجة مشاكل الأسرة والمرجعية الشرعية... إلخ وسائل تحقيق السلام.

2- مطلع السورة وخاتمتها:
هذه طريقة للتدبر ترسخ المفاهيم العظيمة في بناء الوعي المجتمعي.. سورة النساء بدأت بما يتعلق بقضايا المرأة وتكرر الموضوع وسط السورة وانتهت السورة بنفس الموضوع.

أيضا سورة الواقعة مطلعها حول القيامة وأقسام الناس - ميمنة، ومشأمة، وسابقون، وانتهت بذات التقسيم - مقربون، أصحاب يمين، مكذبون، وهناك اتفاق بين مطلع السورة وآخرها ولكن بصورة أخرى لكنها واضحة المعنى للمتدبر - سورة الجن، مطلعها يثبت قدسية القرآن وانتهت بإثبات مصداقية الرسول المنزل عليه القرآن.

3- مقصد الأسماء الحسنى:

القرآن حدد أن المقصد من الأسماء الحسنى هو الدعاء: "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها"، "قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّا مّا تدعوا فله الأسماء الحسنى".

الرسول صلى الله عليه وسلم علمنا وهو يتلو القرآن، فإذا مر بآية دعاء فيدعو وآية عذاب فيتعوذ بالله من العذاب وكذا مع الأسماء الحسنى فيدعو بها ومع آية الشكر فيشكر... إلخ مقامات التعبد والخلق والاستغفار.

4- السياق ونهاية الآيات:

هذه من أفضل طرق التدبر، صفات الظالمين والمجرمين والمفسدين والمنافقين والطغاة والمستبدين والكذابين، والعقلاء والعلماء والمؤمنين والصادقين والكفار والمشركين والمفكرين وأهل الأهواء والمقلدين - الآبائية... إلخ.

فالذي يتدبر يجد الكثير من التداخل بين صفات من سبق ذكرهم بصورة لافتة، سيجد أن الشرك صورة من صور الظلم: "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون"، "إن الشرك لظلم عظيم".

وسيجد أن آيات الظلم أكثر من آيات الكفر، وسيجد أن المحتال على "صداق" أو حقوق الزوجة تحت أي مبرر أنه بهتان (قذف): "أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا".. سيجد أن التاجر المطفف للمكيال والميزان مفسد في الأرض، وسيجد أن الله أطلق صفة الفسق على المجتمع اللاهث المقدس للطغيان أولا وأن الله ينتقم من ذلك المجتمع ثانيا: "فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين • فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين".

الأمر الأهم:
الأمر الأهم في صدد الصفات الآنفة هو أن التالي المتدبر حقا عليه أن يتحسس مكانته بين تلك صفات المؤمنين وغير المؤمنين.

قال الحسن البصري رحمه الله: لقد طار نومي ثلاث ليال وأنا أتحسس موقعي يوم يقول الله: "وامتازوا اليوم أيها المجرمون".

وقال الفقيه ابن الجوزي: أخاف جدا من آية: "وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون".

وقال آخر: النظر في سياق الآيات ذهب بنومي.

باختصار، إذا أشكل عليك فهم بعض كلمات فانظر قبلها وانظر بعدها وانظر أمثالها في القرآن وستصل إلى المطلوب، فاستعن بالله أيها التالي العزيز.

5- القيم الكونية والخلقية:
القيم الكونية - الرحمة، كرامة الإنسان، حرية الإرادة، المساواة، القيام بالقسط، العدل في الحكم، الإحسان الحضاري، التعارف. وكذلك القيم الخلقية - الصبر، العفو، الصفح، الكرم، الإنفاق، التعاون على البر، الحب، الأخوة، الحلم، كظم الغيظ، التواضع، الكرم، حق الجار، العفة، الأمانة... إلخ، وهي كثيرة جدا، عليك أن تتأمل في مقاصدها ستجد:

- أنها أساس بناء المجتمع.

- أن كل القيم الآنفة الذكر وردت في القرآن المكي، وهذا يعني أن قيم بناء المجتمع أكثرها تضمنها القرآن المكي.

- ستجد أن كل القيم الآنفة متجذرة في أعماق العقيدة وأنها جزء من العقيدة الإيمانية وأن عليها عقوبات مفزعة.

وستجد أن جل المفسرين فصلوا بين العقيدة والقيم بل وفصلوا بين سنن التسخير الكوني للإنسان والعقيدة، بل وفصلوا بين الأحكام الشرعية والسنن الحاكمة للاجتماع، والسبب أن ظروف واقعهم كانت مختلفة، بخلاف واقعنا فهو رازح تحت ثقافة الوافد الآمر الذي يعني أننا بحاجة إلى إعادة التأصيل العقدي للقيم وأن ربطها بالعقيدة بات ضرورة شرعية.

والسبب هو أن الوعظ المتوارث بشأن القيم لم يعد نافعا بل فشل تماما فانهارت القيم الإنسانية والكونية والخلقية والسنن الكونية والقيم الوطنية، وضاعت المبادئ العليا، وهذا دليل قاطع يدعونا إلى التجديد في مجال القيم - ربطها بالعقيدة، والقرآن كله زاخر بالربط العقدي وبالعقوبات على مخالفتها.

تلكم هي أبرز طرق التدبر.. نلتقي بعونه سبحانه مع الحلقة الثالثة "أنماط التدين".

كلمات دالّة

#اليمن